)كلام عابر)
بلغ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه شأوا بعيدا في الزهد والشدة على نفسه وعلى أسرته في كل ما يتعلق بالمال العام والمنصب العام ويذكر أن مبادئه في المساواة بين الناس وحماية حقوق الانسان كانت ملهمة للثورة الفرنسية في االقرن الثامن عشر وقد تفاجأ خطيب الثورة الفرنسية لافاييه عندما كان يقرأ بيان الثورة الأول بوجود تطابق تام بين عبارة “يولد الرجل حرا ولا يجوز استعباده” وما قاله عمر قبل قرون خلت” متى استعبتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” مما حدا بلافاييه أن يقول “أيها الملك العربي العظيم عمر بن الخطاب أنت الذي حققت العدالة كما هي.
من أخص خصائص سيدنا عمر أنه كان يتفقد الرعية في جنح الليل فيساعد المحتاج والجائع والمريض وقد روى التاريخ قصته مع تلك المرأة التي كانت تغلي الماء في النار لتلهي أطفالها الجائعين به يحسبونه طعاما حتى يغلبهم النعاس فأبصر بها عمر وحمل لها على ظهره رزقها من بيت مال المسلمين وقام بنفسه بطهي الطعام ونفخ النار تحت القدر وكانت ملحمة خلّدها شاعر النيل حافظ ابراهيم:
وَمَنْ رَآه أَمَامَ الْقِدْرِ مُنْبَطِحًا وَالنَّارُ تَأْخُذْ مِنْهَ وَهْوَ يُذْكِيهَا
وَقَدْ تَخَلَّلَ فِي أَثْنَاءِ لِحْيَتِهِ مِنْهَا الدُّخَانُ وَفُوهُ غَابَ فِي فِيهَا
رَأَى هُنَاكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى حَالِ تَرُوعُ لَعَمْرُ اللَّهِ رَائِيهَا
يَسْتَقْبِلُ النَّارَ خَوْفَ النَّارِ فِيِ غَدِهِ وَالْعَيْنُ مِنْ خَشْيَةٍ سَالَتْ مَآقِيهَا
زيارة المحتاج ليلا وتقديم المساعدة له، حتى لو كانت هذه المساعدة مجرد كلمة طيبة، عمل نبيل وفيه ستر للمحتاج وحفظ لماء وجهه ، ولم يكن سيدنا عمر يصطحب معه إلا مولاه أسلم في هذه الزيارات ، ولولا ما أورده عنها كبار المؤرخين أمثال الطبري وابن كثير وابن الأثير والمسعودي وغيرهم اغابت في مجاهل التاريخ الكثير من أفعال الفاروق رضي الله عنه.
تأسي كبار المسئولين في الدولة بنهج الفاروق عمر رضي الله عنه ،على في هذه الجزئية الصغيرة فقط، وقيامهم بزيارة بعض رموز المجتمع ومبدعيه ظاهرة طيبة تستحق التقدير لا سيما وأنها تتم ليلا والناس نيام رغم ما يشوبها أحيانا من انتقائية، لكن هذه الزيارات تختلف تماما عن زيارات سيدنا عمر ، فزياراتهم تتم تغطيتها بأطقم وأجهزة إعلامية كاملة وترتاد موقع الحدث وفود مقدمة ووفود مؤخرة إعلامية حتى إذا ما أصبح الصبح شاع الخبر وعم القرى والحضر وتناقلت أجهزة الإعلام تفاصيل هذه الزيارات وأدق بيانات ما قدم للمستضيف أو ما وعدوا بتقديمه له ، والذي هو من بيت مال المسلمين (المال العام) وليس حسنة من أحد أو عطية من جهة ما.
مرض الفاروق يوما يومًا، فنصحه الأطباء بالتداوي بالعسل الذي لا يملكه ولا يوجد في غير بيت مال المسلمين، فصعد الفاروق المنبر واستاذن الناس قائلا:إن أذنتم لي، وإلا فهو علي حرم. فبكى الناس إشفاقًا عليه، وأذنوا له جميعًا (باستخدام عسل المسلمين للعلاج)، ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر، لقد أتعبت الخلفاء بعدك. ليس مطلوبا منهم ولا من غيرهم أن يكونوا مثل عمر رضي الله عنه، ولكن في وسعهم على الأقل ابعاد الكاميرات عن مثل هذه الزيارات التي يتفقدون فيها الرعية وفي وسع حاشيتهم أيضا عدم التباهي بما يقدم من عون من المال العام، عسى بعد ذلك أن يكون الفعل كله خالصا لله تعالي وأداء للأمانة.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم