نحو إعادة تأهيل مؤسسات التعليم العالي .. بقلم: رمضان أحمد
18 يناير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
130 زيارة
كلمة “إعادة تأهيل” توحي بوجود خلل أو خراب أو دمار ما ويراد إصلاحه. وهذا ما أعنيه بالضبط، إذ إن منظمومتنا التعليمية قد اعتراه خلل بائن لا يخفى على العين. ويتمثل هذا الخلل أو الخراب أو الدمار إن شئت في محورين اثنين سأشرحهما بالتفصيل في الأسطر التالية، وهما فلسفة التعليم، والبون الشاسع بين المخرجات التعليمية وبين متطلبات السوق.
أما بالنسبة للفسلفة التعليمية، فالتعليم التقليدي يقوم على البحث عن المعلومة. بمعنى أن قدرة الطالب على الحصول على المعلومة وترتيبها في حد ذاتها إنجاز، لأن ذلك دليل على أن الطالب غاص في بحور الكتب ليستخرج المعلومة. هذا الكلام ينطبق على زمان كان التواصل فيه عزيزاً ويكابد الناس المشقة في نيل العلم، سواءَ أكان من حيث الحصول على المراجع أو الانتظام في حلقات العلم أو الترحال لملقاة العلماء.
ولكن بمرور الزمن ومع التطور التكنولوجي، انتفت المسافات وأصبحت المعلومة متاحة بمجرد نقرة زر فأرة الحاسوب. فمسألة الحصول على المعلومة لم تعد مشكلة على الإطلاق، بل هناك تخمة في وفرة المعلومة. إذا أردت مثلاً أن تعرف عدد المواليد والوفيات في أي دولة أو نسبة الجريمة أو عن أي ظاهرة اجتماعية أو طبيعية ما عليك إلا أن تدخل موقع الأمم المتحدة فستجد كل التفاصيل عن كل دولة على حدة والمعلومات خاضعة للتحديث بصورة دورية. فضلاً عن ذلك نجد منظمات المجتمع المدني والناشطين والمؤسسات بكل أصنافها تنشر معلوماتها عبر الشبكة العنكبوتية. فكل المعلومات المتوفرة في الانترنت قابلة للبحث والعثور عليها بموجب اتفاقية استخدام الانترنت، اللهم إلا إذا كانت المعلومات خاصة مرسلة عبر البريد الإلكتروني أو مشفرة. ملايين الكتب في شتى المجالات متوفرة ويمكن الحصول عليها من أي مكتبة في العالم سواءً أكانت نسخ ورقية أم إلكترونية. إذن، فما معنى أن يظل النظام التعليمي قائماً على البحث عن المعلومة كما هو الحال عندنا في السودان وفي البلاد العربية عموماً؟؟
لقد تغيرت فلسفة التعليم الجامعي في الجامعات المحترمة، وأصبحت البحوث العلمية مرتبطة اتباطاً وثيقاً بالمجتمع، بحيث يقوم البحث على تحليل المعلومة – المتوفرة أصلاً – لتكون قابلة للإسقاط على أرض الواقع لفائدة المجتمع. لذلك عندما يقدم طالب لمشروع الماجستير أو الدكتوراه أول سؤال يطرح عليه هو: ما هي المشكلة التي ستعالجها بنهاية البحث؟؟ فيقوم الطالب بتقديم ما يثبت جدوى بحثه في بضع صفحات، من حيث تأطير المشكلة ووضع فرضيات لحلها والنتائج المترتبة عليها مجتمعياً. ثم بعد ذلك تشكل لجنة علمية لدراسة المقترح من مختلف الزوايا ثم إما الموافقة عليها أو رفضها أو إبداء ملاحظات عليها. وعندما يبدأ الطالب مشروع البحث يُطلب منه في كل مرحلة عقد ندوة علمية يحضرها متخصصون وطلبة دراسات عليا في نفس المجال من الجامعة والجامعات الأخرى بل وحتى الجمهور، ويعرض عليهم ما توصل إليه حتى الآن ثم يتلقى الردود وبذلك يطور أفكاره وينضجها حتى يخرج بحثه مفيداً فعلاً للمجتمع.
تفترض الأمانة العلمية – كشرط من شروط الدراسة العلمية – أن لا يكون موضوع البحث قد خضع لدراسة في أي مؤسسة تعليمية في العالم، وأن يكون التعبير الذي يورده الطالبه تعبيره هو وليس منسوخاً من أي مصدر آخر. علماً بأن الأستاذ المشرف على الطالب يجب أن يكون قادراً على اكتشاف “جملة واحدة” – ناهيك عن نصوص كاملة – اقتبسها الطالب من دراسة أخرى دون أن يشير إلى مرجعها، وإذا لم يستطع أن يفعل ذلك فليس هو أهلاً بأن يكون مشرفاً ! أضف إلى ذلك، مهمة المشرف تزويد الطالب بأي كتاب أو مقال أو محاضرة بخصوص موضوع البحث ليطلع عليها الطالب حتى لا يكون بحثه مكرراً، علماً بأن المراجع أحياناً تكون بالمئات من مختلف الجامعات العالمية ويطلب من الطالب الإطلاع عليها جميعاً.
الإشراف على رسالة الدكتوراه أو الماجستير ليس مسألة سهلة، بل تتطلب من الأستاذ الجامعي أن يكون مواكباً لكل التطورات التي تحصل في مجاله على مستوى العالم، من حيث الكتب التي صدرت والبحوث العلمية والاكتشافات وغير ذلك. فالمسألة ليست مجرد إطلاع، بل متابعة وتشبيك مع الرصفاء والمهنيين على مستوى العالم من خلال منابر مشتركة، حتى يستطيع الأستاذ الجامعي أن يشرف فعلاً على رسالة علمية.
إذا قارنا هذا الوضع المثالي لأي مؤسسة علمية محترمة مع ما يحصل في جامعاتنا ندرك أننا في مأساة حقيقية ! فجامعاتنا ليست مؤهلة لا من حيث البنية التحتية ولا من حيث الكادر البشري. وأصبحت الجامعات تمنح شهادة الدكتوراه لمن يدفع! فكانت النتيجة بائسة، إذ تجد شخصاً يقول أنه يحمل شهادة الدكتوراه ولا يستطيع أن يتحدث عن فحوى أطروحته لمدة خمس دقائق! بل، لا يحمل من العلم إلا حرف الدال التي تسبق اسمه، ويشتط غضباً إن ناديته بدونها! العلم يزيد صاحبه تواضعاً، والجهل يزيد حامله تكبراً. إن أي أطروحة علمية لا تعالج مشكلة اجتماعية أو تضيف إلى العلم شيئاً أو تبتكر منتجاً لا تعدو أن تكون مجرد أحجية لا يستحق صاحبها مجرد إشادة في ورقة بيضاء.
جامعات ليس فيها مختبر حاسوب حتى يتمكن الأستاذ – فضلاً عن الطالب – من التواصل مع رصفائه في الجامعات الأخرى ويتبادل معهم الخبرات والتجارب والمراجع. هذه لا تصلح أن تكون مدارس ابتدائية!
وأما فيما يتعلق بالبون الشاسع بين المخرجات التعليمية وبين متطلبات السوق، فحدث ولا حرج. ليس أدل على ذلك من طالب يحمل ماجستير وتجده إما عاطلاً أو يكون سائق “ركشة” !!
وأعني بالسوق ليس مكان بيع وشراء السلع فحسب، بل كل الحراك البشري المقصود به تلبية متطلبات البقاء والعيش الكريم، ويشمل ذلك السلع والخدمات والفكر. الوضع الطبيعي أن يكون هناك توازن بين السوق وبين مخرجات العملية التعليمية، بحيث يتبوأ الخريج موقعه الطبيعي في السوق بما يتواءم مع مستوى تأهيله. فكلما تأهل الشخص توسع موقعه في السوق، بمعنى أن الدخل المادي الذي يناله الفرد يساوي قيمته هو في السوق. فلو أن شخصاً يكسب 10 دولارات في الساعة هذه هي قيمته السوقية. فالوضع الطبيعي أنه لو رفع قيمته العلمية سترتفع قيمته السوقية مباشرة. فبدلاً من أن يكسب 10 دولارات في الساعة قد يسكب 100 دولار في الساعة أو أكثر إستناداً إلى مستوى القيمة العلمية التي يرفع بها نفسه.
إذا لم يحصل هذا التوازن الطبيعي فهذا يعني أن هناك خللا واضحا، إما في السوق أو في المنظومة التعليمية أو كلاهما معاً.
هنا يأتي دور المؤسسات التعليمية في توجيه مخرجات العملية التعليمية لتلبية متطلبات السوق، ويحصل تنسيق تلقائي بين الاثنين لأن كلاهما يعتمد على الآخر. فالبحث العلمي عندما يوجه لمعالجة مشكلة ما، سنجد هناك جهة ما في السوق معنية بهذا البحث وبالتالي تجد هذه البحوث طريقها إلى التطبيق وبذلك تعالج قضايا المجتمع علاجاً علمياً. القطاع الخاص يلعب دوراً كبيراً في إثراء الإنتاج العلمي عندما تتبنى الشركات مشاريع بحثية وباحثين، أو تشتري حقوق الملكية الفكرية لابتكارات الطلبة من الجامعات. والمجتمع المدني أيضاً له دور في إثراءالبحث العلمي خاصة في مجال العلوم الإجتماعية، حيث تتبنى المظمات غير الحكومية المشاريع البحثية التي تعالج ظواهر اجتماعية محددة. عندما تحصل هذه الشراكة المجتمعية بين المؤسسات العلمية والقطاعين الخاص والعام والمجتمع المدني لا يمكن أن يتخرج الطالب من الجامعة ثم يصبح عاطلاً، بل يكون موقعه محجوزاً قبل تخرجه. وما أكثر مشاكلنا في السودان التي تتطلب أطروحات علمية لمعالجتها، علمياً وسياسياً واجتماعياً.
إذن، تتطلب إعادة تأهيل مؤسساتنا التعليمية تغيير فلسفتنا التعليمية من ناحية وإيجاد شراكة حقيقية مع المؤسسات العلمية المرموقة في العالم بغية الاستفادة من تجاربها والارتقاء بمستوى حملة شهاداتنا العلمية من ناحية أخرى، وكذلك إيجاد شراكة حقيقية مع المجتمع المدني المحلي والقطاعين العام والخاص بغية إيجاد معادلة بين مخرجات العملية التعليمية وبين متطلبات السوق
lombe7@gmail.com