بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
في هذه الحلقة والحلقات اللاحقة إن شاء سنواصل السياحة الفكريَّة لنختم ما بدأناه عام 2016 حيث ناقشنا ظاهرة الفوضى ومآلاتها وقد احتفظنا بها حتى هذا الوقت لنري صدق النموذج من بطلانه بما سيقع حسب التنبُّؤ وسنعرضها كما كتبت بلا تغيير. وفيها سنتطرَّق إن شاء الله لأهمِّ أسباب الفوضى ومعوِّقات النِّظام في بلادنا وبلاد المسلمين لأنَّ المرجعيَّة الفكريَّة للمؤلِّف هي دين الإسلام من حيث جوهره لا من زاوية التَّقليد. فالرجاء الرجوع للحلقات السابقة لتكتمل الصورة.
النَّفس الإنسانيَّة:
النَّفس الإنسانيَّة ذات أغيار؛ أي أنَّها عرضة للتغيير وهذا مثبت في كتاب الله عزَّ وجلَّ من ناحيتين أوَّلاً في خلق الإنسان من المثال وردَّه للوضاعة واستثناء المؤمنين العاملين للصالحات:
” لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ “، فالتَّقويم قد يكون جسديَّاً أو نفسانيَّاً أو اجتماعيَّاً أو روحيَّاً وذلك بكسب الإنسان نفسه، فأوَّل تغيير حدث له كان في الجنَّة عندما أكل من الشجرة وبدت له سوءته، وثانياً في خلق النَّفس:
” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”، وهو توضيح لطبيعة النَّفس المائلة للفجور والتي تحتاج إلى عملٍ مبادرٍ لجعلها مستقيمة بتنظيفها من فجورها باستمرار.
نستنتج من ذلك أنَّ استقامة النَّفس واعوجاجها يعتمدان على طبيعتها أوَّلاً ثمَّ ظروف التَّنشئة ثانياً ثمَّ ما يُقرِّره الإنسان ثالثاً. ولذلك فدور الثقافة مهم في تغيير الإنسان لنفسه فهو لا يد له في ثقافة والديه ولا يد له في طبيعته البشرية ولكن له توق طبيعي للحرية وإرادة لتغيير ما لا يرضاه ولذلك فالمسألة هي في النهاية تنافس ثقافات قد تستخدم القوة الخشنة أو القوة الناعمة لتسود.
وسنفصِّل إن أذن الله التَّغيُّرات النَّفسيَّة والاجتماعيَّة المرضيَّة نتيجة للاستبداد لاحقاً.
الاستبداد:
إنَّ أهمّ شرط لحدوث ظروف مواتية لاستقامة النَّفس الإنسانيَّة هو الحريَّة، والحريَّة هي رخصة لعمل الخير، ولكن في ظروف الاستبداد لا يمكن أن تستقيم النَّفس، والتي هي معوجَّة أصلاً وتحتاج لعمليَّة تجميل مستمرٍّ. وكذلك لا تحتاج لإضافة لاعوجاجها الطبيعي لما يشوِّه صورتها أكثر باستعبادها، لأنَّه بانعدام الحريَّة لا يمكن أن يستطيع الإنسان أن يتَّخذ قراراً حُرَّاً يكون مسؤولاً عنه يثاب أو يعاقب عليه.
وما سبب تشويه نفس الإنسان وتشويه حياته إلا نتيجة للطغيان والحرمان إن كان في مهد التَّنشئة مثل البيت، أو في المجتمع أو الدَّولة أو العالم، وكلَّما ازدادت حدَّة الطغيان ومرارة الحرمان ازدادت تشوُّهات النَّفس البشريَّة تلاؤماً مع ظروفها الجديدة، وذلك حتى تضمن الاستمراريَّة لحياته الجسديَّة والاجتماعية، وذلك لأنَّ تعلُّق الإنسان، في غالب الأمر إلا من رحم ربِّي، بالحياة الجسديَّة والاجتماعية يفوق تعلّقه بالمبادئ التي تمثِّل حياته المعنويَّة، وفي سبيل ذلك يصبر على كلِّ الظروف القاهرة أو يتصالح مع الفساد إلى أن تصبح هي معيار الحياة التي تعتبر حينذاك عاديَّة وطبيعيَّة.
فإذا ما طالب أحدٌ نشأ في ظلِّ الطغيان والاستبداد بحريَّته، فإنَّ أوَّل من يهاجمه هم أهله المستضعفون مثله ويخوِّفونه بشرِّ المصير كأنَّ مصير الموت في سبيل الحريَّة أسوأ من الحياة تحت جناح العبوديَّة. أو يبرِّر الذين باعوا ضميرهم للطاغية استمرار الطغيان باستخدام فزَّاعة انعدام الأمن وبذلك يكون التضحية بالحريَّة معقولاً في نظر العامَّة. والإنسان لا يثور على الطغيان إلا إذا وصل إلى مرحلة يحسّ فيها أنَّه ليس هناك ما سيفقده لأنَّ أساسيات الحياة غير متوفرَّة وعندما يدرك انعدام الأمل في غدٍ أفضل.
دورات الحياة:
هذه التَّشوُّهات النَّفسيَّة تصيب أيٍّ من الأمم إذا تعرَّضت لاستعباد، ولا يحتاج ذلك أكثر من دورتين اجتماعيتين لتظهر أو يثار عليها، وثلاث دورات لتثبت في حالة استمرار الطغيان، أو تختفي في حالة حدوث حالة حريَّة ولكنَّها لا تختفي تماماً إلا بعد انتهاء الدَّورة الرَّابعة لأنَّ تأثير الأجيال السابقة سيصبغ الأجيال اللاحقة حتى وإن نشأت في ظروف حريَّة. ونفس الشيء يحدث للأجيال التي تنشأ في ظلِّ الطغيان فطبيعة الشباب رافضة إلى أن تُروَّض بعد دخولها في دورة الحياة ومسئولياتها من أسرة وما شابه ولذلك فالثورات يشعلها ويقودها الشباب والشيب يتفرجون عليها حتي إذا استوي عودها قفزوا من مقاعدهم وصاروا ورثة لها.
وللحياة وللإنسان دورات بعضها صغيرة وبعضها متوسِّطة وبعضها كبيرة وبعضها هائلة ويعتمد تقسيمها على تحديد مصدر عامل الزَّمن، وسياق المكان، وطبيعة الشيء.
فمثلاً اليوم عند الإنسان يساوي أربعة وعشرين ساعة لأنَّ الأرض تدور حول الشَّمس كلِّ أربعة وعشرين ساعة فهذه دورتها، بينما هناك كواكب أخري تدور حول شموسها في مدَّةٍ أكبر أو أقل. واليوم عند الله سبحانه وتعالي مثلاً يساوى ألف سنة:
” وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا َعُدُّونَ”.
بينما تعرج الملائكة إلى السماء العليا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وهذا مقياس للسُّرعة على أغلب الظَنِّ: ” تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ”.
وهذه الدَّورات منها الطَّبيعيَّة والاجتماعيَّة، فمثلاً أصغر دورة نموٍّ للإنسان هي خمسة سنوات فنجده يبدأ المدرسة عند سنِّ الخامسة، ويُعتبر مسئولاً مسئوليَّة قانونيَّة بمعرفة الصواب من الخطأ عند العاشرة وتنتهي طفولته عند الخامسة عشر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم