أراضي بارا… ليست للبيع! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش
8 أغسطس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
49 زيارة
gush1981@hotmial.com
بلدي جنة سواقي الريد، مرتع الغزلان، وادي النخيل والصيد! هكذا صدح العندليب عبد الرحمن عبد الله (ود بارا) وحق له ذلك. أما الأستاذة رشا حمد جمعة فقد قالت عن بارا: (بارا درة فريدة في ربوع كردفان؛ إذ تتوفر فيها كافة مقومات الحياة، لكنها فقط تحتاج إلى اهتمام من المواطنين والحكومة حتى تأخذ نصيبها من التنمية والعمران). وأقول عن بارا إنها إحدى جنان الله على الأرض؛ فهواؤها عليل وظلها ظليل، وماؤها نمير وخيرها وفير، وإنسانها لطيف، ودوحها وريف، فهي تجمع بين الماء والخضرة والوجه الحسن. وبارا تصلح لأن تكون منتجعاً سياحياً لا يقل روعة وجمالاً عن منتجعات سياحية كثيرة في دول إفريقيا! ولعل هذا ما جعل الشاعر المبدع، كامل عبد الماجد، يقف أمام مناظر مدينة بارا الخلابة، حاسر الرأس مستشفاً من كل جمال جمالاً؛ فجادت قريحته بهذا الدفق الشاعري الراقي إذ يقول عن بارا:
هاك يا سرب القماري
هاك للحبان رسالة
يمم الغرة البعيدة
وأطوي قيزانا وتلالا
وأمشي لي بارا الجميلة
الراقدة في أحضان رمالا
ولما ترتاح في السواقي
وتروى من ناقع زلالا
قوم وطوف في المدينة
وقضي يومك في ظلالا
ونحن لا نملك إلا نقول لشاعرنا الكبير “صح لسانك”. وكما هو معلوم فإن بارا، يا حضرات السادة، منطقة زراعية من الدرجة الأولى؛ لما تتميز به من أرض خصبة ووفرة في المياه وأيدي عاملة ماهرة في هذا المجال. ومن منا لم يسمع عن ليمون بارا، وتفاحة جنائن بارا والمثل الذي يقول: ” ما قلتوا بارا ما فيها بصل”. ومع هذا الجمال والرونق والإنتاج والتميز، إلا أننا نخشى أن تتعرض الأراضي الزراعية في بارا لهجمة تجارية شرسة، ولمّا يكتمل طريق بارا-جبرا -أم درمان بعد! وإذا حدث هذا، فإن هذه الأراضي سوف تستخدم لأغراض تجارية لا تتوافق مع طبيعة ومستقبل هذه المدينة الواعدة! ومن هذا المنطلق نضع أمام زميلنا العزيز الأستاذ إسماعيل حسن مكي، معتمد محلية بارا، أعانه الله، مقترحاً من أجل مراعاة حق الشفعة، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق ملكيّة الأرض؛ اتقاء للضرر الذي قد ينشأ من مجاورة الدخيل على المنطقة، فقد يصدر منه سوء سلوك أو معاملة، فيحل، محلَّ الوئام، الشقاقُ والنزاع بين الناس، وتفوت مصالح ويكثر الضرر. بمعنى آخر، يجب أن تكون الأولوية في هذا الصدد لأهالي المنطقة؛ نظراً لارتباطهم بالأرض ودرايتهم الكاملة باستصلاحها وفلاحتها. كما أن هنالك رأس مال محلي مقدر من شأنه أن يدخل في عمليات إنتاجية مفيدة؛ إذا توفرت له بعض المعطيات ومدخلات إنتاج معقولة. ومن جانب آخر، نتوقع أن تفتح بارا ذراعيها لأبنائها المغتربين الذين يمكنهم الدخول في مجال الاستثمار الجماعي، عن طريق شراكات صغيرة للإنتاج الزراعي والحيواني، وربما الصناعي، مستخدمين أحدث طرق وأساليب الإنتاج؛ ولذلك نتمنى أن يكون لهم نصيب، كوحدات زراعية ذات مساحات تتناسب ومقدراتهم المالية والفنية؛ لأن منهم مهندسون زراعيون، وبياطرة، ومختصون في مجال التسويق والإدارة، وتتوفر لديهم مدخرات يمكن تحويلها للداخل حتى تعم الفائدة عبر عمليات إنتاج منهجية تعود بالفائدة على جميع المعنيين والمشاركين، بما في ذلك الجانب الحكومي والمجتمع المحلي. وإذا ما نفذت هذه الرؤية على أرض الواقع، فإنها حتما ستغيّر الواقع إلى ما هو أفضل، علاوة على أن مثل هذه الشراكات قد تساعد في إعادة توطين هؤلاء النفر من المهاجرين؛ علماً بأن هذه المنطقة قد عانت كثيراً من هجرة الأيدي العاملة ورؤوس الأموال والعمال المهرة والفنيين، ولذلك تراجعت عجلة الإنتاج وتردت الأوضاع بشكل كبير. وبالتالي فإن المنطقة بحاجة لعودة بنيها لتعميرها حتى تعود سيرتها الأولى؛ خاصة مع دخول الكهرباء، وبعد اكتمال الطريق الذي أشرنا إليه! المغتربون، خاصة الزراعيين منهم قد اكتسبوا خبرات واسعة في مجال تخصصهم واطلعوا على تجارب متفردة استفادت منها دول المهجر في منطقة الخليج حيث أخرج أبناؤنا من الصحراء والحجر زرعاً أخضراً. وهؤلاء يمكنهم إدخال تقنيات حديثة ومتطورة إلى المنطقة من شأنها زيادة الإنتاجية، وتحسين الإنتاج بإدخال تركيبات محصولية أكثر جدوى ونفعاً من جوانب عديدة. فهؤلاء النفر كوادر مؤهلة ولديهم خبرات تخصصية دقيقة جداً، وعلى إلمام بما يستجد في هذا المجال. عموماً، الأرض كالعرض تماماً لا مجال للتفريط فيها، ومن هذا المنطلق ينبغي تنظيم عملية البيع هذه، إن كان لابد منها، بحيث يمنح المشتري مساحة محددة، تفادياً للمضاربات التجارية التي قد تخرج هذه الأراضي عن استخدمها الطبيعي فتتحول إلى سلعة تباع وتشترى. إن الهدف هو زيادة ارتباط أبناء المنطقة بالأرض ومن ثم استثمارها فيما يعود بالنفع على الناس جميعاً. ونريد لمدينتنا الوادعة أن تنهض، وهذا لن يتحقق إلا بتعميرها واستثمار أرضها فيما يتفق مع مواردها. وبارا لها يد سلفت ودين مستحق على كثير من أهل السودان، وقد حان الوقت لكي نرد لها الجميل. وجدودنا زمان “وصونا على التراب الغالي”؛ ولذلك فإن أراضي بارا ليست للبيع!