باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 11 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منشورات غير مصنفة

أزمة الشرعية السياسية في السودان: من يحكم باسم الدولة اليوم، ومن يملك حق إعادة تأسيسها غداً؟

اخر تحديث: 11 سبتمبر, 2026 11:39 صباحًا
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يناقش المقال أزمة الشرعية السياسية في السودان بوصفها أزمة تتجاوز الحرب العسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تمثيل الدولة، وإصدار الأوامر باسمها، وإدارة مؤسساتها ومواردها، والتحدث باسمها خارجياً، وادعاء تمثيل إرادة شعبها، وتحويل السيطرة المسلحة إلى سلطة سياسية مقبولة. ويؤكد أن السؤال عن شرعية الحكومة أثناء الحرب وبعدها لا يمكن اختزاله في القانون أو الاعتراف الدبلوماسي أو السيطرة العسكرية، بل يجب فهمه من خلال تداخل الشرعية الدستورية والشعبية والإجرائية والأخلاقية والأدائية والدولية والقدرة الفعلية على إدارة الدولة. كما يوضح أن الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 لم تنشئ أزمة الشرعية من الصفر، وإنما فجرت أزمة دستورية وسياسية كانت قائمة منذ انهيار المسار الانتقالي، ولا سيما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021. فقد أدى انقلاب 2021 إلى قطع سلسلة الشرعية الانتقالية التي نشأت بعد ثورة 2019، بينما كشف الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع عن انقسام عميق داخل قطاع الأمن نفسه. ومن ثم أصبحت الحرب انتقالاً من أزمة انتقال دستوري إلى تنازع مفتوح حول مصدر السيادة والتمثيل السياسي.

ويضع المقال هذه الأزمة ضمن تاريخ السودان الدستوري منذ الاستقلال، موضحاً أن تعاقب الدساتير والوثائق الانتقالية منذ 1956 مروراً بـ1964 و1973 و1985 و1998 و2005 وصولاً إلى الوثيقة الدستورية لعام 2019 لم يؤد إلى نشوء تقليد دستوري مستقر يحظى بملكية شعبية ومؤسسية راسخة. فقد ارتبطت الدساتير السودانية بالصراعات السياسية والانقلابات وتسويات السلام ومحاولات بناء الدولة وإضفاء الشرعية على الأنظمة المتعاقبة. ولذلك لم تكن المشكلة الأساسية مجرد ضعف النصوص الدستورية، وإنما ضعف المؤسسات التي تحمي الدستور، وتكرار تدخل الحكومات العسكرية والمدنية في قواعد الحكم، وضيق قاعدة المشاركة في صناعة الدستور. وكانت الوثيقة الدستورية لعام 2019 نتاجاً لتسوية انتقالية بين قوى الثورة والمجلس العسكري، واكتسبت شرعيتها من الثورة ومن الاتفاق السياسي، لكنها لم تكن نتاج جمعية تأسيسية منتخبة. وبذلك كان انقلاب 2021 قطعاً للسلسلة الدستورية والسياسية السابقة، لكنه لم يخلق تلقائياً سلطة بديلة تتمتع بشرعية ديمقراطية كاملة.

ويبدأ التحليل النظري بالتمييز بين الشرعية والقوة والسيطرة والفاعلية والاعتراف الدولي. فالشرعية تعني أن ممارسة السلطة يمكن تبريرها وأن المحكومين يرون، بدرجات مختلفة، أن الحاكم يستحق ممارسة السلطة، بينما يمكن أن توجد سلطة قادرة على فرض الأوامر من دون أن يكون لها حق سياسي أو أخلاقي مستقر في الحكم. كما أن الحكومة تختلف عن الدولة، والسيطرة على الأرض تختلف عن السلطة المؤسسية، والاعتراف الدولي لا يساوي التفويض الشعبي. ولذلك يمكن أن توجد دولة بلا حكومة فعالة، وحكومة بلا تفويض انتخابي، وسيطرة بلا شرعية، وشرعية اجتماعية محلية بلا سلطة دستورية، واعتراف دولي بلا ديمقراطية كاملة. ويستفيد المقال من النظريات الكلاسيكية والحديثة للشرعية، ومن التمييز بين السلطة التقليدية والكاريزمية والقانونية-العقلانية، ومن فكرة أن الشرعية تتطلب إلى جانب القواعد القانونية تبريراً معيارياً وقبولاً أو موافقة، ومن مفهوم أن الشرعية تحول القوة إلى سلطة قائمة على القبول بدلاً من الإكراه. ويستخلص من ذلك أن الحالة السودانية لا يمكن تفسيرها بمصدر واحد للشرعية، وإنما تحتاج إلى تحليل متعدد الأبعاد.

وفيما يتعلق بالسلطة القائمة في بورتسودان، يقرر المقال أنها تمتلك أقوى عناصر استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية والسيطرة الإقليمية، خصوصاً بعد استعادة القوات المسلحة للخرطوم وبدء عودة مؤسسات الحكومة إليها. كما أن تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء في 2025 مثّل محاولة لإعادة بناء واجهة مدنية للحكومة وإظهار قدر أكبر من المدنية. غير أن هذا التعيين لا يحسم بمفرده طبيعة النظام السياسي، لأن المدنية لا تقاس بعدد الوزراء المدنيين وإنما بمن يمتلك القرار النهائي في الأمن والسياسة والاقتصاد والتعيينات والموارد. ويؤكد المقال أن استمرار تمثيل السودان في الأمم المتحدة واستمرار التعامل الدولي مع مؤسسات الدولة السودانية يثبت استمرارية الدولة وتمثيلها الخارجي، لكنه لا يمثل استفتاءً شعبياً على شرعية الحكومة القائمة. ومن ثم فإن أدق توصيف للسلطة القائمة أنها تمتلك استمرارية مؤسسية وتمثيلاً دولياً وقدرة فعلية على إدارة أجزاء واسعة من الدولة، لكنها لا تمتلك تفويضاً ديمقراطياً كاملاً، ولا ينبغي تحويل استمرارية الدولة إلى تفويض سياسي دائم.

ويفصل المقال بصورة أساسية بين شرعية الجيش في الدفاع عن الدولة وشرعية الجيش في حكم الدولة. فالقوات المسلحة يمكن أن تكون المؤسسة الوطنية المكلفة بحماية وحدة السودان وسيادته، ويمكن أن يكون الدفاع عن الدولة وظيفة مشروعة، لكن ذلك لا يمنح المؤسسة العسكرية تلقائياً حق إدارة الحكومة إلى أجل غير محدد. كما أن الانتصار العسكري، حتى لو أدى إلى استعادة العاصمة أو مساحات واسعة من الإقليم، لا يمثل استفتاءً شعبياً على النظام السياسي. ومن هنا يرفض المقال الخلط بين نجاح الجيش في استعادة السيطرة وبين امتلاكه تفويضاً سياسياً دائماً. ويخلص إلى قاعدة مستقبلية أساسية مفادها أن الجيش يجب أن يحمي الدولة لا أن يمتلك الدولة، وأن الدولة تحتاج إلى جيش وطني قوي ومهني وموحد وخاضع للسلطة المدنية، بعيد عن المنافسة الحزبية وتكوين الحكومات والاقتصاد السياسي العسكري واستخدام السلاح للحصول على حصص سياسية.

وفي الجانب المقابل، يتناول المقال مشروع الحكومة الموازية المرتبط بتحالف تأسيس وقوات الدعم السريع باعتباره تحولاً من المنافسة على السيطرة العسكرية إلى المنافسة على تعريف الحكومة والدولة نفسها. فقد حاول هذا المشروع بناء شرعيته على تمثيل المناطق المهمشة، ورفض النظام القديم، والدعوة إلى سودان علماني وديمقراطي ولا مركزي، وإشراك قوى سياسية ومسلحة متعددة، إضافة إلى السيطرة الفعلية على مناطق من البلاد. إلا أن المقال يرى أن هذا المشروع يواجه ثلاث مشكلات أساسية: أن السيطرة المسلحة لا تكفي لإنتاج الشرعية السياسية، وأن أي ادعاء بالشرعية لا يمكن فصله عن القوة المسلحة والانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع وحلفائه، وأن إنشاء حكومة موازية أثناء الحرب يهدد بتحويل الانقسام العسكري إلى انقسام مؤسسي ودستوري دائم. ولذلك فإن رفض المجتمع الدولي للحكومة الموازية لا يعني بالضرورة منحه شرعية مطلقة للحكومة القائمة، بل يعكس بصورة أساسية رفض تقسيم الدولة وإنشاء حكومتين متنافستين. وفي الوقت نفسه لا يجوز إنكار وجود حوكمة فعلية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، حيث تتداخل القيادة العسكرية مع الإدارات الأهلية والوسطاء المحليين والترتيبات غير الرسمية، لكن الحوكمة الفعلية لا تساوي الشرعية الوطنية.

ويشرح المقال، بالاستناد إلى أدبيات الحوكمة المتمردة، أن الجماعات المسلحة قد تحاول بناء شرعيتها المحلية عبر توفير الأمن والخدمات وفرض الضرائب وتنظيم الإدارة والتعامل مع السكان والوسطاء المحليين. وقد ينشأ عن ذلك نوع من القبول أو التعاون أو التفاوض بين السكان والسلطة المسلحة. لكن المقال يحذر من الخلط بين القدرة على إدارة الحياة اليومية وبين امتلاك حق حكم الدولة. فالقبول الذي ينتج عن غياب البدائل أو الخوف أو الحاجة إلى الخدمات قد يكون قبولاً تكيفياً وليس موافقة سياسية حرة. ولذلك يميز بين القبول الطوعي، والقبول النفعي الذي قد يعكس الأداء، والقبول القسري الذي لا يمثل شرعية. كما يؤكد أن تقديم خدمات محدودة في ظروف الحرب قد يولد شرعية أدائية محلية بدرجات مختلفة، لكنه لا يلغي الإكراه أو الانتهاكات أو مشكلة مصدر السلطة.

ويبرز المقال الشرعية المدنية التي ظهرت من أسفل إلى أعلى باعتبارها أحد أهم الموارد السياسية التي أنتجتها الحرب. فمع انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة لم ينهَر التنظيم الاجتماعي بالكامل، وإنما ظهرت شبكات مدنية تولت توفير الغذاء والرعاية الصحية والمياه والإجلاء والمساعدة الاجتماعية. وتبرز لجان المقاومة وغرف الطوارئ باعتبارها نماذج مهمة لهذا النوع من الشرعية الاجتماعية والأدائية والمحلية. وقد استفادت هذه الشبكات من الثقة المجتمعية والمعرفة المحلية والقدرة على الاستجابة السريعة واللامركزية، وأدت وظائف كانت تقع تقليدياً ضمن مسؤوليات الدولة. لكن المقال يميز بوضوح بين الشرعية الاجتماعية والشرعية الحكومية؛ فغرف الطوارئ ولجان المقاومة تمتلك مصادر مهمة من الثقة والأداء والقرب من السكان، لكنها لا تحصل تلقائياً على تفويض دستوري للحكم الوطني. لذلك ينبغي تحويل شرعيتها الاجتماعية إلى تمثيل مؤسسي وديمقراطي، لا تحويلها مباشرة إلى حكومة بديلة قد تفقد عندئذ جزءاً من مصدر قوتها الاجتماعية.

ويبحث المقال كذلك في الشرعية الدولية، مؤكداً أن الاعتراف الدولي مهم لأنه يحدد في جانب كبير منه الجهة التي تتعامل معها الدول والمنظمات بوصفها ممثلة للدولة، لكنه لا يمنحها بالضرورة تفويضاً شعبياً. واستمرار تمثيل السودان في الأمم المتحدة يثبت استمرارية الدولة ومكانتها القانونية الدولية، لكنه لا يعني أن المجتمع الدولي أجرى استفتاءً على شرعية الحكومة. كما أن الاتحاد الأفريقي يضيف معياراً مهماً يتمثل في رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات وربط الشرعية بالحكم المدني والدستوري. ومن ثم فإن الموقف الدولي من السودان يقوم على مستويين متلازمين: الحفاظ على وحدة الدولة واستمرارية مؤسساتها، وفي الوقت نفسه الدفع باتجاه استعادة الحكم المدني والانتقال الدستوري. ولهذا لا ينبغي تفسير الاعتراف الدولي بالحكومة القائمة باعتباره شهادة على شرعيتها الديمقراطية، كما لا ينبغي تفسير رفض الحكومة الموازية باعتباره منحاً تلقائياً للشرعية الكاملة للسلطة القائمة.

ويخلص المقال إلى أن السودان دخل مرحلة يمكن وصفها بـ”سباق الشرعيات”، حيث لم تعد الحرب تدور فقط حول الأرض والمواقع العسكرية، بل حول من يمثل الدولة ومن يملك حق التحدث باسم السودان. فقد أدى ظهور الحكومة الموازية بالتزامن مع تقنين السلطة القائمة لترتيباتها السياسية إلى زيادة خطر تحول الحرب إلى انقسام مؤسسي. كما أدى الخلاف داخل القوى المدنية حول الحكومة الموازية إلى تفكك تحالفات سياسية، لأن بعض القوى رأت في الحكومة الموازية غطاءً سياسياً للدعم السريع، بينما رأت قوى أخرى أن رفضها لا يحل مشكلة شرعية السلطة القائمة. ويبرز المقال هنا مفارقة أساسية: رفض الحكومة الموازية لا يعني قبول الحكومة القائمة، ورفض الحكومة القائمة لا يبرر الحكومة الموازية. وبذلك لا ينبغي اختزال المجال السياسي السوداني في خيارين عسكريين متنافسين، بل يجب البحث عن شرعية مدنية مستقلة عنهما.

ويربط المقال الشرعية بالعدالة والمساءلة وحقوق الإنسان، ويؤكد أن الانتهاكات ليست ملفاً منفصلاً عن الشرعية السياسية. فلا يمكن لقوة مسلحة أن تكتسب حق الحكم بمجرد رفع شعار حماية الدولة، كما لا يمكن لخطاب التهميش أو الديمقراطية أو العلمانية أن يمحو الانتهاكات التي ترتكبها قوة مسلحة. وبما أن الانتهاكات الجسيمة موثقة ضد طرفي النزاع، فإن أي مشروع لإعادة بناء الشرعية يجب أن يتضمن حماية المدنيين والمساءلة والعدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب. كما يحذر المقال من أن القوى المدنية نفسها يمكن أن تتعرض لأزمة شرعية إذا تحالفت مع طرف مسلح متهم بانتهاكات جسيمة بصورة توحي بأن الوصول إلى السلطة أهم من حقوق الضحايا. لذلك تصبح العدالة الانتقالية والمساءلة جزءاً من شروط الشرعية نفسها، وليس مجرد ملف قانوني منفصل.

ويشرح المقال أيضاً لماذا لا تكفي الواجهة المدنية. فوجود رئيس وزراء أو وزراء مدنيين لا يحول الحكومة العسكرية تلقائياً إلى حكومة مدنية إذا ظل القرار الأمني والسياسي والاقتصادي النهائي بيد المؤسسة العسكرية. والشرعية المدنية لا تقاس بعدد الشخصيات المدنية في الحكومة، وإنما بمدى استقلال السلطة التنفيذية المدنية وقدرتها على اتخاذ القرارات ومحاسبة الأجهزة المسلحة والسيطرة على الموارد وتحديد السياسة العامة. كما يميز المقال بين شرعية الكفاءة وشرعية التمثيل؛ فقد تكون الحكومة ذات كفاءة عالية في الإدارة والخدمات لكنها غير ممثلة للشعب، وقد تكون حكومة منتخبة لكنها ضعيفة الأداء. ولذلك فإن الشرعية المستقرة تتطلب الجمع بين التفويض السياسي الصحيح والأداء الحكومي القابل للمحاسبة.

ويطرح المقال تصوراً للشرعية الانتقالية أثناء الحرب وبعدها، ينطلق من الاعتراف بأن الانتخابات الفورية قد تكون غير ممكنة في ظل استمرار الحرب والنزوح وتدمير البنية الانتخابية وانتشار السكان داخل البلاد وخارجها. لكن استحالة إجراء انتخابات فورية لا تعني إلغاء مبدأ التفويض الشعبي. ولذلك ينبغي أن تكون الحكومة أثناء الحرب أو بعدها حكومة انتقالية ذات أساس دستوري مؤقت واضح، ومدنية فعلياً، ومحددة المدة، وملتزمة منذ البداية بالانتقال إلى انتخابات حرة. وتقوم الشرعية الانتقالية المقترحة على خمسة أعمدة: استمرارية الدولة، والتوافق الدستوري، والمشاركة المدنية، والأداء الحكومي، والمسار الانتخابي. ويعني ذلك الحفاظ على الشخصية القانونية للدولة ومؤسساتها، وإنشاء أساس دستوري واضح، ومنع احتكار الجيش للسلطة، وضمان مشاركة مدنية حقيقية، وتوفير الأمن والخدمات والعدالة، وتحديد نهاية واضحة للمرحلة الانتقالية.

ويشدد المقال على ضرورة عدم تحويل ترتيبات الحرب إلى نظام سياسي دائم. فالحرب يمكن أن تبرر بصورة مؤقتة بعض الإجراءات الاستثنائية، مثل تأجيل الانتخابات أو منح الحكومة صلاحيات محددة، لكنها لا تبرر استمرار الحكم العسكري بلا سقف زمني، أو حكم المليشيات للمناطق التي تسيطر عليها، أو تقسيم الدولة إلى حكومات متنافسة، أو تحويل اتفاقات السلام إلى حصص سياسية دائمة، أو تعطيل القضاء والحريات. ومن هنا فإن الشرعية الاستثنائية يجب أن تكون مؤقتة وقابلة للمراجعة وموجهة بصورة واضحة نحو استعادة الشرعية الدستورية الطبيعية.

ويقترح المقال كذلك بناء آلية قابلة للقياس لتقييم شرعية الحكومات السودانية، من خلال سبعة أبعاد مترابطة: الشرعية الدستورية، والشرعية الشعبية، والشرعية الانتخابية، والشرعية الأدائية، والشرعية الأخلاقية، والقبول الإقليمي، والشرعية الدولية. ولا ينبغي جمع هذه الأبعاد حسابياً بصورة آلية، لأن بعضها شروط نوعية لا يمكن تعويضها ببعضها الآخر. فلا السيطرة على مساحة واسعة تعوض غياب الانتخابات، ولا الفوز الانتخابي يبرر انتهاك حقوق الإنسان أو الدستور، ولا الاعتراف الدولي يعوض انهيار الثقة الشعبية. وباستخدام هذا الإطار يمكن القول إن السلطة المرتبطة بالقوات المسلحة تمتلك عناصر قوية من استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية والسيطرة الإقليمية، لكنها تعاني من نقص في الشرعية الدستورية والديمقراطية. بينما يمتلك الدعم السريع وحلفاؤه السيطرة على مناطق وقدرة متفاوتة على الإدارة وخطاباً سياسياً بديلاً، لكن ذلك لا ينتج شرعية وطنية شاملة، خصوصاً في ظل ارتباط المشروع بالقوة المسلحة والانتهاكات ورفض الحكومة الموازية إقليمياً ودولياً. أما القوى المدنية فتمتلك الشرعية الثورية والاجتماعية والمحلية والأدائية، لكنها تحتاج إلى تطوير آليات تمثيل وطنية ديمقراطية حتى تحول هذه الشرعية إلى سلطة حكومية.

ويؤكد المقال أن السؤال الأكثر دقة ليس “من هو الشرعي؟” وإنما “من يملك أي نوع من الشرعية، وما الذي ينقصه حتى يصبح حاكماً شرعياً لكل السودان؟”. ومن هذا المنظور لا يمتلك أي طرف حالياً احتكاراً كاملاً للشرعية. فالسلطة القائمة أقوى في استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية، والدعم السريع أقوى في بعض أشكال السيطرة الإقليمية والحوكمة الفعلية، بينما تتمتع القوى المدنية بمصادر مهمة من الشرعية الاجتماعية والثورية والأدائية. لكن أياً من هذه العناصر لا يكفي منفرداً لإنتاج شرعية وطنية نهائية.

ويرفض المقال الاعتراف بحكومتين سودانيتين باعتبار ذلك حلاً عملياً، لأن الاعتراف المزدوج يمكن أن يحول الانقسام العسكري إلى انقسام مؤسسي ويخلق حوافز للأطراف المسلحة لتوسيع مناطق سيطرتها للحصول على الموارد والاعتراف السياسي. وفي الوقت نفسه يصر على ضرورة الفصل بين الاعتراف السياسي بالحكومة وبين التعامل الإنساني مع السكان. فمن الممكن تقديم المساعدات والخدمات والتفاوض بشأن الممرات الإنسانية في مناطق تسيطر عليها جماعة مسلحة من دون الاعتراف بها حكومة شرعية. وهذا الفصل ضروري حتى لا يتحول التعامل الإنساني والإداري الضروري إلى أداة لمنح الشرعية السياسية.

أما مرحلة ما بعد الحرب، فيقترح المقال أن تبدأ بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين واستعادة الخدمات والإدارة العامة، ثم إنشاء حكومة مدنية انتقالية ذات أساس دستوري واضح، يليها إصلاح القطاع الأمني، بما في ذلك إعادة هيكلة القوات المسلحة وتسريح أو دمج القوات والمجموعات المسلحة وفق قواعد مهنية، وإنهاء اقتصاد الحرب والاقتصاد العسكري، ثم بناء المؤسسات الانتخابية والقضائية المستقلة، وإنشاء مفوضيات مستقلة للانتخابات وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد، وأخيراً إجراء انتخابات وطنية ومحلية حرة. ولا ينبغي أن تكون الانتخابات مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على أمر واقع عسكري، وإنما نتيجة لعملية طويلة من إعادة بناء المؤسسات والثقة والقدرة على المشاركة السياسية.

ويمنح المقال اللامركزية مكانة مركزية في إعادة بناء الشرعية السودانية، لأن الحرب كشفت قدرة المؤسسات المحلية والشبكات المجتمعية على الاستجابة بصورة أسرع وأكثر مرونة من المركز في كثير من الحالات. ولذلك ينبغي أن تستمد الحكومة المركزية شرعيتها من الدستور والانتخابات الوطنية، بينما تستمد السلطات المحلية شرعيتها من الانتخابات المحلية والقرب من السكان والمساءلة المباشرة. ويتيح هذا التصور تجاوز الثنائية بين المركزية الكاملة والفوضى المحلية، وبناء دولة موحدة مع توزيع حقيقي للسلطة والموارد والمسؤوليات.

ويذهب المقال في النهاية إلى أن أزمة السودان ليست أزمة حكومة فقط، وإنما أزمة عقد اجتماعي. فالدولة عانت تاريخياً من تركيز السلطة والثروة، والعلاقة غير المتوازنة بين المركز والأقاليم، وعسكرة السياسة، وتداخل القوات النظامية والمليشيات والاقتصاد، وضعف المؤسسات المدنية. لذلك لا تكفي العودة إلى شرعية ما قبل الحرب، بل المطلوب بناء شرعية سياسية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والدولة المدنية، واللامركزية، وسيادة القانون، والجيش المهني الموحد، وخضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية، وإنهاء الاقتصاد العسكري، والانتخابات الحرة، واستقلال القضاء، والعدالة الانتقالية، وحماية التنوع، والتوزيع العادل للموارد، والمشاركة الحقيقية للأقاليم، وحماية حقوق النساء والشباب، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وتتمثل النتيجة المركزية للمقال في أن السودان لا يعيش صراعاً بسيطاً بين حكومة شرعية وتمرد غير شرعي، ولا بين جيش غير شرعي وقوة ثورية شرعية، وإنما يعيش تراكباً بين شرعيات مختلفة ومتناقصة. فالسلطة المرتبطة بالقوات المسلحة تمتلك استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية والسيطرة على العاصمة ومناطق واسعة، لكنها تفتقر إلى تفويض ديمقراطي مكتمل. والدعم السريع وحلفاؤه يمتلكون سيطرة إقليمية وقدرة على الحوكمة المحلية وخطاباً سياسياً بديلاً، لكن ذلك لا يمنحهم شرعية وطنية شاملة ولا يعفيهم من المسؤولية عن سلوك القوات الواقعة تحت نفوذهم. أما القوى المدنية فتملك مصادر مهمة من الشرعية الثورية والاجتماعية والمحلية والأدائية، لكنها تحتاج إلى تطوير تمثيل وطني أكثر وضوحاً ومؤسسات قرار أكثر ديمقراطية حتى تتحول الشرعية الاجتماعية إلى شرعية حكومية.

وتخلص الخاتمة النقدية إلى أن القوة يمكن أن تنشئ سلطة لكنها لا تستطيع وحدها إنشاء شرعية، وأن السيطرة على العاصمة أو الموانئ أو الأقاليم تمنح القدرة على الحكم لكنها لا تمنح التفويض الشعبي، وأن الاعتراف الدولي يحدد بدرجة كبيرة من يمثل الدولة خارجياً لكنه لا يساوي رضا المواطنين، وأن تعيين المدنيين في الحكومة لا يجعلها مدنية إذا ظل القرار السياسي والأمني بيد الجيش، وأن إنشاء حكومة موازية في مناطق سيطرة قوة مسلحة لا يمنحها تلقائياً حق حكم السودان. كما ترفض الخاتمة ثلاث خرافات متقابلة: أن الانتصار العسكري ينتج حق الحكم، وأن الاعتراف الدولي يساوي الشرعية الشعبية، وأن معارضة الحكومة القائمة تمنح تلقائياً الشرعية للحكومة المنافسة. وفي المقابل ترفض أيضاً الاعتقاد بأن استمرار مؤسسات الدولة يمنح الحكومة القائمة شرعية مطلقة.

ويحدد المقال المسار الأكثر قابلية لإعادة بناء الشرعية في وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة الدولة، وإنشاء سلطة انتقالية مدنية ذات أساس دستوري مؤقت، وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإصلاح القطاع الأمني، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الإدارة والخدمات، وإنشاء المؤسسات الانتخابية والقضائية المستقلة، ثم إجراء انتخابات وطنية ومحلية حرة. وينبغي أن تكون لكل مرحلة معايير واضحة للانتقال إلى المرحلة التالية، بحيث لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم، ولا تنتقل البلاد إلى الانتخابات قبل توافر الشروط المؤسسية والأمنية اللازمة، ولا تصبح نتائج الانتخابات قابلة للإلغاء بالقوة العسكرية.

ويؤكد المقال أخيراً أن الشرعية ليست شهادة دائمة وإنما علاقة مستمرة بين الحاكم والمحكومين، ويمكن لحكومة وصلت إلى السلطة بطريقة مشروعة أن تفقد شرعيتها إذا انتهكت الدستور أو حقوق الإنسان أو عطلت الانتخابات أو أضعفت القضاء. كما أن المصلحة الوطنية لا ينبغي أن تختزل في مصالح القوات المسلحة أو الدعم السريع أو الأحزاب أو النخب المركزية أو الأقاليم منفردة، وإنما في قدرة الدولة على حماية جميع مواطنيها وإدارة تنوعها وتوزيع مواردها بصورة عادلة وإتاحة التداول السلمي للسلطة ومنع تحويل السلاح إلى عملة سياسية. ولذلك فإن المعيار النهائي للحكومة السودانية المستقبلية هو قدرتها على تقليل اعتماد الدولة على القوة المسلحة في إنتاج السلطة، وليس قدرتها على احتكار القوة ثم استخدامها لإنتاج نظام سياسي جديد.

ويقدم المقال في نهايته تصوراً للشرعية بوصفها عملية تراكمية تبدأ باستمرارية الدولة أثناء الحرب، ثم مدنية السلطة أثناء الانتقال، وسيادة القانون طوال المراحل، والعدالة والمساءلة دون انتقائية، واللامركزية والمشاركة المحلية، وتنتهي بالموافقة الشعبية عبر انتخابات حرة بوصفها المصدر النهائي للشرعية السياسية. ويكون التحول المطلوب هو الانتقال من قاعدة “من يسيطر يحكم” إلى قاعدة “من يحكم يستمد سلطته من قواعد يوافق عليها المواطنون ويستطيعون محاسبته عليها”. وبذلك لا تكون المعركة السياسية الحقيقية بعد الحرب حول الطرف الذي ينتصر عسكرياً، وإنما حول القدرة على بناء دولة لا تحتاج إلى الحرب لكي تعرف من يحكمها.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: الحرب لم تُسقط الحكومة وحدها، بل أسقطت احتكار أي طرف لتعريف الشرعية

أنتجت الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 أزمة سياسية تتجاوز الصراع العسكري بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع؛ فهي في جوهرها أزمة متعددة المستويات حول من يملك حق تمثيل الدولة السودانية، ومن يملك حق إصدار الأوامر باسمها، ومن يملك مواردها ومؤسساتها، ومن يستطيع التحدث باسمها خارجياً، ومن يستطيع ادعاء أنه يمثل إرادة شعبها، ومن يستطيع في النهاية تحويل السيطرة المسلحة إلى سلطة سياسية مقبولة. ولهذا فإن السؤال عن شرعية الحكومة السودانية أثناء الحرب وبعدها ليس سؤالاً قانونياً مجرداً، ولا سؤالاً عن الاعتراف الدبلوماسي وحده، ولا سؤالاً عن السيطرة العسكرية وحدها، وإنما هو سؤال مركب يجمع بين الشرعية الدستورية، والشرعية الشعبية، والشرعية الإجرائية، والشرعية الأخلاقية، والشرعية الأدائية، والشرعية الدولية، والقدرة الفعلية على إدارة الدولة.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن السودان دخل الحرب أصلاً من وضع دستوري وسياسي شديد الهشاشة. فقد أدت ثورة 2019 إلى إسقاط نظام عمر البشير، ثم نشأ نظام انتقالي هجين جمع المدنيين والعسكريين، قبل أن ينقلب المكوّنان العسكريان الرئيسيان على المسار الانتقالي في أكتوبر 2021. وقد أدان مجلس السلم والأمن الأفريقي الاستيلاء العسكري على السلطة في 25 أكتوبر 2021، واعتبره تغييراً غير دستوري للحكومة، وقرر تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي إلى حين استعادة سلطة انتقالية بقيادة مدنية (African Union, 2021). وقد وصفت دراسات انتقال السودان من الثورة إلى الحرب بأنه نتاج تحولات عميقة في علاقات القوة، ولا سيما داخل قطاع الأمن نفسه، حيث أصبحت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مركزين متنافسين للقوة بدلاً من كون القطاع الأمني مؤسسة موحدة (Kurtz, 2024; Perthes, 2024).

ومن ثم فإن الحرب لم تُنشئ أزمة الشرعية من الصفر، بل فجّرت أزمة كانت موجودة أصلاً، وحوّلتها من أزمة انتقال دستوري إلى تنازع مفتوح على مصدر السيادة والتمثيل السياسي. ويؤكد المسار الدستوري السوداني الطويل هذه النتيجة؛ فقد شهد السودان منذ الاستقلال سلسلة من الدساتير القصيرة العمر، من دستور 1956 ثم 1964 و1973 و1985 و1998 و2005 وصولاً إلى الوثيقة الدستورية لعام 2019، في نمط ارتبط بتدخلات عسكرية وصراعات سياسية وتعديلات أو إلغاءات متكررة للقواعد الدستورية (Mo, 2014; Babiker et al., 2023). وتخلص دراسات المسار الدستوري السوداني إلى أن المشكلة لم تكن فقط في نصوص الدساتير، وإنما في غياب الملكية الشعبية والمؤسسية المستقرة للعملية الدستورية وفي توظيف الدستور أحياناً لإضفاء الشرعية على ترتيبات سياسية صاغتها نخب محدودة (Babiker et al., 2023).

وتؤكد الوثيقة الدستورية الانتقالية لعام 2019 أن النظام الانتقالي تأسس، في صيغته الأصلية، على “شرعية الثورة” وعلى اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، مع هدف صريح هو تأسيس نظام مدني سليم يحكم السودان مستقبلاً (Constitutional Charter, 2019). ولذلك فإن السؤال المركزي بعد الانقلاب ثم الحرب يصبح: هل يمكن لحكومة نشأت بعد انهيار المسار الدستوري والانتخابي أن تستمد شرعيتها من مجرد استمرار أجهزة الدولة، أم أن استمرار الدولة شيء وشرعية الحكومة شيء آخر؟

الإجابة التي يدعمها التحليل المقارن والقانوني والسياسي هي أن بقاء الدولة لا يساوي شرعية الحكومة، والسيطرة على الأرض لا تساوي الشرعية السياسية، والاعتراف الدولي لا يخلق وحده شرعية داخلية، كما أن المعارضة المسلحة للسلطة لا تمنح تلقائياً شرعية للحركة المسلحة المنافسة. الشرعية في السودان ينبغي أن تُفهم بوصفها نتيجة مركبة لعدة مصادر متداخلة، لا بوصفها صفة يمتلكها طرف بصورة مطلقة.

ويعتمد هذا المقال منهجاً تركيبياً يجمع بين النظرية السياسية للشرعية، والقانون الدستوري، والقانون الدولي، وأدبيات الاعتراف بالحكومات، ودراسات بناء الدولة بعد الحروب الأهلية، وأدبيات الحوكمة المتمردة، وتحليل الحالة السودانية منذ 2019، مع تحديث الوقائع السياسية حتى عام 2026. وقد تم ترتيب المادة منطقياً وفق تسلسل يبدأ بتحديد مفهوم الشرعية ومصادرها، ثم يشرح كيف انهارت السلسلة الدستورية، ثم يقارن بين شرعية السلطة القائمة وشرعية السلطة الموازية والشرعية المدنية المحلية، ثم ينتقل إلى الاعتراف الدولي والاتحاد الأفريقي، وينتهي إلى تصميم قابل للتنفيذ لشرعية انتقالية وما بعد الحرب. والهدف من هذا الترتيب هو الانتقال من السؤال النظري: ما الشرعية؟ إلى السؤال التاريخي: كيف انهارت؟ ثم السؤال الواقعي: من يمتلك أي نوع منها الآن؟ ثم السؤال المؤسسي: كيف يمكن إعادة بنائها؟.

الفصل الأول: الشرعية ليست القوة ولا السيطرة ولا الاعتراف، بل حق الحكم الذي يمكن تبريره ومحاسبته

من سلطة الأمر إلى حق الحكم

الشرعية السياسية هي، في أبسط صورها، الاعتقاد بأن ممارسة السلطة مستحقة ومقبولة ومبررة وفق قواعد أو قيم أو إجراءات يعترف بها المجتمع أو جزء معتبر منه. وهي تختلف عن القوة؛ فقد يستطيع طرف فرض أوامره دون أن يعتقد السكان أن له حقاً أخلاقياً أو دستورياً في الحكم. كما تختلف عن الفاعلية؛ فقد تكون سلطة ما قادرة على جمع الضرائب أو توفير الأمن أو إدارة الموانئ من دون أن تكون شرعية. وتختلف كذلك عن الاعتراف الدولي؛ فقد تتعامل الدول والمنظمات الدولية مع سلطة معينة باعتبارها حكومة الدولة لأسباب قانونية وعملية، رغم أن شرعيتها الشعبية تكون ضعيفة.

تُعد نظرية ماكس فيبر من أهم المداخل الكلاسيكية لفهم الشرعية؛ فقد ميز بين السلطة التقليدية، والسلطة الكاريزمية، والسلطة القانونية-العقلانية، وأكد أن استقرار السلطة يرتبط باعتقاد المحكومين بأن السلطة تستحق الطاعة (Weber, 1922/1978). لكن الحالة السودانية تكشف حدود استخدام هذا التصنيف وحده؛ فالسلطة العسكرية يمكن أن تحاول بناء شرعيتها على حماية الدولة، والقيادة الشخصية، والتقاليد الوطنية، بينما تحتاج الدولة الحديثة إلى قواعد قانونية ومؤسسات عقلانية، ولا يمكن أن تستمر بصورة مستقرة إذا اعتمدت على الإكراه وحده.

أما ديفيد بيثام فقد قدم فهماً أكثر تركيباً، يرى أن شرعية السلطة لا تقوم فقط على وجود قواعد قانونية، وإنما تتطلب تبريراً معيارياً لهذه القواعد ووجود أشكال من الموافقة أو القبول بها (Beetham, 1991). وتطور الأدبيات الحديثة هذا الاتجاه، بحيث أصبح السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت السلطة “قانونية”، وإنما أيضاً بما إذا كانت قراراتها وإجراءاتها مقبولة وفق معايير المجتمع، وبما إذا كانت مؤسساتها نفسها تنتج أسباباً معقولة لقبولها (Lindberg, 2009; Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2023).

وتقدم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إطاراً بالغ الأهمية للدول الهشة، إذ ترى أن الشرعية مهمة لأنها تحول القوة إلى سلطة، وتجعل الحكم قائماً على القبول بدلاً من الإكراه (OECD, 2010). وهذه الفكرة شديدة الصلة بالسودان؛ إذ إن جوهر الأزمة ليس أن الدولة فقدت أدوات الإكراه بالكامل، بل أن الإكراه لم يعد قادراً وحده على إنتاج اتفاق سياسي حول من يملك حق استخدامه.

وفي الحالة السودانية ينبغي لذلك التمييز بين ستة مفاهيم كثيراً ما تختلط في الخطاب السياسي: السيطرة، والسلطة، والحكومة، والدولة، والاعتراف، والشرعية. السيطرة تعني القدرة الفعلية على فرض الأوامر في إقليم معين. السلطة تعني القدرة المؤسسية على إصدار الأوامر وتنفيذها. الحكومة هي مجموعة المؤسسات والأشخاص الذين يديرون شؤون الدولة في فترة معينة. الدولة هي الكيان السياسي والقانوني المستمر الذي يضم السكان والإقليم والمؤسسات والسيادة. الاعتراف الدولي هو قبول دول أو منظمات دولية بتمثيل جهة ما للدولة. أما الشرعية فهي المبرر السياسي والقانوني والأخلاقي لحق تلك الجهة في الحكم.

وبالتالي يمكن أن توجد سيطرة بلا شرعية، واعتراف بلا ديمقراطية، وشرعية اجتماعية بلا سلطة دستورية، وحكومة بلا تفويض انتخابي، ودولة بلا حكومة فعالة. وهذا بالضبط ما يجعل السودان حالة مركبة.

الفصل الثاني: سبعون عاماً من الدساتير القصيرة أضعفت الأساس الذي كان يفترض أن تستند إليه حكومة الحرب

من أزمة الدستور إلى أزمة مصدر السلطة

يمثل تاريخ السودان الدستوري الخلفية الأعمق لأزمة الشرعية الراهنة. فمنذ الاستقلال عانى البلد من عدم استقرار دستوري مزمن؛ إذ تعاقبت دساتير ووثائق انتقالية دون أن تتحول إلى تقليد دستوري راسخ يحميها القضاء والمجتمع والمؤسسات السياسية. وقد تناولت دراسة كريستين مو تطور الدساتير السودانية من 1956 إلى 2005، وخلصت إلى أن الدستور في السودان لم يكن مجرد وثيقة قانونية، بل كان أداة مرتبطة بصنع السلام وبناء الدولة ومحاولة إضفاء الشرعية على الأنظمة السياسية (Mo, 2014). وتوصلت دراسة المسار الدستوري التي أعدها بابكر وآخرون إلى أن سبعين عاماً من التجارب الدستورية اتسمت بتلاعب الحكومات العسكرية والمدنية بالعملية الدستورية وبضعف الملكية الشعبية لهذه العملية (Babiker et al., 2023).

وتوضح الأدبيات الخاصة بالعلاقة بين الانقلابات والهندسة الدستورية أن الدستور السوداني لم يكن مستقلاً دائماً عن الصراع على السلطة؛ فقد استُخدمت ترتيبات دستورية مختلفة لتوسيع أو تقييد المشاركة السياسية، ولتنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، ولإدارة آثار الحروب الأهلية (Ali et al., 2022). وتوضح هذه الأدبيات أن دستور 2019 كان في الأصل جزءاً من تسوية سياسية بين قوى الثورة والمجلس العسكري الانتقالي، وليس نتاج جمعية تأسيسية منتخبة، وهو ما جعله انتقالياً بطبيعته، لكنه كان مع ذلك المرجعية القانونية الرئيسية للمرحلة الانتقالية (Ali et al., 2022).

ومن هذه الزاوية، فإن انقلاب 25 أكتوبر 2021 لم يكن مجرد تغيير في شاغلي المناصب، بل كان قطعاً لسلسلة الشرعية الانتقالية. فقد حل عبد الفتاح البرهان مؤسسات السلطة الانتقالية، وأعلن حالة الطوارئ، وعلق أجزاء أساسية من الوثيقة الدستورية، ثم أصبح عملياً رئيساً لمجلس السيادة ورأس الدولة ومركز القرار التنفيذي، بينما استقال عبد الله حمدوك في يناير 2022 بعد أن فقد القدرة على تشكيل حكومة تحظى بقبول القوى المدنية والشارع (Perthes, 2024). وقد وصف تحليل SWP المرحلة التي أعقبت الانقلاب بأنها انتقال إلى حكومة عسكرية منقسمة ومتنازعة، مع إعادة إدخال عناصر من نظام البشير إلى الإدارة، وهو ما عمق أزمة الشرعية بدلاً من حلها (Perthes, 2024).

ومن ثم لا يمكن ببساطة القول إن السلطة التي نشأت بعد انقلاب 2021 ورثت الشرعية الكاملة للمرحلة الانتقالية السابقة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن القول إن كل قوة مدنية عارضت الانقلاب أصبحت تلقائياً صاحبة حق دستوري في تشكيل الحكومة؛ لأن سقوط سلطة لا يحدد وحده من يخلفها.

وقد عبّر رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير في 2025 عن هذا المنظور بصورة صريحة، حين اعتبر أن انقلاب 2021 أنهى شرعية الحكومة التي تأسست بعد الثورة، وأن الشرعية لا يمكن استعادتها بإقامة حكومة موازية أو بتعديل وثيقة دستورية فقدت أساسها السياسي، وإنما عبر وقف الحرب واستعادة المجال المدني والتوافق على سلطة انتقالية ذات تفويض بإجراء الانتخابات (الدقير، 2025). وهذه الرؤية، رغم أنها موقف سياسي وليست حكماً قانونياً نهائياً، مهمة لأنها تكشف أن أزمة الشرعية نفسها أصبحت موضوعاً للصراع السياسي السوداني.

الفصل الثالث: الحكومة القائمة في بورتسودان تملك استمرارية الدولة والاعتراف الخارجي، لكنها لا تملك وحدها التفويض الديمقراطي

لماذا يصعب وصف السلطة القائمة بأنها غير شرعية بالكامل أو شرعية بالكامل؟

يمتلك المعسكر الذي تقوده القوات المسلحة أقوى حجة في مجال استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية. فالمؤسسات المركزية للدولة ظلت مرتبطة به، وانتقلت الحكومة إلى بورتسودان بعد اندلاع الحرب، ثم استعادت القوات المسلحة الخرطوم في 2025، وبدأت عملية إعادة الحكومة إلى العاصمة.

كما أن تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء في 19 مايو 2025 كان محاولة واضحة لإعادة بناء واجهة مدنية للحكومة. وقد أخذ الأمين العام للأمم المتحدة علماً رسمياً بالقرار، لكنه لم يعتبر التعيين وحده حلاً نهائياً؛ بل عبّر عن أمله في أن يكون الخطوة الأولى نحو مشاورات شاملة لتشكيل حكومة تكنوقراطية واسعة، مع التشديد على إسكات البنادق وتقديم الخدمات لجميع السودانيين ووضع رؤية مشتركة للمستقبل (United Nations, 2025).

وفي يوليو 2025 سعت الحكومة إلى تقديم نفسها أمام الاتحاد الأفريقي بوصفها حكومة مدنية جديدة من الخبراء، وطالبت بإنهاء تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، مستندة إلى تعيين رئيس وزراء مدني وتشكيل حكومة من الخبراء. غير أن مجرد تعيين رئيس وزراء مدني لا يحسم سؤال طبيعة النظام السياسي؛ إذ إن الشرعية المدنية لا تقاس بعدد الوزراء المدنيين وإنما بمن يملك القرار النهائي في الأمن والسياسة والاقتصاد والتعيينات والموارد.

وهنا تظهر نقطة قانونية وسياسية مهمة: استمرار الدولة لا يتطلب استمرار الحكومة نفسها، واعتراف المجتمع الدولي بالدولة السودانية لا يعني أن كل ترتيب حكومي قائم فيها يتمتع بتفويض ديمقراطي كامل.

فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراري اعتماد ممثلي الدول في دورتيها 78 و79، ولم يظهر في السجل الأممي تنازع ناجح على اعتماد ممثل السودان؛ فقد اعتُمد قرار اعتماد ممثلي الدورة 78 دون تصويت في ديسمبر 2023، وكذلك قرار اعتماد الدورة 79 في ديسمبر 2024 (United Nations General Assembly, 2023; United Nations General Assembly, 2024). وهذا يؤكد استمرارية تمثيل الدولة السودانية في النظام الدولي، لكنه لا يمثل استفتاءً شعبياً على شرعية الحكومة.

وهنا يجب التفريق بين شرعية الحكومة في القانون الدولي وشرعيتها في الديمقراطية الداخلية. فقد بينت إريكا دي فيت أن معيار السيطرة الفعلية ظل مهماً تاريخياً في الاعتراف بالحكومات، لكن تطور الاتحاد الأفريقي بعد نهاية الحرب الباردة أدخل الشرعية الديمقراطية ورفض التغييرات غير الدستورية للحكومات في الحسابات المتعلقة بالاعتراف والقبول السياسي (de Wet, 2019).

لذلك فإن أفضل وصف للحكومة القائمة أثناء الحرب ليس أنها “حكومة شرعية بالكامل”، ولا أنها “حكومة غير شرعية بالكامل”، وإنما أنها السلطة الوطنية الفعلية التي تحتفظ بجزء مهم من الاستمرارية المؤسسية والتمثيل الدولي، لكنها تعاني من عجز جوهري في الشرعية الديمقراطية والدستورية بسبب الانقلاب وتعليق الانتقال المدني.

وهذا التمييز ليس لغوياً؛ بل له آثار عملية. فإذا قيل إن الحكومة القائمة شرعية بالكامل، فإن ذلك قد يستخدم لتبرير استمرار الحكم العسكري إلى ما بعد الحرب. وإذا قيل إنها غير شرعية بالكامل، فقد يؤدي ذلك إلى تجاهل استمرارية الدولة ومؤسساتها والتزاماتها الدولية واحتياجات السكان الواقعة تحت إدارتها. والموقف الأكثر دقة هو الاعتراف باستمرارية الدولة ومؤسساتها، مع عدم تحويل هذه الاستمرارية إلى تفويض سياسي دائم.

الفصل الرابع: الانتصار العسكري لا يحوّل الجيش من حارس للدولة إلى صاحب حق دائم في حكمها

الفصل بين شرعية الدفاع عن الدولة وشرعية حكم الدولة

تستند القوات المسلحة في خطابها السياسي إلى فكرة مركزية مفادها أنها المؤسسة الوطنية التي تدافع عن سيادة السودان ووحدته ضد قوة مسلحة موازية. وهذه الحجة تملك أساساً مهماً في مفهوم الدولة؛ فوجود جيش وطني قادر على حماية الإقليم ومنع تفكك الدولة جزء أساسي من وظائف الدولة الحديثة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الادعاء من شرعية الدفاع إلى شرعية الحكم.

يمكن لجيش أن يملك حقاً مشروعاً في الدفاع عن الدولة من جماعة مسلحة، دون أن يملك حقاً تلقائياً في إدارة الحكومة إلى أجل غير محدد. كما يمكن أن يحقق الجيش انتصاراً عسكرياً دون أن يحصل بذلك على تفويض انتخابي.

وتكشف التجربة السودانية السابقة خطورة الخلط بين المجالين؛ إذ شهد السودان فترات متعددة انتقلت فيها القوات المسلحة من موقع المؤسسة الأمنية إلى موقع الحاكم المباشر، ثم عادت إلى ترتيبات انتقالية أو مدنية. وقد أظهرت دراسة علي وبن حمّو وباول أن السودان عرف نمطاً متكرراً من الانقلابات والهندسة الدستورية التي سمحت للمؤسسة العسكرية بتعزيز موقعها في النظام السياسي (Ali et al., 2022).

ولذلك فإن انتصار القوات المسلحة في الخرطوم، وهو تطور بالغ الأهمية في ميزان الحرب، لا يمكن تفسيره باعتباره استفتاءً شعبياً على شكل النظام السياسي. وقد قال عبد الله حمدوك في يونيو 2025 إن السيطرة على الخرطوم أو فقدانها لا تحسم الحرب سياسياً، وإن الحل العسكري وحده لا يستطيع إنهاء النزاع (Hamdok, 2025). وهذه الرؤية تتفق مع تحليلات أوسع ترى أن الحرب السودانية لا يمكن اختزالها في مسألة من يسيطر على العاصمة، لأن جذورها تتعلق بتوزيع القوة بين مراكز أمنية واقتصادية وسياسية متنافسة (Kurtz, 2024).

ومن ثم ينبغي تثبيت قاعدة دستورية مستقبلية واضحة: الجيش يحمي الدولة، لكنه لا يملك الدولة.

وهذا لا يعني “إقصاء الجيش”، بل يعني إعادة تعريف علاقته بالدولة: جيش موحد ومهني وخاضع للسلطة المدنية، بعيد عن المنافسة الحزبية، وعن النشاط الاقتصادي السياسي، وعن تشكيل الحكومات، وعن استخدام السلاح للحصول على حصص سياسية.

الفصل الخامس: الحكومة الموازية ليست مجرد إدارة محلية؛ إنها محاولة لصناعة “شرعية مضادة” وقد تدفع السودان إلى دولة بحكومتين

من السيطرة على الأرض إلى المنافسة على تعريف الدولة

يمثل مشروع “تأسيس” أو التحالف السوداني التأسيسي أخطر تحول في أزمة الشرعية منذ بداية الحرب، لأنه نقل الصراع من المنافسة على السيطرة العسكرية إلى المنافسة على تعريف الحكومة نفسها.

في فبراير 2025 وقعت قوات الدعم السريع وحلفاؤها ميثاقاً لتأسيس حكومة “سلام ووحدة”، ثم تطور المشروع إلى تحالف تأسيس، وأُعلن في يوليو 2025 تشكيل حكومة موازية في المناطق الواقعة تحت سيطرة التحالف، برئاسة محمد حمدان دقلو في مجلس رئاسي، مع تعيين محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء. وقد أعلن التحالف أنه يسعى إلى سودان علماني وديمقراطي ولا مركزي، بينما وصفت الحكومة القائمة المشروع بأنه تهديد لوحدة الدولة (Reuters, 2025; Sudan Tribune, 2025).

وقد حاول المشروع بناء شرعيته على مجموعة مختلفة من الأسس: تمثيل المناطق المهمشة، رفض النظام القديم، بناء دولة علمانية وديمقراطية ولا مركزية، تمثيل القوى المسلحة والسياسية المختلفة، والسيطرة الفعلية على أجزاء من البلاد. وأكد أحد مسؤولي التحالف أن شرعيته، من وجهة نظره، تستمد من الشعب السوداني والمقاتلين وليس من القوى الأجنبية (Sudan Tribune, 2025).

لكن هذه الحجج تواجه ثلاث مشكلات كبرى.

أولاً، السيطرة المسلحة لا تكفي لإنتاج الشرعية السياسية.

ثانياً، لا يمكن فصل مشروع تأسيس عن القوة المسلحة التي تقوده، ولا عن السجل الواسع للانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع وحلفائها. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش عمليات قتل غير مشروع وعنف جنسي وإعدامات ميدانية وهجمات على المدنيين وانتهاكات ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها، كما وثقت انتهاكات خطيرة ارتكبتها القوات المسلحة وحلفاؤها أيضاً، بما في ذلك القصف العشوائي والتعذيب والعنف الجنسي والإعدامات والانتهاكات بحق المدنيين (Human Rights Watch, 2025).

ثالثاً، رفض الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن إنشاء سلطة موازية، ليس لأنهم حسموا كل أبعاد الشرعية الداخلية للحكومة القائمة، وإنما لأن إنشاء حكومتين متنافستين أثناء الحرب يهدد وحدة الدولة ويحول السيطرة العسكرية إلى انقسام مؤسسي. فقد عبّر مجلس الأمن في 5 مارس 2025 عن “قلق بالغ” من ميثاق إنشاء سلطة حكم موازية، وحذر من خطر تجزئة السودان وتفاقم الأزمة الإنسانية (United Nations Security Council, 2025). كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن الميثاق السياسي المعلن في فبراير 2025 يعمق التجزئة ويهدد وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه (United Nations, 2025).

وأكد الاتحاد الأوروبي أن خطط إنشاء حكومة موازية تهدد بتقسيم السودان وتقوض طموحات السودانيين الديمقراطية نحو عملية شاملة يقودها السودانيون لاستعادة الحكم المدني (European Union, 2025).

وفي أغسطس 2025 رفض الاتحاد الأفريقي بصورة صريحة الحكومة الموازية وأكد دعم سيادة السودان ووحدته، بينما كانت دول عربية وأطراف إقليمية أخرى قد أعلنت في وقت سابق رفضها إنشاء سلطة منافسة (African Union, 2025; Arab League, 2025).

ومع ذلك فإن رفض الحكومة الموازية دولياً لا يعني تجاهل حقيقة أن لها قدرة فعلية على إدارة مناطق وسكان. فقد أظهرت أبحاث حديثة حول المناطق الحدودية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع أن الحكم هناك لا يتم فقط بواسطة قيادة الدعم السريع، بل من خلال تفاعل بين القادة العسكريين والإدارات الأهلية والوسطاء المحليين وترتيبات غير رسمية، وأن السكان يضطرون إلى التفاوض مع مصادر متعددة للسلطة (XCEPT, 2025).

وهذه الحقيقة مهمة لأنها تمنع التحليل من الوقوع في ثنائية مبسطة: حكومة شرعية مقابل فراغ. ففي مناطق عديدة توجد حوكمة فعلية، لكنها ليست بالضرورة شرعية وطنية.

الفصل السادس: حين تصبح السيطرة المحلية حوكمة فعلية، لا ينبغي الخلط بين إدارة السكان وامتلاك الدولة

الدرس النظري من حوكمة الجماعات المسلحة

توضح أدبيات الحوكمة المتمردة أن الجماعات المسلحة لا تعتمد دائماً على القوة وحدها؛ فقد تسعى إلى توفير الأمن والخدمات، وفرض الضرائب، والتعامل مع الإدارات المحلية، وإنشاء مؤسسات موازية، لأن الحوكمة تساعدها في الحصول على تعاون المدنيين وبناء صورة سياسية أمام الداخل والخارج (Mampilly, 2011; Arjona, 2017; Stallman and Griffiths, 2024). وقد أظهرت الدراسات أن العلاقة بين المدنيين والجماعات المسلحة ليست مجرد علاقة ضحية وجلاد، بل قد تتضمن درجات مختلفة من التعاون والمقاومة والطاعة والتفاوض (Arjona, 2017).

وهذا ينطبق بدرجات مختلفة على السودان. فقد أنشأت قوات الدعم السريع وإدارات مرتبطة بها ترتيبات مدنية في مناطق سيطرتها، كما استندت إلى إدارات أهلية ووسطاء محليين، في محاولة لإدارة الحياة اليومية وإظهار القدرة على الحكم (XCEPT, 2025).

لكن وجود الحوكمة لا يعني وجود الشرعية الوطنية. فالسلطة المتمردة قد تكون قادرة على فرض النظام أو توفير بعض الخدمات، لكنها لا تصبح بذلك حكومة الدولة بأكملها.

ويقدم ديفيد ليك هنا إطاراً بالغ الأهمية؛ فالشرعية يمكن أن تنشأ من علاقة تعاقدية يكون فيها الحاكم قادراً على توفير نظام اجتماعي ذي قيمة للمحكومين، مقابل التزامهم بالقواعد والضرائب والقيود الضرورية لإنتاج هذا النظام (Lake, 2010). وتؤكد هذه النظرية أن الشرعية ليست مجرد “ختم قانوني” وإنما علاقة اجتماعية تتراكم عندما يصبح السكان أصحاب مصلحة في النظام القائم.

لكن تطبيق هذا المفهوم على الدعم السريع يجب أن يكون نقدياً. فالقدرة على توفير خدمات محدودة تحت الاحتلال أو الحرب قد تولد قبولاً أدائياً محلياً، لكنها لا تلغي الإكراه ولا جرائم الحرب ولا مشكلة مصدر السلطة. كما أن قبول السكان لترتيب معين قد يكون قبولاً تكيفياً بسبب غياب البدائل وليس موافقة سياسية حرة.

وهنا يجب التفريق بين ثلاثة أنواع من القبول: القبول الطوعي، والقبول النفعي، والقبول القسري. الأول مصدر محتمل للشرعية؛ الثاني قد يكون مؤشراً على الأداء لكنه لا يكفي؛ والثالث ليس شرعية.

الفصل السابع: الشرعية المدنية من أسفل إلى أعلى هي أهم مورد سياسي ظهر أثناء الحرب

لجان المقاومة وغرف الطوارئ بوصفها تجربة سودانية غير مسبوقة

أحد أهم الاكتشافات السياسية للحرب هو أن انهيار الدولة الرسمية لم يؤد إلى انهيار الحوكمة بالكامل. ففي مناطق كثيرة، نشأت شبكات مدنية تطوعية تولت توفير الطعام والرعاية الصحية والمياه والإجلاء والحماية والمساعدة الاجتماعية.

وكانت لجان المقاومة، التي بلغ عددها قبل الحرب آلاف اللجان المنظمة على مستوى الأحياء، من القوى الاجتماعية التي حظيت بدرجة مهمة من الثقة الشعبية، وشاركت منذ 2019 في الاحتجاجات التي أسقطت نظام البشير، ثم واصلت نشاطها ضد انقلاب 2021، قبل أن تتحول كثير من شبكاتها إلى العمل الإنساني خلال الحرب (Abbashar, 2023; EUAA, 2025). وتقدر مصادر أوروبية أن نحو 5,000 لجنة مقاومة كانت موجودة قبل الحرب، وأنها تعرضت بعد اندلاع الحرب للاستهداف من طرفي النزاع بسبب نشاطها السياسي والإنساني (EUAA, 2025).

وأصبحت غرف الطوارئ في مناطق عديدة من البلاد تؤدي وظائف كانت في الأصل من اختصاص الدولة. وقد وثقت الدراسات الدولية دورها في تقديم الغذاء والخدمات الصحية والإجلاء والمساعدات، كما أظهرت أنها أصبحت عرضة للاستهداف من الطرفين المتحاربين (Olson et al., 2024; EUAA, 2025).

وهذا يطرح سؤالاً نظرياً بالغ الأهمية:

إذا كانت الحكومة تحصل على الشرعية جزئياً من قدرتها على خدمة المواطنين، فهل يمكن أن تحصل شبكات مدنية غير حكومية على شكل من الشرعية السياسية لأنها تقوم فعلياً بوظائف عامة؟

الإجابة نعم، ولكن بصورة محدودة.

إنها تمتلك شرعية اجتماعية وأدائية ومحلية، لكنها لا تمتلك تلقائياً الشرعية الدستورية اللازمة للحكم الوطني.

ومع ذلك، فإن هذا النوع من الشرعية يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر إعادة بناء الدولة بعد الحرب. وقد أظهرت تجربة غرف الطوارئ أن المعرفة المحلية، والثقة الاجتماعية، واللامركزية، والسرعة في الاستجابة، يمكن أن تجعل المجتمع أكثر قدرة على سد فجوات الدولة عندما تنهار المؤسسات الرسمية. ولهذا أصبحت التجربة السودانية ذات أهمية تتجاوز السودان نفسه في نقاش نماذج المساعدة المحلية والحوكمة أثناء الحرب (Olson et al., 2024; Chatham House, 2026).

لكن هناك خطراً آخر: لا ينبغي تحويل غرف الطوارئ ولجان المقاومة إلى “حكومة بديلة” من دون تفويض ديمقراطي. فقوتها الأساسية تأتي من كونها أقرب إلى المجتمع وأقل هرمية من الدولة، وإذا جرى تحويلها إلى جهاز حكومي مغلق فقد تفقد جزءاً من مصدر شرعيتها.

لذلك فإن أفضل نموذج هو تحويل الشرعية الاجتماعية إلى تمثيل مؤسسي، لا تحويل العمل الأهلي مباشرة إلى سلطة تنفيذية وطنية.

الفصل الثامن: الشرعية الدولية مهمة، لكنها تحدد من يمثل السودان خارجياً ولا تمنح أي طرف تفويضاً شعبياً

الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاعتراف بالحكومة

في القانون والممارسة الدوليين، لعبت السيطرة الفعلية على الإقليم ومؤسسات الدولة دوراً تاريخياً كبيراً في تحديد الحكومة التي تتعامل معها الدول الأخرى. لكن الأدبيات القانونية الحديثة تشير إلى أن السيطرة الفعلية لم تعد معياراً وحيداً عندما توجد اعتبارات دستورية وديمقراطية قوية، وخاصة في البيئة الأفريقية التي طور فيها الاتحاد الأفريقي قواعد أكثر صرامة ضد التغييرات غير الدستورية للحكومات (de Wet, 2019).

وتكشف حالة السودان أن الاعتراف الدولي لا يساوي الشرعية الديمقراطية.

فالجمعية العامة للأمم المتحدة واصلت اعتماد ممثلي السودان في دورتيها 78 و79 دون تصويت، وهو ما يؤكد استمرارية تمثيل الدولة السودانية في المنظمة الدولية (United Nations General Assembly, 2023; United Nations General Assembly, 2024).

لكن هذه الممارسة لا تعني أن الأمم المتحدة أجرت تقييماً شاملاً للشرعية الديمقراطية للحكومة السودانية. فالمنظمات الدولية تحتاج إلى طرف يمثل الدولة لأغراض قانونية ودبلوماسية وإنسانية، واستمرارية الدولة لا يمكن تعليقها في كل مرة تتغير فيها الحكومة أو تندلع حرب أهلية.

والاتحاد الأفريقي يضيف طبقة أكثر صرامة؛ فقد علّق السودان بعد انقلاب 2021 إلى حين استعادة سلطة انتقالية مدنية، واستمر الموقف الأفريقي في ربط التسوية السياسية بالحكم المدني والدستوري (African Union, 2021; African Union, 2025).

ولهذا فإن الاتحاد الأفريقي لا ينظر إلى الشرعية باعتبارها مجرد مسألة سيطرة؛ بل يربطها أيضاً بمبدأ رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات.

ومن هذه الزاوية، فإن موقف الاتحاد الأفريقي من الحكومة الموازية في 2025 كان مزدوجاً: رفض تقسيم السودان وإنشاء سلطة موازية من جهة، والاستمرار في الضغط من أجل عودة السودان إلى مسار مدني دستوري من جهة أخرى. وفي أغسطس 2025 أدان مجلس السلم والأمن الأفريقي إنشاء الحكومة الموازية واعتبرها تهديداً للعملية السياسية، بينما أكد في الوقت نفسه ضرورة الحوار السوداني الشامل (African Union, 2025).

وهذا يعني أن الاعتراف الدولي بالحكومة القائمة لا ينبغي تفسيره باعتباره شهادة ديمقراطية، كما أن عدم الاعتراف بالحكومة الموازية لا يعني أن النظام القائم حصل بذلك على تفويض شعبي.

الفصل التاسع: السودان دخل مرحلة “سباق الشرعيات”، والخطر الأكبر هو تحول الصراع من حرب إلى دولتين

من معركة الأرض إلى معركة من يمثل السودان

تكشف تجربة السودان أن الحرب ليست فقط حرباً على المدن والمطارات والموانئ، بل حرب على المركز القانوني والسياسي للدولة.

وقد وصف تحليل للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إنشاء الحكومة الموازية بأنه قد يسرع الانقسام، خصوصاً مع ازدياد تقنين شرعية الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة في بورتسودان بالتزامن مع استعادة القوات المسلحة أجزاء واسعة من البلاد (ECFR, 2025).

كما حذر معهد الدراسات الأمنية الأفريقي من احتمال تحول الحرب إلى انقسام بين إدارتين أو أكثر، ولاحظ أن تعديل السلطة القائمة للوثيقة الدستورية في فبراير 2025 لإزالة الإشارات إلى الدعم السريع جاء بالتزامن مع إعداد الدعم السريع وحلفائه دستوراً وميثاقاً لـ”سودان جديد” وإنشاء حكومة موازية (Okello, 2025).

وقد أصبح السودان، للمرة الأولى منذ الاستقلال، أمام احتمال وجود حكومتين تتنافسان على تمثيل الدولة: حكومة مرتبطة بالسلطة القائمة في بورتسودان، وحكومة موازية مرتبطة بتحالف الدعم السريع في نيالا ومناطق أخرى. واعتبرت تحليلات سياسية هذا التطور انتقالاً من حرب على السلطة إلى حرب على الشرعية السياسية ذاتها (Hoffmann, 2025; Nashed, 2025).

ولا يمكن فصل هذا التطور عن انهيار تحالف “تقدم” المدني في فبراير 2025 بسبب الخلاف حول مسألة الحكومة الموازية. فقد أعلنت قيادة التحالف حلّه بعد خلافات عميقة حول إنشاء سلطة في مناطق سيطرة الدعم السريع، بينما رأى طرف من القوى المدنية أن الحكومة الموازية قد تمنح الدعم السريع غطاءً سياسياً، ورأى آخرون أن رفضها دون معالجة مشكلة شرعية السلطة القائمة يعيد إنتاج الوضع القائم (Sudan Tribune, 2025).

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الأزمة تعقيداً: رفض الحكومة الموازية لا يعني قبول الحكومة القائمة، ورفض الحكومة القائمة لا يبرر الحكومة الموازية.

وقد عبّر الحزب الشيوعي السوداني عن هذا الموقف بصورة واضحة حين وصف الحكومة الموازية والحكومة القائمة معاً بأنهما تفتقران إلى الشرعية، وربط ذلك بانقلاب 2021 وبالحرب والانتهاكات، ودعا إلى عدم الإفلات من العقاب (الحزب الشيوعي السوداني، 2025). وهذا موقف حزبي، لكنه مهم كمؤشر على أن جزءاً من المجال المدني لا يقبل الثنائية التي تضع الشعب أمام خيار “الحكومة القائمة أو الدعم السريع” (الحزب الشيوعي السوداني، 2025).

وفي المقابل، فإن الحكومة القائمة اتهمت قوى مدنية مثل تحالف صمود بأنها تمنح الدعم السريع شرعية سياسية، بينما أكدت تلك القوى أنها ترفض الحكومة الموازية وتسعى إلى إنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني (Sudan Tribune, 2025).

وبالتالي أصبح السودان أمام سباق شرعيات لا يقل خطورة عن سباق السلاح.

الفصل العاشر: لا شرعية مستقرة من دون عدالة، ولا دولة شرعية إذا كان السلاح هو الطريق إلى التمثيل

الانتهاكات والمساءلة جزء من الشرعية وليست ملفاً منفصلاً عنها

لا يمكن بناء شرعية سياسية مستقرة فوق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وهذا ينطبق على جميع الأطراف.

فالقانون الدولي لا يمنح القوة المسلحة رخصة أخلاقية للحكم لمجرد أنها ترفع شعار الدولة، كما أن خطاب التهميش أو الديمقراطية أو العلمانية لا يمحو الانتهاكات التي يرتكبها طرف مسلح.

وقد وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات واسعة من جانب قوات الدعم السريع وحلفائها، بما في ذلك عمليات قتل غير مشروع وعنف جنسي وإعدامات ميدانية، كما وثقت انتهاكات خطيرة من القوات المسلحة وحلفائها، بما فيها القصف العشوائي والتعذيب والإعدامات والعنف الجنسي، مع استمرار الإفلات من العقاب (Human Rights Watch, 2025).

ومن هنا يجب إدخال المساءلة والعدالة الانتقالية ضمن مفهوم الشرعية نفسه، لا اعتبارهما ملفين منفصلين. فالسلطة التي ترتكب انتهاكات واسعة ثم تطلب الاعتراف السياسي من دون تحقيق ومحاسبة تواجه مشكلة في الشرعية الأخلاقية حتى لو كانت مسيطرة عسكرياً.

وبالمثل، فإن القوى المدنية التي تتحالف مع طرف مسلح متهم بانتهاكات جسيمة قد تتعرض لأزمة شرعية سياسية إذا بدا أنها تضع الوصول إلى السلطة فوق حقوق الضحايا.

وهذا يقود إلى قاعدة عملية: لا ينبغي أن يكون حمل السلاح مصدراً للتمثيل السياسي، ولا ينبغي أن يكون ارتكاب الانتهاكات ثم إعلان الولاء للدولة وسيلة للإفلات من المحاسبة.

وقد أكدت المواقف الدولية المتعلقة بالسودان دعم التحقيقات الدولية، بما في ذلك عمل بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، مع استمرار الدعوة إلى حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم (European Union, 2025; Human Rights Watch, 2025).

لماذا لا تكفي “واجهة مدنية”؟

أظهرت التجربة السودانية منذ 2021 أن تعيين مدنيين في مواقع حكومية لا يحول بالضرورة الحكومة العسكرية إلى حكومة مدنية.

فالشرعية المدنية لا تقاس بعدد الوزراء المدنيين، وإنما بمن يملك القرار النهائي، ومن يحدد السياسة الأمنية، ومن يسيطر على الموارد الاقتصادية، ومن يملك سلطة التعيين والعزل، ومن يخضع للمساءلة، ومن يحدد السياسة الخارجية، وهل يستطيع رئيس الوزراء رفض أوامر القيادة العسكرية، وهل تخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية.

ولهذا فإن تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء يمثل خطوة نحو المدنية الإجرائية، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج شرعية مدنية كاملة. وحتى الأمم المتحدة عندما رحبت بالخطوة لم تعتبرها نهاية الأزمة، بل “الخطوة الأولى” نحو حكومة واسعة وقائمة على التوافق (United Nations, 2025).

وتزداد المشكلة لأن محاولة تشكيل حكومة “تكنوقراطية” قد تنتج حكومة أكثر كفاءة إدارياً، لكنها قد تبقى ضعيفة التمثيل السياسي.

وهنا ينبغي التفريق بين شرعية الكفاءة وشرعية التمثيل.

الحكومة قد تكون ممتازة في إدارة المالية أو الصحة أو الزراعة، لكنها لا تصبح بذلك ممثلة للشعب. وفي المقابل قد تكون حكومة منتخبة لكنها ضعيفة الأداء. والشرعية المستقرة تتطلب الجمع بين الاثنين: تفويض سياسي صحيح وأداء حكومي قابل للمحاسبة.

الفصل الحادي عشر: السودان يحتاج إلى شرعية انتقالية مؤقتة تنتهي حتماً إلى تفويض شعبي، لا إلى انتصار أحد معسكري الحرب

كيف ينبغي أن تُبنى شرعية الحكومة أثناء الحرب؟

الحكومة التي تحكم السودان أثناء الحرب لا تستطيع اكتساب شرعية انتخابية كاملة، لكنها تستطيع تعظيم شرعيتها من خلال برنامج انتقالي واضح.

أولاً، ينبغي اعتماد ترتيب دستوري انتقالي جديد يحل محل حالة الفراغ الدستوري، ويحدد بوضوح صلاحيات رئيس الدولة، وصلاحيات رئيس الوزراء، وحدود دور القوات المسلحة، وحقوق المواطنين، واستقلال القضاء، والرقابة المالية، واستقلال الخدمة المدنية، وصلاحيات الأقاليم، ومدة الانتقال، والآلية المحددة للوصول إلى الانتخابات.

ثانياً، ينبغي فصل القوات المسلحة عن السلطة التنفيذية. وينبغي أن تكون القوات المسلحة مؤسسة وطنية خاضعة للسلطة المدنية، لا مؤسسة حاكمة. والصيغة الصحيحة ليست “إقصاء الجيش”، بل:

جيش قوي للدفاع عن الدولة، وحكومة مدنية قوية لإدارة الدولة.

ثالثاً، ينبغي عدم منح الشرعية السياسية للسلاح. فلا ينبغي أن تكون قاعدة التمثيل “من يملك السلاح يحصل على مقعد”، بل “من يمثل المواطنين وفق قواعد مدنية وديمقراطية يحصل على التمثيل”.

رابعاً، ينبغي إشراك المجتمع المدني الحقيقي، بما في ذلك لجان المقاومة، والنقابات، والمهنيين، وغرف الطوارئ، والنساء، والشباب، والنازحين، واللاجئين، والإدارات المحلية، والأقاليم والمجتمعات الطرفية، والأحزاب المدنية غير المتورطة في الجرائم، وممثلي الضحايا. لكن المشاركة ينبغي أن تكون تمثيلية وليست محاصصة.

خامساً، يمكن إنشاء آلية مستقلة لقياس الشرعية والحوكمة الانتقالية، تقيس بصورة دورية الثقة الشعبية، والوصول إلى الخدمات، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والنزاهة المالية، والمشاركة السياسية، والتمثيل الإقليمي، وأداء الحكومة.

وهذا يحول الشرعية من شعار سياسي إلى مؤشر قابل للقياس والتقييم.

هل تحتاج حكومة الحرب إلى شرعية ديمقراطية كاملة؟

من المنظور المعياري، لا ينبغي أن تُستخدم الحرب ذريعة لإلغاء الديمقراطية إلى أجل غير مسمى. لكن من المنظور الواقعي، قد يكون من المستحيل إجراء انتخابات حرة عندما تكون أجزاء واسعة من البلاد تحت السيطرة المسلحة، وملايين المواطنين نازحين، والبنية الانتخابية مدمرة، والناخبون موزعين داخل البلاد وخارجها.

لذلك فإن المطلوب أثناء الحرب ليس بالضرورة حكومة منتخبة فوراً، وإنما حكومة تتمتع بأقصى قدر ممكن من الشرعية المتاحة في الظروف الاستثنائية.

وهذه الشرعية يمكن أن تُبنى عبر خمسة شروط: استمرار الشخصية القانونية للدولة؛ احترام الوثيقة الدستورية أو إنشاء أساس دستوري انتقالي جديد بصورة تشاركية؛ عدم احتكار الجيش للسلطة السياسية؛ تمثيل مدني حقيقي وليس مجرد واجهة مدنية؛ وتحديد مدة الحكومة الانتقالية والتزامها الصريح بانتخابات حرة.

وبالتالي فإن الطوارئ قد تبرر التأجيل الإجرائي للانتخابات، لكنها لا تبرر إلغاء مبدأ التفويض الشعبي.

لماذا يجب رفض تحويل ترتيبات الحرب إلى نظام سياسي دائم؟

الخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه السودان هو تحويل ترتيبات الحرب إلى نظام سياسي دائم.

الحرب قد تبرر حكومة طوارئ محدودة المدة، وسلطات استثنائية محددة، وتأجيل الانتخابات، وإعادة توزيع بعض المؤسسات، وترتيبات أمنية مؤقتة. لكنها لا تبرر حكم الجيش إلى أجل غير محدد، ولا حكم المليشيات للمناطق التي تسيطر عليها، ولا إلغاء المعارضة المدنية، ولا تقسيم الدولة إلى حكومات متنافسة، ولا تحويل اتفاقات السلام إلى حصص دائمة، ولا تعطيل القضاء، ولا إلغاء الحريات، ولا تحويل حالة الطوارئ إلى نظام سياسي دائم.

وبعبارة أخرى:

الشرعية الاستثنائية يجب أن تكون مؤقتة، قابلة للمراجعة، وموجهة نحو استعادة الشرعية الدستورية الطبيعية.

نحو حكومة انتقالية ذات “شرعية مركبة”

يمكن بناء شرعية انتقالية سودانية على خمسة أعمدة مترابطة: استمرارية الدولة، والتوافق الدستوري، والمشاركة المدنية، والأداء الحكومي، والمسار الانتخابي.

استمرارية الدولة تعني عدم تفكيك المؤسسات الوطنية أو الاعتراف بانقسام دائم. والتوافق الدستوري يعني أن الحكومة لا تستمد صلاحياتها من القوة العسكرية وحدها. والمشاركة المدنية تعني أن المدنيين لا يكونون مجرد واجهة. والأداء الحكومي يعني أن الحكومة تستطيع تقديم الأمن والخدمات والعدالة. أما المسار الانتخابي فيعني أن الحكومة تعرف منذ يومها الأول أن شرعيتها مؤقتة وأن نهايتها محددة بانتقال سلمي إلى سلطة منتخبة.

الفصل الثاني عشر: الشرعية النهائية يجب أن تُبنى من المجتمع إلى الدولة، ومن وقف الحرب إلى الانتخابات، ومن الجيش الوطني إلى السلطة المدنية

مصفوفة جديدة لقياس شرعية أي حكومة سودانية

يمكن بناء أداة تحليلية لقياس شرعية أي حكومة سودانية عبر سبعة أبعاد مترابطة: البعد الدستوري، ويسأل هل وصلت السلطة إلى الحكم وفق قواعد دستورية نافذة؛ والبعد الشعبي، ويسأل هل تتمتع بموافقة المواطنين؛ والبعد الانتخابي، ويسأل هل تستند إلى انتخابات حرة ونزيهة؛ والبعد الأدائي، ويسأل هل توفر الأمن والخدمات والعدالة؛ والبعد الأخلاقي، ويسأل هل تحمي المدنيين وتحترم حقوق الإنسان؛ والبعد الإقليمي، ويسأل هل تتمتع بقبول معتبر في المناطق المختلفة؛ والبعد الدولي، ويسأل هل تمثل الدولة في النظام الدولي.

ولا ينبغي جمع هذه الأبعاد حسابياً بصورة ميكانيكية، لأن بعضها شروط نوعية لا تعوض بعضها بعضاً. فـالسيطرة على 70% من الأرض لا تعوض غياب الانتخابات، كما أن الفوز في الانتخابات لا يبرر انتهاك الدستور أو حقوق الإنسان، كما أن الاعتراف الدولي لا يعوض انهيار الثقة الشعبية.

وبناء على هذه المصفوفة يمكن التوصل إلى تقييم أكثر دقة للفاعلين السودانيين. فالسلطة المرتبطة بالقوات المسلحة تمتلك أقوى عناصر استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية والسيطرة على العاصمة ومناطق واسعة من البلاد، لكنها تعاني من ضعف جوهري في الشرعية الدستورية والديمقراطية بسبب انقلاب 2021 وعدم وجود تفويض انتخابي وطني.

وقوات الدعم السريع وحلفاؤها يمتلكون درجات متفاوتة من السيطرة الإقليمية والقدرة على إدارة بعض المناطق وطرح خطاب سياسي بديل، لكن ذلك لا يتحول تلقائياً إلى شرعية وطنية، خصوصاً في ظل ارتباط المشروع بقوة مسلحة وسجل واسع من الانتهاكات، وفي ظل إنشاء حكومة موازية رفضتها مؤسسات إقليمية ودولية واسعة.

أما القوى المدنية، بما فيها لجان المقاومة وغرف الطوارئ وبعض التنظيمات المهنية والمدنية، فتملك مصادر مهمة من الشرعية الثورية والاجتماعية والمحلية والأدائية، لكنها ما زالت تحتاج إلى بناء آليات تمثيل وطنية أكثر وضوحاً كي تتحول تلك الشرعية إلى سلطة حكومية.

وبذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

من هو الشرعي؟

بل:

من يملك أي نوع من الشرعية، وما الذي ينقصه حتى يصبح حاكماً شرعياً لكل السودان؟

لماذا لا ينبغي الاعتراف بحكومتين سودانيتين؟

قد يبدو الاعتراف بحكومتين حلاً عملياً للأمر الواقع، لكنه ينطوي على مخاطر هائلة.

فالتجربة المقارنة توضح أن وجود حكومات متنافسة أثناء الحرب يمكن أن يحول الانقسام العسكري إلى انقسام مؤسسي، ويخلق حوافز للأطراف المسلحة للسيطرة على المزيد من الأراضي للحصول على موارد ومقاعد حكومية (Landau-Wells, 2018). وقد حذر مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي بصورة متكررة من أن إنشاء سلطات موازية يمكن أن يعمق تجزئة السودان (United Nations Security Council, 2025; African Union, 2025; European Union, 2025).

لذلك فإن الحل الأفضل ليس الاعتراف بحكومتين، وإنما الاعتراف بحكومة وطنية واحدة ضمن عملية انتقالية جديدة تشمل المناطق والسكان كافة، مع عدم مكافأة السيطرة المسلحة بحكومة إقليمية مستقلة.

لكن عدم الاعتراف بحكومة موازية لا يعني تجاهل السكان الذين تسيطر عليهم.

إذا كانت سلطة ما تسيطر فعلياً على ملايين المواطنين، فلا يمكن تجاهل هؤلاء السكان في المساعدات والخدمات والمفاوضات الإنسانية بحجة عدم الاعتراف بالسلطة التي تسيطر عليهم.

وهنا ينبغي الفصل بين التعامل الإنساني مع السكان، والتعامل الإداري العملي، والاعتراف السياسي بالحكومة.

يمكن تقديم المساعدات للمدنيين في مناطق سيطرة الدعم السريع دون الاعتراف بحكومة الدعم السريع. كما يمكن التفاوض حول ممرات إنسانية مع جماعة مسلحة دون الاعتراف بها كحكومة. وهذا الفصل ضروري حتى لا يتحول العمل الإنساني إلى أداة لمنح الشرعية السياسية.

ما بعد الحرب: من وقف إطلاق النار إلى إعادة تأسيس الشرعية

بعد الحرب، لا ينبغي أن تنتقل البلاد مباشرة من حكومة حرب إلى انتخابات وطنية غير مستعدة.

الانتقال الأكثر استدامة ينبغي أن يمر عبر مراحل مترابطة. تبدأ المرحلة الأولى بوقف إطلاق النار واستعادة الدولة، وتشمل حماية المدنيين وفتح الطرق وإعادة الخدمات واستعادة الإدارة العامة وإطلاق عملية العدالة الانتقالية. ثم تأتي مرحلة حكومة مدنية انتقالية ينبغي أن تكون مدنية فعلياً، لا مجرد حكومة مدنيين تحت وصاية عسكرية. بعدها يأتي إصلاح القطاع الأمني، بما يشمل دمج أو تسريح أو إعادة هيكلة القوات المسلحة والمجموعات المسلحة وفق قواعد مهنية، وإنهاء الاقتصاد العسكري وشبكات الشركات المرتبطة بالأجهزة المسلحة. ثم تبدأ مرحلة بناء المؤسسات الانتخابية، بما يشمل مفوضية انتخابات مستقلة، وسجلاً مدنياً وانتخابياً حديثاً، ومحكمة دستورية، ومفوضية حقوق الإنسان، ومؤسسات مكافحة الفساد، ونظاماً قضائياً مستقلاً. وأخيراً تأتي الانتخابات، التي ينبغي أن تكون نتيجة إعادة بناء الشرعية، لا مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية على أمر واقع عسكري.

لماذا ينبغي أن تكون اللامركزية جزءاً من الشرعية الجديدة؟

ربما يكون أحد أكثر الدروس ابتكاراً في السودان أن الدولة المستقبلية لا ينبغي أن تعود ببساطة إلى نموذج مركزي يحتكر فيه الخرطوم كل السلطة.

أظهرت غرف الطوارئ أن اللامركزية يمكن أن تكون أكثر سرعة واستجابة، وأن المعرفة المحلية يمكن أن تكون مصدراً مهماً للحوكمة. كما أظهرت أبحاث الحوكمة في المناطق المتنازع عليها أن السلطات المحلية والإدارات الأهلية والوسطاء الاجتماعيين تؤدي أدواراً لا يمكن للدولة المركزية وحدها أن تحل محلها (XCEPT, 2025).

وهذا يقود إلى تصور جديد للشرعية السودانية:

الحكومة المركزية تستمد شرعيتها من الدستور والانتخابات، بينما تستمد السلطات المحلية شرعيتها من الانتخابات المحلية والقرب من السكان والمساءلة المباشرة.

وبذلك لا تعود الدولة مضطرة إلى الاختيار بين المركزية الكاملة والفوضى اللامركزية.

عقد اجتماعي جديد بدلاً من إعادة إنتاج نظام ما قبل الحرب

أزمة السودان ليست فقط أزمة حكومة؛ إنها أزمة عقد اجتماعي.

فالدولة السودانية عانت تاريخياً من تفاوتات مركزية-هامشية، ومن تركيز السلطة والثروة، ومن عسكرة السياسة، ومن تداخل القوات النظامية والمليشيات والاقتصاد، ومن ضعف المؤسسات المدنية. وقد أوضحت دراسات السلطة بعد سقوط البشير أن الحرب نفسها كانت نتيجة لتغيرات عميقة في بنية القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية السودانية (Kurtz, 2024).

لذلك فإن العودة إلى شرعية ما قبل الحرب ليست كافية.

المطلوب هو شرعية سياسية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والدولة المدنية، واللامركزية، وسيادة القانون، والجيش المهني الموحد، وإخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية، ومنع الاقتصاد العسكري، والانتخابات الحرة، واستقلال القضاء، والعدالة الانتقالية، وحماية التنوع، وتقاسم عادل للموارد، ومشاركة حقيقية للأقاليم، وحماية حقوق النساء والشباب، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وتتوافق هذه الرؤية مع أدبيات بناء الدولة بعد الحرب التي تؤكد أن الشرعية لا ينبغي أن تُفرض من أعلى، بل ينبغي أن تنشأ من علاقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، بحيث يصبح المواطنون والجماعات أصحاب مصلحة في النظام السياسي والسلام (Lake, 2010; Roberts, 2008).

النتيجة الحاسمة: لا حكومة سودانية تستطيع اليوم الادعاء باحتكار الشرعية الكاملة

المحصلة التحليلية الأكثر دقة هي أن السودان لا يواجه ببساطة صراعاً بين “حكومة شرعية” و”تمرد غير شرعي”، ولا بين “جيش غير شرعي” و”قوة ثورية شرعية”.

بل يواجه تراكباً بين شرعيات مختلفة ومتناقصة.

السلطة المرتبطة بالقوات المسلحة تمتلك أقوى عناصر استمرارية الدولة والتمثيل الدولي والمؤسسات الرسمية والسيطرة على العاصمة ومناطق واسعة من البلاد. لكنها تعاني من ضعف جوهري في الشرعية الدستورية والديمقراطية بسبب انقلاب 2021 واستمرار الحكم العسكري وعدم وجود تفويض انتخابي وطني.

وقوات الدعم السريع وحلفاؤها يمتلكون درجات متفاوتة من السيطرة الإقليمية والقدرة على إدارة بعض المناطق وطرح خطاب سياسي بديل، لكن ذلك لا يتحول تلقائياً إلى شرعية وطنية شاملة، ولا يمكن فصل أي ادعاء بالشرعية عن مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عن سلوك القوات الواقعة تحت نفوذها.

أما القوى المدنية، بما فيها لجان المقاومة وغرف الطوارئ وبعض التنظيمات المهنية والمدنية، فتملك مصادر مهمة من الشرعية الثورية والاجتماعية والمحلية والأدائية، لكنها تحتاج إلى تطوير تمثيل وطني أكثر وضوحاً ومؤسسات قرار أكثر ديمقراطية حتى تتحول شرعيتها الاجتماعية إلى شرعية حكومية.

وبذلك فإن السؤال الصحيح ليس “من هو الشرعي؟” فقط، وإنما:

شرعي بأي معنى؟ وبأي درجة؟ وعلى أي إقليم؟ وبأي قاعدة قانونية؟ وبأي مستوى من القبول الشعبي؟ وبأي سجل من حماية المدنيين؟

خاتمة نقدية: السودان لا يحتاج إلى انتصار شرعية على شرعية، بل إلى إعادة تعريف الطريق الذي تُكتسب به الشرعية

تثبت أزمة السودان أن القوة تستطيع أن تنشئ سلطة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنشئ شرعية. والسيطرة على العاصمة أو الموانئ أو الأقاليم تمنح قدرة على الحكم، لكنها لا تمنح تفويضاً شعبياً. والاعتراف الدولي يمنح قدرة على تمثيل الدولة خارجياً، لكنه لا يمنح رضا المواطنين. وتعيين مدنيين في الحكومة يمكن أن يحسن صورتها، لكنه لا يجعلها مدنية إذا بقي القرار السياسي والأمني بيد المؤسسة العسكرية. كما أن إنشاء حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوة مسلحة لا يحول تلك القوة تلقائياً إلى حكومة شرعية، بل قد يحول الحرب إلى انقسام مؤسسي ودستوري دائم.

وأكثر النتائج أهمية هي أن الشرعية في السودان أصبحت متعددة المصادر ومجزأة جغرافياً ومؤسسياً. فهناك شرعية استمرارية الدولة التي تمتلك الحكومة القائمة جزءاً كبيراً منها، وشرعية السيطرة التي يمتلكها كل طرف في مناطقه بدرجات مختلفة، وشرعية دولية مرتبطة بتمثيل الدولة، وشرعية ثورية ومدنية تمتلكها قطاعات من المجتمع، وشرعية أدائية محلية برزت من خلال غرف الطوارئ ولجان المقاومة والإدارات المحلية، وشرعية ديمقراطية مستقبلية لم تُمنح بعد لأي طرف لأنها تحتاج إلى انتخابات حرة.

ومن هنا يجب رفض ثلاث خرافات سياسية متقابلة. الأولى هي أن الانتصار العسكري ينتج حق الحكم؛ وهو استنتاج غير صحيح لأن الانتصار في الحرب قد يعيد السيطرة للدولة لكنه لا يمنح تفويضاً انتخابياً. والثانية هي أن الاعتراف الدولي يساوي الشرعية الشعبية؛ وهو غير صحيح لأن الاعتراف يحدد غالباً من يمثل الدولة خارجياً ولا يستبدل الإرادة الشعبية. والثالثة هي أن معارضة الحكومة القائمة تمنح تلقائياً الشرعية للحكومة المنافسة؛ وهو أيضاً غير صحيح، لأن رفض سلطة ما لا يمنح سلطة أخرى حقاً تلقائياً في حكم البلاد.

وبالمثل، يجب رفض تصور معاكس يقوم على أن استمرارية مؤسسات الدولة تمنح الحكومة القائمة شرعية مطلقة. فالدولة السودانية ينبغي أن تبقى موحدة، لكن بقاء الدولة لا يبرر استمرار أي ترتيب سياسي إلى ما لا نهاية. وإذا كان الهدف هو إعادة بناء الدولة، فإن الشرعية يجب أن تتحول تدريجياً من شرعية الضرورة والحرب إلى شرعية دستورية ثم انتخابية.

أثناء الحرب، تستمد الحكومة السودانية القائمة أقوى عناصر شرعيتها من استمرارية الدولة، والمؤسسات الرسمية، والتمثيل الدولي، والسيطرة على جزء كبير من الإقليم، ولا سيما العاصمة بعد استعادتها. لكنها لا تستطيع الادعاء بامتلاك شرعية ديمقراطية مكتملة، لأن مسار الانتقال الدستوري انقطع بانقلاب 2021 ولم تُجرَ انتخابات وطنية حرة.

أما بعد الحرب، فلا ينبغي أن تُمنح الشرعية النهائية لا للجيش بسبب انتصاره، ولا للدعم السريع بسبب سيطرته، ولا للحركات المسلحة بسبب توقيعها اتفاقات سلام، ولا للأحزاب بسبب تاريخها، ولا لأي نخبة مدنية بسبب قربها من الخارج. المصدر النهائي للشرعية يجب أن يعود إلى الشعب السوداني من خلال عقد دستوري مدني جديد، ومؤسسات مستقلة، وانتخابات حرة، وعدالة انتقالية، ودولة لا تخضع فيها السياسة للسلاح.

ومن هنا فإن الترتيب الأكثر قابلية للتنفيذ هو: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، الحفاظ على وحدة الدولة، إنشاء سلطة انتقالية مدنية ذات أساس دستوري مؤقت، إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، تفكيك اقتصاد الحرب، إصلاح القطاع الأمني، العدالة الانتقالية، إعادة بناء الإدارة والخدمات، إنشاء المؤسسات الانتخابية والقضائية المستقلة، ثم إجراء انتخابات وطنية ومحلية حرة.

ولا ينبغي أن تكون هذه المراحل مجرد شعارات. فكل مرحلة يجب أن تتضمن معايير خروج واضحة. فلا تنتقل البلاد من وقف إطلاق النار إلى حكومة مستقرة من دون ترتيبات أمنية قابلة للتحقق، ولا من الحكومة الانتقالية إلى الانتخابات من دون سجل انتخابي ومؤسسات مستقلة، ولا من الانتخابات إلى الاستقرار من دون قبول الجيش بنتيجة الاقتراع، ولا من السلام إلى المصالحة من دون عدالة ومساءلة.

ويجب كذلك أن تكون الشرعية قابلة للفقدان. فالحكومة التي تصل إلى السلطة بطريقة مشروعة يمكن أن تفقد شرعيتها إذا انتهكت الدستور بصورة جسيمة أو ارتكبت انتهاكات واسعة أو ألغت الانتخابات أو عطلت القضاء. وهذه النقطة مهمة لأن الشرعية ليست شهادة دائمة، وإنما علاقة مستمرة بين الحاكم والمحكومين.

كما أن السودان يحتاج إلى إعادة بناء مفهوم المصلحة الوطنية نفسه. فالمصلحة الوطنية لا تعني مصلحة القوات المسلحة، ولا مصلحة الدعم السريع، ولا مصلحة الأحزاب، ولا مصلحة النخب المركزية، ولا مصلحة الأقاليم منفردة. المصلحة الوطنية هي قدرة الدولة على حماية مواطنيها جميعاً، وإدارة تنوعها، وتوزيع الموارد بصورة عادلة، وإتاحة التداول السلمي للسلطة، ومنع تحويل السلاح إلى عملة سياسية.

وإذا كان هناك معيار واحد ينبغي أن يحكم الحكومة السودانية المستقبلية، فهو أن الحكومة الشرعية هي الحكومة التي تقلل اعتماد الدولة على القوة المسلحة في إنتاج السلطة، وليس الحكومة التي تنجح في احتكار القوة ثم تستخدمها لإنتاج نظام سياسي جديد.

وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى: قد يحقق أحد الأطراف انتصاراً عسكرياً، لكنه يخسر معركة الشرعية إذا استمر في الحكم العسكري؛ وقد يخسر طرف عسكرياً، لكنه ينجح سياسياً إذا قبل قواعد انتقال ديمقراطي حقيقي؛ وقد تكسب حكومة مدنية الشرعية القانونية والديمقراطية، لكنها تخسرها إذا فشلت في الأمن والخدمات والعدالة.

ومن ثم فإن الشرعية ليست نقطة وصول واحدة، وإنما عملية تراكمية.

إن السودان يحتاج في نهاية المطاف إلى الانتقال من مفهوم “من يسيطر يحكم” إلى مفهوم “من يحكم يستمد سلطته من قواعد يوافق عليها المواطنون ويستطيعون محاسبته عليها”.

والصيغة الأكثر توازناً للشرعية السودانية بعد الحرب هي: استمرارية الدولة أثناء الحرب، مدنية السلطة أثناء الانتقال، سيادة القانون طوال المراحل، العدالة والمساءلة دون انتقائية، اللامركزية والمشاركة المحلية، والموافقة الشعبية عبر الانتخابات بوصفها المصدر النهائي للشرعية السياسية.

أما الشرعية الحقيقية فلا ينبغي أن تُقاس بعدد البنادق، أو مساحة الأرض الخاضعة للسيطرة، أو عدد الدول التي تستقبل المسؤولين، وإنما بقدرة الدولة على تحويل القوة إلى قانون، والقانون إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى خدمات، والخدمات إلى ثقة، والثقة إلى موافقة شعبية، والموافقة الشعبية إلى نظام سياسي يستطيع السودانيون تغييره سلمياً عندما يريدون.

بهذا المعنى، فإن المعركة السياسية الحقيقية بعد الحرب لن تكون حول من ينتصر عسكرياً، وإنما حول من يستطيع بناء دولة لا تحتاج إلى الحرب لكي تعرف من يحكمها.

المراجع

  1. African Union. Communiqué of the 1041st meeting of the Peace and Security Council on the situation in Sudan. Addis Ababa: African Union; 2021. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  2. African Union. Sudan suspended from the African Union. Addis Ababa: African Union; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  3. Ali H, Ben Hammou S, Powell JM. Between coups and election: Constitutional engineering and military entrenchment in Sudan. African Affairs. 2022;121(485):625-648.
  4. Arjona A. Civilian resistance to rebel governance. Brighton: Households in Conflict Network; 2014.
  5. Arjona A. Civilian cooperation and non-cooperation with non-state armed groups: The centrality of obedience and resistance. Small Wars Insurgencies. 2017;28(4-5):755-778.
  6. Babiker MA, el-Battahani AH, others. Reflections on Sudan’s Constitutional Trajectory, 1953–2023: 70 Years Lacking Legitimacy, Democratic Governance and Ownership. Stockholm: International IDEA; 2023.
  7. Beetham D. The Legitimation of Power. London: Macmillan; 1991.
  8. Chatham House. After three years of war, Sudan’s civilians need stronger support. London: Chatham House; 2026. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  9. Chatham House. The flow of arms and money feeding the war in Sudan can be cut. London: Chatham House; 2026. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  10. Constitutional Charter for the Transitional Period of 2019. Khartoum: Republic of Sudan; 2019.
  11. de Wet E. The role of democratic legitimacy in the recognition of governments in Africa since the end of the Cold War. International Journal of Constitutional Law. 2019;17(2):470-478.
  12. European Council on Foreign Relations. Split decision: Why Sudan is on the brink of partition—again. Berlin: ECFR; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  13. European Union. Statement by the Spokesperson on the latest political developments in Sudan. Brussels: European External Action Service; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  14. European Union Agency for Asylum. Sudan: Country Focus. Valletta: EUAA; 2025.
  15. European Union Agency for Asylum. Members of the Resistance Committees and Emergency Response Rooms. Country Guidance: Sudan. Valletta: EUAA; 2025.
  16. Freedom House. Freedom in the World 2025: Sudan. Washington, DC: Freedom House; 2025.
  17. Human Rights Watch. World Report 2024: Sudan. New York: Human Rights Watch; 2024.
  18. Human Rights Watch. World Report 2025: Sudan. New York: Human Rights Watch; 2025.
  19. International Crisis Group. Sudan’s Transition to War and the Limits of the UN’s Good Offices. Brussels: International Crisis Group; 2024.
  20. International IDEA. Reflections on Sudan’s Constitutional Trajectory, 1953–2023. Stockholm: International IDEA; 2023.
  21. Kalyvas SN. The Logic of Violence in Civil War. Cambridge: Cambridge University Press; 2006.
  22. Kurtz G. Power Relations in Sudan after the Fall of Bashir: From Revolution to War. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2024.
  23. Lake DA. Relational Authority and Legitimacy in International Relations. American Behavioral Scientist. 2009;53(3):331-353.
  24. Lake DA. Building legitimate states after civil wars. In: Lake DA. Strengthening Peace in Post-Civil War States: Transforming Spoilers into Stakeholders. Chicago: University of Chicago Press; 2010.
  25. Landau-Wells M. High stakes and low bars: How international recognition shapes the conduct of civil wars. International Security. 2018;43(1):100-137.
  26. Mampilly ZC. Rebel Rulers: Insurgent Governance and Civilian Life During War. Ithaca: Cornell University Press; 2011.
  27. Mo K. Contested Constitutions: Constitutional Development in Sudan 1953–2005. Bergen: Chr. Michelsen Institute; 2014.
  28. OECD. The State’s Legitimacy in Fragile Situations: Unpacking Complexity. Paris: OECD Publishing; 2010.
  29. Okello MC. Could prolonged warfare in Sudan lead to the country splitting? Addis Ababa: Institute for Security Studies; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  30. Olson SK, Dahab M, Parker M. Mutual Aid Lessons and Experiences from Emergency Response Rooms in Sudan. Social Science in Humanitarian Action Platform; 2024.
  31. Perthes V. Sudan’s Transition to War and the Limits of the UN’s Good Offices. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2024.
  32. Roberts D. Post-conflict statebuilding and state legitimacy: From negative to positive peace? Development and Change. 2008;39(4):537-555.
  33. Stallman H, Griffiths RD. Legitimacy and control: Introduction to the special issue on rebel governance. International Politics. 2025;62:261-268.
  34. Stanford Encyclopedia of Philosophy. Political Legitimacy. Stanford: Stanford University; 2023. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  35. Talmon S. Recognition of Governments in International Law: With Particular Reference to Governments in Exile. Oxford: Oxford University Press; 2001.
  36. United Nations. Political Charter in Sudan Deepens Fragmentation of Country, Risks Further Entrenching Crisis. New York: United Nations; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  37. United Nations. Statement attributable to the Spokesperson for the Secretary-General on Sudan. New York: United Nations; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  38. United Nations General Assembly. Credentials of representatives to the seventy-eighth session of the General Assembly. New York: United Nations; 2023.
  39. United Nations General Assembly. Credentials of representatives to the seventy-ninth session of the General Assembly. New York: United Nations; 2024.
  40. United Nations Security Council. Security Council Press Statement on Sudan. New York: United Nations; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  41. Weber M. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Berkeley: University of California Press; 1978.
  42. XCEPT. Contested Borderlands: Rapid Support Forces Governance and Negotiated Sovereignty in Sudan. London: XCEPT; 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  43. الحزب الشيوعي السوداني. بيان جماهيري حول إعلان الحكومة الموازية. الخرطوم: المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني؛ 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
  44. الدقير ع. تصريحات حول أزمة الشرعية والحكومة الموازية في السودان. القاهرة: حزب المؤتمر السوداني؛ 2025. تاريخ الوصول: 11 سبتمبر 2026.
شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
سقيفة الحلم الأسود
منبر الرأي
إسماعيل: بطل ضاع بين الميدالية والحرب
منبر الرأي
الى متى سيستخدم مناوي وجبرين ،، البلف ،، مع حكومة السودان
منبر الرأي
أنتِ…وكلّنا في الحياة أعمي!
الأخبار
وزير التعليم والتربية الوطنية يعلن نتيجة الشهادة السودانية 2026 بنسبة نجاح 69.6% في المسار الأكاديمي

مقالات ذات صلة

منشورات غير مصنفة

الإنتخابات :عبقرية الصمت !! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله

طارق الجزولي
منشورات غير مصنفة

أمدرمان بعيون قاضى .. بقلم: معتصم قرشي

طارق الجزولي
منشورات غير مصنفة

اليسار في السودان إلى أين؟! (12) .. تحقيق: خالد فتحي :علاء الدين محمود

طارق الجزولي
منشورات غير مصنفة

مبادرة فولكر .. ماذا تحتوي ؟ .. بقلم: نجيب عبدالرحيم

نجيب عبدالرحيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss