محمد صالح محمد
تتكسر الكلمات في حنجرتي كشظايا الزجاج ويتحول الحبر إلى دموع صامتة تسيل على ورق الوجع. أكتب إليكِ والقلبُ مثقوبٌ برصاص الغربة والروحُ معلقةٌ على حبالِ شوقٍ لا ينتهي. يا “زولة” سكنت في تفاصيل النبض يا من كنتِ الأمان حين اشتد الخوف والوطن حين ضاعت الجهات.
وداعٌ بطعم الموت …
ليتكِ تعلمين أن خروجي لم يكن اختياراً بل كان هروباً من قدرٍ يتربص بنا ووجعٍ ينهش في جسد الأيام. غادرتُ وفي عينيّ ملامحكِ المكسورة وفي أذنيّ صدى صوتكِ الذي ينادي “لا تمشي”. غصباً عني جرفني تيار الضياع بعيداً عن شواطئكِ وتركتُ خلفي قلباً لا ينبض إلا بكِ وذكرياتٍ هي كل ما أملك في حقيبة رحيلي المثقلة بالندم.
احتراق المسافات …
سامحيني فكل ليلة تمر عليّ بعيداً عنكِ هي عمرٌ من العذاب. أرى وجهكِ في وجوه الغرباء وأسمع اسمكِ في صمت الليالي الباردة. كل خطوة خطوتها بعيداً عن “الحوش” وعنكِ كانت طعنة في خاصرة روحي. أنا هنا جسدٌ بلا روح ظلٌ تائهٌ يبحث عن شمسكِ ليحيا من جديد. سامحيني لأنني لم أستطع أن أكون السد الذي يحميكِ من فيضان الحزن ولأنني تركتكِ تواجهين عواصف الأيام وحدكِ.
عهدُ المستحيل …
لكن اسمعي نبض قلبي الصادق وسط هذا الحطام أوعدكِ بعمل المستحيل.
سأحفر في الصخر بأظافري سأطوي المسافات وسأحطم جدران المستحيل لأعود إليكِ. سأبني من رماد الأمس قصراً من الطمأنينة وسأعوضكِ عن كل دمعة سقطت في غيابي وعن كل لحظة شعرتِ فيها بالوحدة. سأعود لأغسل جراحكِ بيديّ ولأعيد ضحكتكِ التي سرقتها الأقدار.
“يا … الغربة ليست بلاداً بعيدة الغربة هي أن ألتفت ولا أجدكِ بجانبي. لكنني قادم، ولو كان بيني وبينكِ ألف بحر وألف جبل”
سامحيني فالوجع أكبر من الكلمات والوعدُ دينٌ في عنقِ رجلٍ لا يعرف معنى للحياة إلا بالعودة إليكِ. استودعتكِ الله الذي لا تضيع ودائعهحتى يجمعنا قدرٌ لم يعد يملك خياراً سوى أن يرضخ لإصراري.
بينما يبتلعني ليلُ الغربة الموحش أضعُ جبهتي على جدار الصمت وأهمسُ باسمكِ كصلاةٍ أخيرة. إن كُتب لي أن أموت بعيداً فلا تظني أنني نسيتكِ بل اعلمي أن روحي ستمتطي أول سحابة متجهة نحو بلادنا لتهطل مطراً على بيتكِ و علّها تلمس وجهكِ للمرة الأخيرة.
سامحيني يا زولة فما أصعب أن يحيا الإنسان بقلبٍ في صدر وروحٍ في صدرٍ آخر سأظل أطارد طيفكِ حتى تنقطع الأنفاس وسيبقى وعدي لكِ هو القنديل الوحيد الذي يضيء عتمة انكساري.
وإلى أن نلتقي أو يفنى الوجود تذكري دائماً أنني ما رحلتُ إلا لأجلكِ وما بكيتُ إلا لأنني فقدتُ فيكِ نفسي.
أبو زينب
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم