(كلام عابر)
وتاج السر هذا مواطن من القضارف ، من ظرفائها وفاكهة مجالسها، يحب الناس والحياة، يمسي ويصبح وما في قلبه غل على أحد، ولا يخشى إلا الله والذئاب على غنمه. قبل نحو ست سنوات ذهب إلى مستشفى القضارف الذي يطلقون عليه تيمنا اسم “التعليمي” ، فقالوا له إنه يعاني من ضيق في الشرايين وفرضوا عليه قائمة طويلة من الأدوية تكفي اسرة بأكملها داوم على تعاطيها حولين كاملين حتى هيأ الله له السفر لأرض الحرمين الشريفين فعرضوه على المختصين الذين أجروا له فحوصات متأنية استخدموا في بعضها الرنين المغناطيسي والموجات فوق الصوتية والمناظير، ثم استاذنوه ليلقوا بكل بضاعته في سلة المهملات، ولم تكن بضاعته سوى أكوام الأدوية والأوراق التي كان يتأبطها، وأمروه بالتوقف فورا عن كل علاج كان يتعاطاه من قبل بعد ان اكتشفوا أنه يعاني من آلام في القولون الذي يسبب له الألم في أعلى البطن ونصحوه بتجنب الدهون والمشروبات الغازية والقهوة ووصفوا له نوعين فقط من الحبوب للاستعمال قبل وبعد الأكل. وقضي الأمر الذي كانوا فيه يستفتون . وحمد تاج السر ربه وأكثر من الحمد والشكر وهو يؤدى مناسك الحج والعمرة، وقفل راجعا للقضارف التي اعتاد على ملازمتها وعدم فراقها إلا للضرورة القصوى.
ولأن المؤمن مصاب ، من قبل أن يشيع استخدام مصطلح الابتلاء والمجاهدة والابتلاءات والمجاهدات التي ترتبط بتبرير العجز والإلتفاف حول مسببات الإخفاق وتخفيف وقع الكارثة، فقد وجد تاج السر نفسه مرة أخرى في مستشفى القضارف التعليمي بعد أن أحس ببعض الآلام، ولكن ليس في كل مرة تسلم الجرة. أحال الطبيب الاختصاصي لغرفة العناية المكثفة في انتظار الفحص، ولكن لأن مستشفى القضارف التعليمي ليس مثل مستشفيات جدة، فليس لديهم أجهزة الفحص بالرنين المغناطيسي ولا الموجات فوق الصوتية ولا المناظير. فقط جهاز رسم القلب هو المتوفر لديهم ، لكن الرسم لم يكن مرضيا للطبيب الاختصاصي لأنه غير واضح ، وسبب عدم الوضوح هو ضعف التيار الكهربائي، وبدون هذا الرسم لا يستطيع الطبيب وصف العلاج. مر اليوم الأول والثاني والثالث والمريض بلا علاج والعلاج لا يتأتى بغير رسم القلب ورسم القلب غير ممكن بسبب ضعف التيار الكهربائي. وحالة المريض كما قالوا لهم لا تسمح بنقله خارج المستشفى لجهة مسعفة أخرى. في اليوم الرابع والجميع في انتظار عودة التيار الكهربائي المظفرة والداء يخنق أنفاس المريض، حملوه رغم المخاطر إلى خارج المستشفى حيث أجري التشخيص أخيرا ولكن الوقت قد تأخر، وفارق تاج السر الدنيا وعلى وجهه نفس الابتسامة التي كان يقهر بها الألم واليأس، ولكن الابتسامة وحدها لم تكن كافية لقهر الموت ولا للإفلات من ابتلاءات مستشفى القضارف. مات دون أن يتلقى جرعة من علاج. التشخيص العشوائي في ظل غياب التيار الكهربائي افترض أن المريض يعاني من الذبحة ووجود ماء في الرئة. بعد الوفاة، سارع من حرر شهادة وفاة تاج السر ليذكر، بلا كثير من الذكاء، أن سبب الوفاة هو توقف عضلة القلب وارتفاع ضغط الدم.
وفي نفس الوقت، وفي مكان آخر من المدينة، كان الوالي الجديد القديم يحتفل بنصره المبين ويبذل وعود الرخاء ومجتمع المدينة الفاضلة لمن حوله ويخوض المعارك في جميع الاتجاهات والتيار الكهربائي ما يزال ضنينا على مستشفى المدينة “التعليمي”، وتاج السر يحتضر.
وفي النهاية، لا عزاء لتاج السر عمر نصر الدين، عليه رحمة الله ورضوانه، ولا عزاء لاسرته الصغيرة، ولا عزاء لاسرته الكبيرة التي هي بحجم مدينة القضارف، وأجرهم جميعا على الحي الذي لا يموت.
وفي مرة قادمة نتناول بحول الله معارك الوالي المبكرة، إذا مد الله في الآجال.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم