قف عند حدود ذلك المشهد المهيب، وتأمل كيف تتلاشى الأرض بكل صخبها وضيقها، لتتسع لنداء واحد يتردد بين السماء والأرض. في ذلك الصعيد الطاهر، يوم التاسع من ذي الحجة، تذوب الدنيا بمظاهرها وفوارقها، ويقف العباد في وادٍ واحد، وقد خلعوا خلفهم ألقابهم وأموالهم وجاههم، ليرتدوا بياضاً يشبه كفن الرحيل، لكنه هنا بياض البدء والولادة الجديدة
إنه يوم عرفة، اليوم الذي عظّم الله شأنه في كتابه الكريم، وأشار إليه كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وشاهدٍ ومشهود﴾. وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الملة وأتم فيه النعمة، حين نزلت البشارة العظمى على قلب النبي ﷺ وهو واقف بعرفة: ﴿اليومَ أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكمُ الإسلامَ دِيناً﴾. في هذا اليوم اختصر النبي ﷺ رحلة الإيمان والعبادة كلها، وجعل من هذا الموقف العظيم جوهر الحج وأساسه، حين قال في حديثه الصحيح
(الحج عرفة)
في تلك الساعات المباركة الممتدة من زوال الشمس حتى غروبها، يتجلى سرٌّ رباني يلامس شغاف القلوب المتعبة. يجلس العبد الذي أثقلت كاهله الذنوب، فيشعر بنفحة ربانية تمسح على قلبه سكيناً وأماناً غير أن هذا الفيض العظيم لا ينال إلا من جاء بشروطه صدق التوبة، والندم على ما مضى، والعزم على عدم العودة، وردّ الحقوق إلى أصحابها. فالكفارة تمحو ما بين العبد وربه، أما حقوق الناس فلا تسقط إلا برجوعها إليهم. ومن وفّى هذه الشروط وجد الباب مفتوحاً، مصداقاً للوعد الإلهي: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم
وحين تدنو رحمة الله في ذلك الموقف، يباهي سبحانه بعباده الملائكةَ، كما أخبرنا النبي ﷺ في الحديث الصحيح: إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات أهل السماء، يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً إنه مشهد غيبي ، يشعر فيه العبد أن وقوفه لم يكن وحيداً، وأن السماء كلها شاهدةٌ على عودته
وفي هذا المشهد العظيم يُرى الشيطان مدحوراً صاغراً، يشهد كيف ينهدم في لحظات ما بناه من وساوس طوال السنين. ولهذا قال العلماء إنه لا يُرى في يوم أصغر ولا أحقر منه في يوم عرفة، لِما يرى من تنزل الرحمة وسعة العفو
وقد ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ:ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة وهذا الفيض العظيم لا يقتصر على من وقف بالصعيد الطاهر، بل يمتد ليعم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فبصيام هذا اليوم لغير الحاج يُفتح باب العودة لكل عبد مهما ابتعد، كما قال ﷺ عن صيامه: أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده
ومع غروب شمس ذلك اليوم المشهود، تُطوى صفحة من الجفاء، وتبدأ صفحة جديدة من القرب. يعود الإنسان أخفّ من أوزاره، مستنداً على جدار رحمة واسعة تتسع لكل من جاء صادقاً تائباً عازماً على الإصلاح. إنها رحلة الروح التي تعود إلى ربها منكسرة، فترجع جابرةً مستبشرة، وقد نالت من فيض الجود الإلهي ما يجعلها تقوى على مواجهة الحياة بنور متجدد وأمل لا ينطفئ.
عمر النعيم عمر
mazmmoum@gmail.com
