ومضات من أيام الراحل د . محمد عثمان الجعلي .. بقلم: عبدالفتاح عبدالسلام*


سأحدثكم اليوم عن أيام عشناها مع ذلك الراحل النبيل ، الذي كان بيننا يوما  و رحل كهفيف النوار مخلفاً “أحدوثة حسنة” .

كتبه التي أصدرها قبل رحيله بسنوات قليلة تشي بالكثير ، عن حبه للمعرفة و الأدب  . و ما رائعتيه “رحيل النوار خلسة” عن علي المك  و “روّاس مراكب القدرة” عن الطيب صالح  و روايته “ترميم الذاكرة” إلا بعض من نفسه . و كم حز في نفوسنا حينها في أواخر التسعينات حين دعا الراحل العزيز نفرٌ منا في جمعية “شرفات الثقافية” في مدينة الرياض للكتابة في مجلته الوليدة “شقيش” و التي لم تعمر ، أو بالأحري رأت خيوطا خافتة من النور  ثم اختفي أثرها.

و لكني ساحكي لكم في هذه العجالة عن صفحات أخري ، ربما غابت عن كثيرين ، ألا و هو اعتزازه بفن غناء أهل السودان.

و كان يقول ساهمت “هنا امدرمان” ، عن قصد أو بدونه في توحيد وجدان أهل السودان حول غناء شعوبه المتعددة . و أتحف مطربو  (الأغنية الحديثة) تحديدا  و رفدوا هذا الوجدان الثري بروائع الإيقاع و النغم . و يضيف “كنت تري اخوتنا من الجنوب منتشين بسماع – يا اسير الغرام – لصلاح بن البادية،  أو أهلنا في درافور الهائمين  بصوت جابري النصف الثاني من الخمسينات “شغلني ما شغل قلبه **** مخير هو في حبه”.

و يضيف الدكتور لمستمعيه الكثر “الأغنية السودانية التي بثتها إذاعة امدرمان كانت في زمنها الجميل  بمثابة (قوة ناعمة) وحدت وجدان السودانيين أولا ، ثم جلبت لهم من حيث لا يدرون محبة الجيران  القريبين الذين يشبهوننا ، من اثيبوبيين و ارتريين و تشاديين و نيجريين ، بل جلبت لنا حتي حب الكثيرين من المغاربة – أي مغرب الرباط و طنجة و كازا البيضاء و أغادير ، و مالبث أحد الحاضرين أن وقف و قال:
–    نعم يا دكتور أنا نفسي كنت مسافرا في قطار يشق أوروبا متجها إلي المانيا في عقد السبعينات  عندما كنت طالباُ و صدف أن دخل إلينا في القمرة في مدينة بلغراد ثلاثة مغاربة، امرأتان و رجل ، و طفقنا نتبادل الحديث معهم ، وفجأة انبرت احدي الامرأتين  بصوت عذب تغني “يا وطني يا بلد أحبابي” لسيد خليفة.

و كنا نعلم حبه لعثمان حسين و هيامه بــ “حارم وصلي مالك” و لكني استوقفته يوماً و أشرت لـــ “عارفنه حبيبي” . و المشكلة كانت وقتها إننا لم نعثر عليها بتسجيل “نظيف” ، أي تسجيل الإذاعة الأصلي عندما غناها أبو عفان في بواكير الستينات ، و ذكرت له أن بعضهم قالوا إن اللحن لمحمد عثمان وردي .

و ردد الدكتور متذكرا ” فعلا تلك الأغنية كانت تصيبني بشجن شفيف  و …. حزن غريب” . قلت له إن الشجن يكمن أيضا في موسيقاها و ليس في صوت عثمان حسين و أداؤه لها فحسب ؛ بل في صوت الساكسفون الخفي الممزوج بنغم الكمانات و ظلال العود.

كان الدكتور مستمتعا بتلك الونسة و كرر بأسي ” الناس في السودان يجهلون موسيقاهم و براعة فنانيهم”.

و مرة قال “هل انتبهتم إلي وردي في “أمير الحسن؟” وبراعته في أداء المقطع التالي:

يحسدون يالناس في حبي
كم عزول روّج إشاعة
و باشارة  من عيونك
قلبي قال سمعا و طاعة

كان تركيز الدكتور واضحا علي ما تحته خط أعلاه و وبالتالي مقدرة وردي علي تطويع صوته وأدائه بسلاسة لا توجد عند كثير من المغنيين.

ذلكم هو الدكتور محمد عثمان  نواتي العلوم الإدارية طويل الباع ، ابن الخرطوم البحرية ، الذي انتقل إلي رحاب السموات في مدينة دبي أواخر شهر يناير المنصرم من هذا العام.

و عندما كنا نسترجع إبداعات مصطفي سيد احمد مثل:

أنا زي عوائد الشعر فارس
شد خيل الكلمة ليك
مصلوبة في ضهر البداية
القالوا آخر (ها) بين ايديك

انتفض محمد عثمان مبهورا و هتف ” دا غنا جديد … دا تاريخ جديد في الأداء ….. الأداء المذهل”

وظللنا نستعيد المقطع مثني و ثلاث و رباع ، وهو يستزيد و يترنم وحده .

و عندما أعلنت له أنني لا أطيق (أحيانا كثيرة) غناء الحقيبة (لأنني لست من أمدرمان !!!) ، وضع يده علي زر المسجل و أسمعني:

يا ليل ابقا لي شاهد
علي نار شوقي و جنوني

بصوت كرومة .

حينها استدركتُ: “ولكني أحب هذا المطلع بصوت أولاد شمبات ، فبادرني: “ولكن اللحن و الفن لكرومة”.  كان مغرما بالحقيبة و حافظا لدررها و أسماء شعرائها فردا فردا ، غرامه بالمتنبي و فطاحل شعراء العربية. و كنا نتجادل زمنا في أن “للتقنية” أي تقنية التسجيل دور في رونقة الأداء  – و كان رأيه أن لاستوديوهات أمدرمان الجديدة بعد 1958 و بروز عازفين  و موسيقيين  فنانين في نفس الوقت  كبرعي محد دفع الله و موسي محمد ابراهيم  و احمد زاهر و حسن بابكر و عبدالله عربي وعبدالماجد خليفة و عمر الشاعر و غيرهم اليد العليا في تجويد الغناء والأداء ، و لذلك ،  يقول الدكتور ،  يتخذ الكثيرون فترة الستينات و رديفتها السبعينات مرجعاً لإزدهار الفن السوداني. و من كلماته في الذاكرة إشادته غير المسبوقة بعازفي الايقاع  بالاذاعة (اولئك الجنود المجهولون) . “لقد طوروا هذا الفن في ابداع جديد ، تأملوا ايقاعات الستينات و السبعينات ، لم يكن هناك مثيل يضاهيها من قبل و لا من بعد ، كان الايقاع المتنوع  الغني و المزخرف هو ديباجة الأغنيات.  

و كان للراحل أراء متميزة عن تاريخ الغناء و كان يشيد بــ “عبقرية هنا أمدرمان” و يقول لم يكن بمقدور من لا يملك صوتا مبدعا عن سابقيه أن يقتحم أسوار الإذاعة ، “أنظروا إلي فرادة أصوت محمد ميرغني  ، أبو عركي  ،عثمان مصطفي  ،  زيدان أو عبدالعزيز المبارك  : تجدون كلا منهم مدرسة مع إنهم من جيل واحد”.

و يضيف “لقد تعهدتهم الاذاعة و رعت موهبتهم و أتاحت لهم ملحنين و عازفين مهرة ، وكذلك فنيي تسجيل و استوديوهات غاية في الابداع” .  و يتحسر الدكتور وهو يقول: بانهيار البلد انهار كل شيء ،     و ما الفن و النغم إلا انعكاس لحيوية المجتمع و حبه للخير و الجمال. وكان يقول بألم ممض ، و كأنه يستشرف قدوم الواتساب فيما بعد: “انظروا ما حل بنا  – تدورالآن نكات سمجة يرويها أنصاف المتعلمين من مثل (واحد رباطابي عمل وقال) أو (واحد شايقي مرته قالت ليه و و و) أو (واحد جعلي كراعه انكسرت  و و و) ” ، و يضيف الدكتور : “لم ننشأ علي هذا السخف. أمهاتنا و آباؤنا  و المدراس التي ارتدناها و نحن أطفالا ويافعين و شبابا علمتنا احترام كل شعوب السودان بدوه و حضره لوطن حر و شعب مستنير”.  

اختفت حكايات محمد عثمان بعد أن غادرنا إلي أبوظبي  ، و لكنا دائما نستذكره في  علمه و أدبه  
و تلك الحكايات مازالت حية في آذاننا ،  و كلما إزداد الكون كآبة كنا نستعيد أقواله و حكاياته  ، بل كنا  نستذكر الإنسان النبيل الذي صعدت روحه السمحة إلي جنبات السماء ، الدكتور محمد عثمان الجعلي.

Fattah71@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً