يوم المرأة العالمي: عظمة نساء السودان

بروفيسور حسن بلّه محمد الأمين

أكتب هذا بمناسبة يوم المرأة العالمي وأكتبه متأخراً عمداً لأني أعتقد بأن كل الأيام أيام للمرأة. تقول المصادر العلمية الموثوقة “إن النساء ينتجن معظم غذاء العالم، ويسوقن معظم منتجاته، ويحضرن معظم مياهه، ويجمعن معظم الحطب، ويطعمن معظم الحيوانات، ويعشبن معظم الحقول، وعندما ينتهي عملهن خارج البيت يبدأن يوما جديدا للعمل داخل البيوت؛ فيغسلن الملابس، ويذهبن إلى الأسواق لشراء احتياجات أسرهن ويعتنين بالمسنين والمرضى، وينجبن الأطفال، ويعتنين بهم.” قال أول مدير عام لنظمة الصحة العالمية، الدكتور بروك شيشلون، “إن أكبر تجارة ة في العالم وأهم شغل شاغل للإنسان وأعظم عمل وأفضل استثمار يقوم به هو رعاية الأطفال وتنشئتهم”.

تمثل هذة الفقرات في عطاء النساء إحقاقا لدورهن العظيم في بناء وتنمية المجتمع بما يصبرن عليه من نشاط متكرر لا يطيقه الرجال. هذه المقالة عن نساء عظيمات نساء فوق العادة قدمن للسودان من غير إعلام ولا ضجيج مالم يقدمه الكثيرون عبر السنين؛ نساء ارتدن أنبل المهن وأعسرها المهنة الصحية، وعمل النساء في المهن الصحية عمل موفق وعمل يقدمن فيه أكثر من الرجل لآنه يحتاج لصبر وهن يتمتعن بهذه الفضيلة، تقول طبيبة الأطفال البريطانية الشهيرة سيسلي وليامز عن عمل النساء في المهن الطبية :
“إن النساء يمتلكن حضور البديهة، والصبر، والانضباط، وتكامل الشخصية، ويظهر كل ذلك في مقدرتهن الفائقة على الاستماع والتبسيط. الرجال لا يطيقون التكرار ويجدونه مملا، ولكن النساء يدركن أهمية القيام بالعمل الذي يحتاج لتكرار، ويجدن فيه رضى وراحة نفسية، ومثل هذا العمل لا يمكن الاستغناء عنه في رعاية الصغار والضعفاء”.

وإذا كانت غالبية السكان في بلادنا النامية، نساء وأطفالا، وإذا كانت النساء يفضلن نساء مثلهن للحصول على الخدمة الصحية لهن ولأطفالهن، فإن من الخير أن تكون النساء عماد الخدمة الصحية فهن أكثر دراية وخبرة للعناية بالأم والطفل وأكثر رقة في التعامل معهم، ولأن النساء والأطفال هم الفئات الأضعف والأكثر عرضة للأخطار في مجتمعاتنا فالحنو عليهم يأتي ممن هم على نفس أوضاعهن. النساء أكثر التزاما بأخلاقيات المهنة، وقلما يخشى منهن في الاستغلال، أو الممارسات غير الأخلاقية. النساء أقرب للعمل من أجل الآخرين احتسابا وليس اكتسابا، واتضح ذلك جليا عند عرض تجربة قابلة القرية في السودان. النساء أكثر التزاما لمجتمعاتهن، فهن يفضلن البقاء بقراهن وحول أهلهن، وبذلك يلبين شرطا هاما من نجاح الخدمة الصحية ألا وهي الديمومة والرعاية المتصلة.

كتبت هذه الفقرات في حق قابلات القرية في السودان ومن دربهن بمدرسة القابلات بأمدرمان قبل أكثر من مائة عاماً. كتبت الفقرات من فصل بعنوان “عظمة النساء” في كتابي “أطباء السودان الحفاة: قصة نجاح بهرت العالم” وقد كتب عن قادتهن بإعجاب المستر فيربيرن وكان رئيس الكلية الملكية لأمراض النساء والتوليد في بريطانيا. كتب حين زار مدرستهن في العام ١٩٣٦م جملة قصيرة ولكنها بليغة “إن مدرستهن جعلتني أشعر بالتواضع كمعلم”. رئيس آخر للكلية الملكية لطب النساء والولادة هو السير ايردلي هولاند زار مدرسة القابلات بأمدرمان في العام ١٩٤٦م وقد ذهل أيضاً لما رآه فكتب ” لقد شعرت أن ما يجري في تلكم المدرسة وما ينتشر عنها من تأثير أعظم من أي شيء عرفته في الطب”. ولعمري فإن شهادةً بهذه القوة تصدر عن رجل بقامة رئيس الكلية الملكية في بريطانيا في ذلك الوقت لهي أعظم شهادة بل هي قلادة على رقاب كل من كان يعمل في تلكم المدرسة من النساء السودانيات أمثال الست بتول محمد عيسى وهي مما يمكن أن يفخر به السودان في تاريخه الحديث.

وماذا قال الانجليز عن جندية صالح! كتبت مس وولف مؤسسة مدرسة القابلات بأمدرمان عن جندية : “الأرملة الشابة الجميلة الذكية إبنة عزيزة برسي كانت إحدى متدربات الفصل الثاني للعام ١٩٢١م. عندما أكملت تدريبها استملتها لتكون أول باشداية (مدربة) بمدرسة القابلات. كانت جندية أمية ولكنها سرعان ما طورت نفسها لتصبح مدربة عظيمة. إن شخصيتها الفذة المتكاملة وتفانيها في أداء الواجب ترك انطباعا جميلا لكل من تعر ف عليها، بل إن طلبة الطب السودانيين الأوائل مدينين لها لتأثيرها ومساعدتها لهم في تلك الأيام المبكرة حيث كان الاعتراض والمقاومة كبيرين لحضور طلاب الطب والأطباء الذكور للولادات”

وماذا قالوا عن ست بتول محمد عيسى! ” الرائدة التي تعلمت وتشربت وعاشت سنين عديدة قرب البريطانيتين الجسورتين الأخوات وولف وصارت فيما بعد أقرب المقربين لهما. إنها بحق إمرأة ذات شخصية فذة.” هكذا قالت عنها المس كندال آخر عميدة بريطانية لمدرسة القابلات. وأدلت مس وولف بدلوها عن حبيبتها بتول فكتبت ” كانت بتول الداية السودانية الرائدة في تعلم ركوب الدراجة وهي مرتدية ثوبها رغم المعارضة الشديدة لذلك. لقد كانت رغبتها في الإصرار والمثابرة والوقوف أمام المعارضة هي المثال الذي مهد الطريق أمام الدايات الاخريات لركوب الدراجة. إنها بحق امرأة غير عادية في توجهه ونظرتها للحياة وفي إحساسها العميق بالمسؤولية. عندها يأتي العمل أولاً مهما كلف ذلك ولا تدخر نفسها في ذلك. إن ثباتها على قيم وشرف العمل بمدرسة الدايات كان أعز شيء لديها.”

hassanbella@yahoo.com

عن بروفيسور حسن بلّه محمد الأمين