أزمة الممارسة السياسية في السودان .. بقلم: د. هشام مكي حنفي

 

من المسلمات أنه لا توجد ممارسة سياسية ديمقراطية بدون أحزاب سياسية، لكن بالتأكيد فإن هذا ليس سقف الممكن و المتاح فهناك بلا شك خيارات أخرى ممكنة. و إن استعدنا بعض التجارب من تاريخنا و تاريخ شعوب أخرى لوجدنا حلولاً تصلح لمعالجة أزمتنا السياسية التي تتمثل في أحزاب غير قادرة على الحفاظ على الديمقراطية و عسكر متلهفون للانقضاض على السلطة كل حينٍ و آخر. فهناك أشكال أخرى من الممارسة السياسية الممكنة و الأحزاب ليست بالضرورة الفاعل الوحيد. فالذي قاد الشارع و أنجح الثورة في أكتوبر 1964 كان جبهة الهيئات التي هي تحالف نقابي كون حكومة انتقالية أجتهد الحزبان الطائفيان في إسقاطها في أقل من سنة خوف نجاح تجربة القوى الحديثة في قيادة الدولة و التي كانت ستؤدي بتطورها إلى إبعاد القوى التقليدية عن حقل السلطة السياسية و قيادة العمل السياسي بشكل مباشر، مع الوضع في الحسبان أن الحكومة العسكرية التي أسقطتها جبهة الهيئات كان قد أتى بها حزب الأمة و باركها راعي الاتحاديين فور ظهورها و شارك فيها أحد أقطابهم وزيراً. المفارقة أنه بمجرد إسقاط نظام عبود طالب هذان الحزبان بحقهما في اقتسام السلطة الجديدة بزعم أغلبيتهما الجماهيرية و سهمهما في النضال، و انصاعت جبهة الهيئات مجبرة. تكرر نفس الأمر بعد انتفاضة إبريل التي قادها التجمع النقابي ضد نظام نميري الذي شاركت فيه أحزاب و هادنته أخرى، لتأتي كلها بعد الانتفاضة مطالبة بحصتها في السلطة الجديدة، و مرة أخرى لم يكن أمام القوى الحديثة التي ليس لها تنظيم سياسي يجمعها سوى أن تخضع لقواعد مجحفة صيغت بإحكام لاستبعادها من المنافسة. كل هذه التجارب كان من الممكن تطويرها إلى نهاياتها القصوى لكن لربما لم يتوفر الوعي الكافي وقتها بالإضافة لمقاومة الأحزاب لهذه الفكرة كل من موقعه و بآلياته التي يجيدها. و يعيد التاريخ نفسه عندنا مرة أخرى فيسقط الشارع غير المنظم متحالفاً مع المهنيين أعتى ديكتاتورية مرت على السودان، لكن يبدو أن الوعي الذي تنامى قد أوقف الملهاة عند حدها أخيراً، فاليوم ليس كالأمس و الآن يبدو الأمر مختلفاً، فالشباب الناشط انتبه إلى قدرته على انتزاع حق التمثيل تحت أي مسمى كان فليس من الضروري أن يكونوا حزب، و ليكن اسمهم لجان المقاومة أو شباب المقاومة أو ما أرادوا و ليحرصوا على أن تعاد صياغة قانون انتخابات جديد يعطي لأي مجموعة مدنية – حتى و إن لم تكن حزب- الحق في التمثيل السياسي مالم تخالف القواعد العامة للمنظمات المدنية. كذلك النقابات آن لها أن تمثل قواعدها في السلطتين التشريعية و التنفيذية بنسبة معلومة يحددها القانون صراحةً و ليس منحةً أو هبة يتكرم بها محترفو السياسة.

في التجارب العالمية يحفظ التاريخ السياسي الحديث نضال حركة (تضامن) البولندية و هي اتحاد نقابات عمال بولندي نشأ في 1980 في بولندا تحت قيادة ليخ فاونسا إبان حقبة الاشتراكية، وكان أول اتحاد نقابات عمال لا يتحكم فيه الحزب الشيوعي في واحدة من دول المعسكر الاشتراكي سابقاً. وبلغ عدد أعضاءه 10 مليون أي ثلث إجمالي عدد السكان العاملين في بولندا في ذاك الحين. ظلت حركة تضامن تصارع الديكتاتورية الراسخة في بولندا مستخدمة وسائل المقاومة المدنية و متحملة صنوف التنكيل و القمع حتى أجبرت الحكومة على القبول بالتفاوض معها آخر الأمر ما أدى إلى انتخابات فازت فيها حركة تضامن مشكلة حكومة بقيادة زعيمها ليخ فاونسا كرئيس لجمهورية بولندا و مرسخة بذلك تجربة تمارس فيها النقابات العمل السياسي بدون التخلي عن هويتها التنظيمية.
يذخر العالم بالتجارب المختلفة كما يذخر التاريخ السوداني بالثراء و التنوع الذي يمكننا من صياغة تجربتنا المقبلة وفق ما يتطلبه الواقع و ليس حسب ما تمليه القواعد التي وضعتها شعوب أخرى بالتوافق مع تاريخها و أحوالها، لذا علينا التفكير في قانون للانتخابات و التمثيل السياسي يكون أكثر فاعلية و كفاءة و عدالة بدلاً عن التمسك بإنجيل وست منستر.

kutubi2001@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً