مَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة- أبْ لِحَايَّة، قصصٌ مِنْ التُّــــراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الخَامِسَةُ والثَلَاثُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد
9 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَدْ السِرِيَّة أفلح من أخوانه، هكذا رسخ هذا المفهوم، عبر التاريخ، ضمن مفاهيمٍ أخرى كثيرة سادت عن وَدْ السرية، وعن السِّرِيَّة ذاتها (أمه)، وجرت العادةُ، في أزمانٍ غابرةٍ، إن المرأة المسترقة، حينما تصير طوع وليِّها، حتى تحبل منه، وتلد، يكُونُ أمامه خياران، إما أن يعلن زواجه منها، ويبقيها معه، أو يعتقها، ويسرحها بإحسان، مُستمتعةً بكاملِ حريتها.
وهذا، بالضبط، ما حدث لوالدة البطل (مَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة)، فأعتق أبُوهُ أمَّهُ، ولكن،بلا إحسانٍ يُذك، فقد سرحها دونما مأوى، أو مأكل، أو مصدرٍ للرزق.
وفي البداية، هامت على وجهها، وطفقت تسير في الخلاء.
ولكن، بعد زمن مضنٍ وبحثٍ طويل، وجدت حقلاً خصباً، كان يُجاورُ مصدراً للماء، فاستقرت هناك، تزرع العيش، والقمح، وتحصد السنابل، وترعى الغنم، والدواجن فتحصل على اللبن، والبيض…
وشَبَّ (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة) عنِ الطَّوْق، وصارَ يُساعِدها في أعمال الفلاحةِ اليوميّة، بالإضافةِ إلى ممارسته هوايته المفضَّلة في صيدِ الأسماكِ من التُّرعَة، وصيد الطُّيُور، بالنبالِ، في الأمسيات، حين تهم تلك الطيورُ بالرَّواحِ إلى أوكارِها!
وفي إحدَى الأُمسَيَات، إصطادَ (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة) حمامةً، كان جناحُها الأيمنُ من الفَضَّة، ووجناحُها الأيسرُ الأيسر من الذَّهَبْ…
وفرحَ (محمدٌ) بصيده تلك الحَمَامَة فرحاً شديداً، وانطلق إلى أمِّهِ مسرعاً، يملؤُه الفخرُ، والاعتزاز بمهارته في الصيد، وقال لها:
– لابُدَ أن يَرى أبِي هذه الحَمَامَة: (ليَعرِفَ مَنْ أكُوُن؟).
فقالت لهُ أمُهُ:
– والدُك مشغولٌ بشؤونِ رعيته، ولن تهمه هذه الحَمَامَةُ أو غيرها، ولن يهتم بك أنتَ، أيضاً، فلا تُحرج نفسَك مَعَهُ.
ولكن (مَحَمَّداً وَدْ السِرِيَّة) لم يستمعَ إلى نُصحِ والدته، وأهمل رأيها، وضرب بكلامها عرض الحائِط، فانطلقَ، في الصباحِ الباكــــر، إلى قصر والده الملك، وهو يحملُ معَهُ الحَمَامَةَ الثمينةَ التي نصفُها فَضَّة ونصفُها الآخر من ذَهَب!
وصدقت نبؤة السريَّة فلم يهتم أبُوُهُ به وأهملَهُ، باديءِ الأمر، ولم يحفلَ بِهِ، ولم يعره انتباهاً، إلا عندما أخرج (مَحَمَّدٌ وَدْ السريّة) الحَمَامَةَ ذاتَ الجناحين االفَضِّي، والجناح الذَّهَبْي.
وأَبدَى أبُوهُ، وهو يتملى الحَمَامَة، إعجابه الشديد بها، وبولده (وَدْ السِرِيَّة).
ومع ذلك، فقد أكرمه نصف إكرام، واحتفى به نصف احتفاء…
وعندما أفاق من دهشته، نادى على أولاده الاثنين إِخْوَةُ (وَدْ السريّة)، وأمرهم أن يأتوه بالمزيدِ من الحَمَامِ الذَّهَبْيِ المُفَضَّض، أسوةً بأخيهم (مَحَمَّدٍ وَدْ السِرِيَّة)، ووافقوه على طلبه، ووعدوهُ بتنفيذِ أمرهِ، (طبعاً!)… وشرعوا في الإعدادِ للسفر، بغرضِ جلبِ المزيدِ من تلك الحمائم الثمينة!
وتخيروا الخيولَ الأصيلة، والسُّيُوفَ المُهنَّدة، والطَّعامَ الطَّيِّبِ، الرغد على عكس ما نالهُ (محَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة)، فلقد أسرجُوُهُ حصاناً هزيلاً، وزودُوُهُ بطعامٍ شظفٍ، وخشن، وحمَلُوُهُ سيفاً صُنِعَ من الحديدِ الصديء!
وانطلقوا، ثُلاثَتهم، والحاشية لإلأى جوفِ الصحراء، يبحثون عن نُزُلَ الحمامِ الثَّمِين.
وبعدَ مسيرٍ مُضنٍ وطويل، وبعد أن كادتِ الشمسُ أن تغيب، وجدوا رجُلاً، مُسنًا، يستظلُ بشجرةٍ وارفةٍ، فسَلَّمُوا عليه، وسألوه:
– يا عمنا، أينَ يُمكِنُنَا أن نجد الحمائمَ ذاتَ الأجنحةِ الذَّهَبْيّة، واالفَضِّية النَّادِرة؟
فردَّ عليهم الرَّجُلُ المسن، وهو يشيرُ إلى ثلاثةِ طُرُقٍ تفترقُ بالقربِ مِنْهُ، وقالَ لهُم:
– الطريقُ الأولُ يضوَدِّي ويجيب ،ولكنَّه لا يقوَدُ إلأى الحمائم، بالتأكيد، أما الطريقُ الثاني، فهو يوَدِّي، ولكنه يجيب بصعوبةٍ أكـــبرُ من الطريق الأول، ولكنَّ احتمالَ وُجوَدِ الحمائم فيه، أكبر، أمّا الطريقُ الثالثُ، فانّه يوَدِّي، ولا يجيب، ولكنه، هو بالذات، الطريقُ الذي يصل إلى الحمائم!
وتقاسمُوا الطرق، وتفرَّقُوا فيها، فأخذ أخوا (مَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة) الطريقين الأوَّل والثاني، لهما، وتركا مَحَمَّدْاً يسيرُ في الطريقِ الثالث، الــذي (يوَدِّي ولا يجيب!) وحدهُ.
أمَّا الأخوين، فقد مرَّت بهما في طريقيهما قطةٌ، فطرداها كليهمما، ولكنها لحقت (بمَحَمَّدٍ وَدْ السِرِيَّة)، واستجارت به، فأجارها، وقسم لها من طعامه الشظف، وشرابه الشحيح، حتى شبعت، وارتوت.
وفي اليومِ الثاني، مرَّ بهِ كلبٌ شديدُ الهُزال، كان إخوته قد طرداه، هو أيضاً، فما كان من (مَحَمَّدٍ وَدْ السِرِيَّة) إلا أن أطعمهُ، وسقاهُ من زادِهِ وشرابِهِ القليلين.
ثُمَّ، مرَّ بِهِ في اليومِ الثَّالث، مُسنٌ، ضعيفٌ وأجرب، ولا يقوَى على المشي، فساعدَهُ محمدٌ، وأطعمهُ من طعامِهِ وسَقاهُ من شَرابِهِ.
وبعدَ أن أكلَ المسنُّ، وشرب، قالَ (لمَحَمَّدٍ وَدْ السِرِيَّة):
– الآنَ، سأُخبرُكَ عن حقيقتي، بعدَ أن امتحنتكُ، أنتَ وأخوتك ثلاثةَ مرّاتٍ.
وواصل الرجلُ المُسِنُّ كلامهُ لمحمدٍ، بعدَ راحةٍ قصيرةٍ، فقال:
– أنا الرَّجُلُ الذي قابلتكم، هُناك، عند مدخلِ الطرق الثلاثة، وأنا هو القطةُ التـــي طردها أخواك، وأكرمتها أنت، وأنا الكلبُ الذي ضَرَبَه أخواك، وأطعمته أنت، وها أنا قد تبديت لك في صورتي هذه، وأنت أكرمتني، فوجبت علىَّ، إذن، مُصارحتُك بحقيقتي، ومساعدتُك، ما استطعت إليها سبيلا، وأنا في الحقيقة يا (مَحمَّد) جنِيٌّ، ولستُ من بني جلدتكم، فاطلب يا صديقي ما تُرِيد!
فقال له (وَدْ السِرِيَّة):
– أريدُ أن أجلبَ الحمائم النَّادِرَةَ لوالدي، وأريدُ منك أن تساعدني في الحصول عليها.
فقالَ لَهُ الجنِّيُ:
– لا عليك (يا محمد)، سآخذُكَ إلى قصر السُّلطان الذي يعيشُ فيه الحمام، ولكن، عليكَ أن تقبِض تلك الحمائم أزواجًا، (جُوْز…جُوْز)، وإيَّاكَ، ثُمَّ إيَّاكض أن تقبض حمامةً مُفرَدَةً، وسأشغلُ، أنا، الحُرَّاسَ عنك، حتى تأخذ ما يكفيك من الحمائم.
وأوفى الرجل الجني بوعده، وصار محمد في داخل القصر الآن، حيثُ الحمائم النادرة، وبدأ يقبض ما يرد منها (جوز… جوز)، ولكن، وفي غمرة انهماكه صيدِ الحمائم، التي كانت تنافس بعضها، وكل واحدة منها أجمل من الثانية، أخطأ محمدٌ وقبض على حمامةٍ مُفرَدةٍ.
فصاح الحمامُ، كله، وهاجَ وأثار ضجةً، كانت كافية لأن تلفت انتباه الحرّاس، فأتوا، ووجدوا محمداً وسط الحمام، فألقوا القبض عليه، وحملُوهُ، مصفداً، إلى مجلس السلطان.
وفي مجلسِ السلطان، (مَحَمّدٌ وَدْ السِرِيَّة) قصته كاملةً للسلطان، وأبدى السُّلطانُ تفهماً، ولكنه قالَ (لود السِرِيَّة):
– عليك أن تأتيني بالإوزة التي جَنَاحها فَضَّة، والآخرُ ذَهَب، وسأعطيك مهلةَ ثلاثة أيام، أرسلُ بعدها جنوداً في أثرك، وأمرتهم بقتلك متى وجدوك، إن لم تأت بالإوز، أمَّا وإن نجحت في إحضاره، أعطيتك نصفَ ما أملك من حمائم.
ثُمَّ أسرجوهُ، وحمَّلُوهُ بما لذَّ، وطاب…
وفي الخارج، كان الجنــــي يجلسُ بانتظاره، فحكي محمدٌ للجنـــي ما دار في مجلس السلطان.
ووافق الجني على مساعدة محمد للمرَّةِ الثانية، ومساندته في رحلته لجلب الإوز ذي الجناح االفَضِّي، والجناح الذَّهَبْي، وكرّر له الجنيُ ما كان قد قاله له عن صيد الحمائم:
– إيَّاك… إيَّاك يا (محمد) أن تقبض على إوزةٍ منفردة.
ولكن الإوز كان في غايةِ الجَّمَال، وتصعبُ المقارنةُ بينه، وتحديد أيها يقبض.
وسهى (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة)، وقبضَ إوزةٍ مُنفردة.
فهاجَ الإوز، وماج!
وجاء الحرّاس، فألقوا القبضَ علـــــى (مَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة)، وحملوه إلى مجلسِ السلطان، وهناك أستمع السُلطانُ لقصته، ثم قال له:
– سأعفيك، بشرط هو أن تأتيني ببنت السلطان فلان ، وأخبره أنه يريدُ الزواج منها، ووصف له جمالها، وبهائها، وشرح له كيف أنها تخضع لحراسةٍ مُشددة.
وقال له، وهو يوصيه:
– يجبُ عليك، لتصل إلى غرفتها، أن تخترق رهطاً من الحرّاس، وأن تمر بغرف إخوانها السبعة، على التوالي.
واشترط عليه إن لم يأت بها في خلال يومين، فإنه سيرسل في إثره الحراس، ويأمرهم بقطع رأسه، ووعده بأن يعطيه نصف ما يملك من إوز، أن هو أتى بها.
وفي الخارج، كان الجني في انتظار (مَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة) … ووعده بمساعدته في جلب بنت السلطان… وكانت تلك المرة الثالثة التي يساعده فيها الجني!
وقال الجني:
– عليك التظاهرَ بأنَّك بائعُ حلوى، وسأذهبُ أنا للأميرة، وأُقرِّظُ لها حلواك، وعندما تأتيك، تقومُ أنتَ باختطافها، ثُمَّ نذهبُ بها للسلطان فُلان، ونريها له، حتى ما إذا أعطانا الإوز، نهرب بالعروسِ، والإوز معاً، ثم نذهب للسلطان علان ، حتى ما إذا رأى الإوز، وأعطانا الحمائم، نهربُ بالعروسِ، والطيور االفَضِّية المذهبة كلها.
ونجحت الخطة، وهربا وفق ما خططا بالعروس والطيور النادرة، وذلك بسبب شجاعة (مَحَمَّدْ وَدْ السريّة) وإخلاص الجني!
وعند مفترقِ الطُّرُق الثلاثة، قال الجني (لمَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة):
– هنا نفترق، وتذهب أنت إلى أبيك، وتعطيه الطيور االفَضِّية، والمذهبة، وتتزوج من بنت السلطان (فلان)، وسأعطيك ثلاث سببيات من شعر رأسي، تفركها أن احتجتني، فآتيكَ في الحال!
ثم وَدْعهُ وافترقا.
وفي مفترق الطرق، التقى (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة) بأخويه، الذين ما أن رأيا بنت السلطان، وجمالها، حتى قررا أن يتخلصا من أخيهما (مَحَمَّدٌ وَدْ السريّة)، على أن يفوز الأخُ الأكبر بالعروس.
وفي المساء، حفرا حُفرةً كبيرةً، وغطياها ببساطٍ من الحرير ، ووضعا فوقها طبقاً من التمرِ، المدهُون بالسمنِ، والعسل…
ثم دعيا ((مُحَمَّدْا وَدْ السِرِيَّة) ليأكل من التمر ، الموضوع فوق البساط…
ولكن، ما أن اقترب (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة) من التمر، حتى هبَطَ به البساط الحريري إلى باطنِ الحُفرة، وباءت استغاثاته واستنجاداته بأخويه بالفشل، لأنهما كانا قد انطلقا، ومعهما العروس (بنت السلطان)، والطيور صوب قصر أبيهما.
ومكثَ (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة) ثلاثةَ أيّامٍ داخل الحفرة، ولما بلغَ به الجوعُ، والعطشُ مبلغاً كبيرااً، تذكر سببياتِ الجني الثلاث، ففركهما في الحال، وما هي إلا لحظات حتى أتاهُ الجني، وأخرجه من الحُفرة، ثُمَّ أستمعَ لروايتهِ عمّا فعلَ بِهِ أخواه، وطيَّب الجنيُ خاطره، وساعدَهُ في استعادةِ شكله ومظهره الجميل، وألبسه، وهندمه بملابسٍ من حرير، ثم حمله، وأوصله إلى بابِ قصر أبيه.
وهناك وجدَ (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة) الناسَ متجمهرين، والنَّحَاس والبوق يضربان، ويشقان عنان السماء، والذبائح المختلفة تتناثر في المكان، والناس مبتهجين، فسأل عن المناسبة، فقيل له:
– مَبرُوك، اليوم عُرس أخيك الكبير، على بنت السلطان (فلان).
فذهب (مَحَمَّدٌ وَدْ السريّة) إلى مجلس أبيه، وحكى له عن مؤامرةِ أخويه، وكيف أنه هو من أحضر العروس، وهو من صاد الطيور.
ولكن أباه لم يصدقه، وقال له:
– هات دليلك على ما تقول، وإلا قطعت رأسك، ورأس أمك!
فقال (مَحَمَّدٌ وَدْ السريّة) لأبيه:
– أسأل أخواي عن محتوياتِ الكراتين، والجوالات التي تحملها الخيول!
وبين الشك واليقين، والتكذيب والتصديق نادى الملك على ابنيه، وسألهما:
– ماذا تحوي الكراتين، والجولات التي هي على ظهر الخيول؟
فأجاباه:
– إن بها غياراتهما، وملابسهما.
ولمّا سأل (مَحَمَّدْ وَدْ السِرِيَّة)، أجابه قائلاً:
– هذه الكراتين، تحوي الحمائمَ الفَضِّية، المذهبة، وهذه الجوالاتُ مليئةٌ بالإوز الذي يحملُ نفسَ صفات الحمائم… وقد أحضرت الحمائم من قصر (السلطان فلان) والإوز من قصر السلطان (علان)، ولك أن تسأل، أيضاً، بنتَ السلطان عمن الذي أحضرها؟
فلمّا سألُوها، أجابَت:
– إنَّ الذي أحضرَني هُو (مَحَمَّدٌ وَدْ السِرِيَّة!).
وعند هذا الحد، ما كانَ من السُّلطان (أبي محمد) إلا أن انفجر باكياً، واحتضن ولده، وزوَّجَهُ من بنتِ السلطان الجميلة، ورجعت أمُّه، وسكنت مع الملكات في داخل القصر.