بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
في رحلة استكشافنا لماهيَّة الفوضى طفنا بالعوامل الدَّاخليَّة للإنسان من تفكيرٍ، واتِّخاذ قرارٍ، وطبائع وملكات وحاولنا تشريح كيفيَّة التَّفاعل بينها لنُفسِّر موقف وسلوك الإنسان ودوره في إنتاج الفوضى والنِّظام. وسننتقل إلى تفاعل الإنسان مع البيئة ودورها في إنتاج ثقافته التي تُؤثِّر على طريقة تفكيره وتكوين قيمه التي تضمن له تحقيق أقصي درجات البقاء والنَّماء والعافية كما يراها في سياقه الذي نشأ فيه.
وقد ذكرنا من قبل بأنَّ الإطار الفكري الذي نهتدي به هو دين الإسلام وليس في نيَّتنا أن نُقنع أحداً بصحَّته، ولكن الغرض أن نُشارك النَّاس فهمنا للحياة وظواهرها، ورؤيتنا للوجود حسب حصيلتنا من المعرفة، فليس أنفع للنَّاس من التَّعارف ومبادلة الفهم لتفتيق أكمام الفهم وزيادة ماعون العلم فكلُّ ماعونٍ يضيق بما فيه إلا ماعون العلم.
ودين الإسلام عندما يُورد أو يناقش مفاهيماً ما فإنَّه ينزع نحو ربطها بالواقع العملي لتطبيقها إذ لا يترك الأشياء مُعلَّقةً في الهواء بلا غاية لإيرادها أو مناقشتها، ويفرِّق بين النَّوعين من العلوم فيسمِّي الأوَّل بالعلم النَّافع ويسمِّي الثَّاني العلم الذي لا ينفع ونحن نعلم أنَّ هناك علماً يضرُّ كذلك.
وإذا عرفت غاية الأشياء فقد حدَّدت الهدف من عملك ويجب عليك تحديد المنهج الذي ستتَّبعه، والسُّبل التي ستسلكها، والوسائل والآليَّات للوصول للهدف. إذ أنَّ الفعل بلا غاية هو لهوٌ أو ضلال. ولكن الغاية من الأمر غير جوهره أو ماهيَّته وغير الوسيلة لتحقيقه.
وهناك من يتَّخذ مناهج متسرِّعة تريد الوصول للهدف بلا تبصُّر في لُبِّ الأمور فتُعني بالقشور وتغرق في تفاهة المعلومات، التي تبدو كماءِ العلوم، ولكنَّها سرابٌ خادع يتركهم منبتِّين لا أرضاً قطعوا ولا ظهراً أبقوا.
فالظاهرة لا تتعدَّي أن تكون ظاهرة في حدود رؤية ظاهرها لـمُبصرها، ولا تُفهم إلا بالتأمُّل العقلي للعقل الواعي بقدراته على إدراك أنَّه لا يُمكننا تبسيط الأشياء لأنَّنا نريد ذلك، ولكن الأشياء التي تبدو بسيطة هي في الواقع مُعقَّدةٌ جدَّاً، ولكن تؤدِّي وظائفها بسلاسة مذهلة خادعة، تصل درجة تعقيدها درجة تجعلها تبدو بسيطة، وذلك لأنَّها تُخفي عمليَّات التَّفاعل الدَّاخليَّة فتبدو أمامنا في نهاياتها كنتيجة واضحة وبسيطة بل وفي بعض الأحيان بديهيَّة. هذا الوعي المُدرك يبصر بصورةٍ متكاملة ما يخفي من جذور الظاهرة وتفاعلها مع العوامل المُحيطة وكيفيَّة انبثاقها.
خذ الوردة مثلاً؛ نراها ونستمتع بمنظرها وطيبها ولا نكلِّف أنفسنا مشقَّة أن نعرف كيف تجمَّعت ذرَّاتها، وتكوَّنت خلاياها، وتخصَّصت موروثاتها في إنتاج شجيرتها بأعضائها المختلفة الشكل والوظيفة، وكيف تكاتفت كلَّ هذه الأجزاء وأدَّت مُهمَّاتها بسلاسة ويسر وكفاءة لتنتج لنا وردة في النِّهاية غاية في النِّظام واللَّطافة تسرُّ النَّاظرين. هذا النِّظام لم يأت من جهلٍ ولكنَّه أتي من علم كلِّ خليَّة بدورها وعدم تجاوزه وأداءه بلا حقدٍ أو حسدٍ أو منٍّ أو أذىً والمكافأة التي ترجو أن يكون ضميرها مرتاحاً لأنَّها لم تهمل في أداء واجبها، وتعاونت مع جاراتها، وأيضاً روح الفلاح الجماعي عندما تنبثق الوردة في بهاء طلعتها وتخطف الأبصار وتستطيع كلُّ خليَّة أن تقول حينذاك أنَّها تملك جزءاً من الوردة.
والسؤال الذي يطرحه المفكرُّون في ديار الإسلام هل يمكن للمفاهيم أن تضمحلُّ وتتحلَّل ثمَّ تموت بمرور الوقت لأنَّها ككلِّ الكائنات يسري عليها قانون الفناء؟ أو لأنَّ طبيعة الإنسان تُغيِّرها أو تتغيَّر الطَّبيعة فلا تلائم المفاهيم؟ أو أنَّ ما يحيط بالإنسان يتغيَّر وبذلك يتعدَّى صلاحية المفاهيم؟
وأهميَّة هذا السؤال أنَّه سيضع خارطة للتَّعامل مع المفاهيم فإن كانت صلاحيَّتها وموثوقيَّتها لا تتغيَّران مهما تطاولت القرون وتغيَّرت الأحوال فذلك يعني أنَّها معزولة عن التأثُّر بالواقع، وليست معزولة عن التَّأثير في الواقع، وأنَّها خالدة وصالحة لكلِّ زمانٍ ومكان. وهذا ما يقول به المسلمون عن مفاهيم دين الإسلام. ولكن يأتي السؤال إذا كان ذلك هو الأمر فلماذا يجدون أنفسهم في قاع الأمم التي لا تدين بالإسلام؟
ومن العادة فالإجابة الدَّائريَّة هي:
“لأنَّ المسلمين لا يطبِّقون الإسلام ولو طبَّقوه حقَّاً لكانوا في قيادة الأمم كما حدث في الماضي”، وذلك يعني أنَّ مفاهيم دين الإسلام احتفظت بنضارتها الأزليَّة ولكن تغيَّر النَّاس أو أنَّ نضارة المفاهيم لا تزال كما هي ولكن النَّاس غيَّروها بإضافة ما ليس فيها وطمروها تحت أكوام البدع بينما غابت أبصارهم عن الأولويَّات والجوهر.
ويجيء السؤال: وما الذي جعل النَّاس يتغيَّرون إذا كانوا مستمسكين بمفاهيم الإسلام في الماضي؟
وهنا يختلف النَّاس؛ فالبعض يقول بأنَّ النَّاس انحرفوا لأنَّ ذلك طبيعة الإنسان، والبعض يلوم فرقةً بعينها للتَّسبُّب في تفريق المسلمين أو تغيير المفاهيم الأصيلة، والبعض الآخر يلوم حالة ترف ملوك المسلمين بينما آخرون يلومون الانشقاقات والطَّبقيَّة أو انعدام الحريَّة أو انعدام الفهم الصحيح للإسلام أو تغيُّر الظروف مثل هجمات المغول وما شابه.
وقد يكون لكلِّ فردٍ منهم نصيب في الحقيقة، ولكن تصير المسألة أصعب على الفهم والإجابة عندما تسأل بأنَّ ثلاث امبراطوريَّات إسلاميَّة كانت تحكم أكثر مناطق العالم حتى القرن الثامن والتاسع عشر ميلادي؛ وهي الخلافة العثمانيَّة والامبراطوريَّة الصَّفويَّة ودولة المغول ومن قبلها دولة الأفغان، وبينما تقدَّم الأوربِّيون صناعياً وتقنيَّاً كانت هذه الامبراطوريَّات تتأخَّر حتى انتصار الغرب المسيحي أو العلماني عليها، فلماذا لم تتقدَّم وهي تدَّعي تطبيق شرع الله أو الفهم الصحيح للإسلام؟
وهنا ينقسم المفكِّرون المسلمون إلى قسمين: الأوَّل يقول بأنَّ هذه الإمبراطوريَّات كانت في حقيقتها ممالك عضوضة ولم تهتم بغير الفتوحات والتَّرف في آخر أيامها، وفارقت الإسلام الصحيح، وتكالب عليها أعداء الإسلام من الدُّول المسيحيَّة والعلمانيين من أبناء المسلمين مثل كمال أتاتورك.
والقسم الثاني يقول بأنَّ المسلمين تخلَّفوا عن ركب الحضارة والحداثة لأنَّهم جمَّدوا فهم الإسلام منذ القرن السادس الهجري ولم ينقدوه ويحرِّروه كما فعل الأوربيُّون بالمفاهيم الدِّينيَّة التي أخضعوها لمبضع جراحة المفكِّرين، فنفضوا عنها هالة القدسيَّة وعاملوها كما تعامل أيِّ نصوص لغويَّة وبذلك عالجوا أزمة التَّخلُّف بتحرير المفاهيم من الأصوليَّة الكنسيَّة وحرَّروا بذلك الإنسان الذي أبدع وخلق الحضارة الحاليَّة.
وعليه فيقول القسم الأوَّل بأنَّ “تجديد” مفاهيم الإسلام لن يتمّ إلا إذا رجع النَّاس لصفاء ونقاء القرن الأوَّل من سلف الصحابة الذين فهموا الإسلام كما ينبغي فهمه لأنَّهم تلقُّوه طازجاً من المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم وطبَّقوه كما ينبغي ولذلك ينبغي أن يهاجر النَّاس من المجتمعات الجاهليَّة وإنشاء مجتمعاتٍ جديدة كما فعل المهاجرون والأنصار في المدينة، أو أن يدعوا النَّاس للإسلام كما فعل المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم في مكَّة قبل الهجرة.
أمَّا القسم الثاني الذي يتبنَّي الحداثة فيقول أنَّ الطَّريق الوحيد للاستيقاظ من حالة السّبات الطَّويلة للمسلمين أن يُخضعوا مفاهيم الإسلام لنفس المنهج التَّحليلي التَّشريحي اللُّغوي، كما فعل المفكِّرون في الغرب، كما يفعل عالم الآثار عندما يُنقِّب في آثار حضارة غابرة، وبذلك تتحرَّر المفاهيم والإنسان ويلحق بركب الحضارة. أو البعض منهم يحاول أن يزاوج بين مفاهيم الحداثة ومفاهيم الإسلام ويُصنَّف كيسار إسلامي مثل الأستاذ حسن حنفي أو محمد عمارة.
ولكن الإشكال أنَّ القسم الأوَّل يدَّعي ملكيَّة “صحَّة مفاهيمه” أكثر من مجموعة سنَّةً كانوا أو شيعة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم