أعـــذار مــــتـــبــــادلـــــة: قصة قصيرة .. بقلم: أحمد الخميسي
لم نكن قد تحدثنا إلي بعض منذ مايقرب من ثلاثة شهور. صباح اليوم فوجئت برقمها، استقبلته بلهفة وما إن قلت لها:”آلو”حتى هتفت:”صباح الفل. وحشتني جدا”. قلت بحرارة:” أنت أيضا”. كنا نشتاق إلي بعضنا البعض بحرارة رغم انفصالنا منذ عامين. لا أدري بالضبط ما الذي كان فينا يشتاق إلي ماذا فينا؟ لكن كانت تعبر بنا لحظات يعتصر الحنين فيها الروح ثم يفلتها. قالت بحيوية: “دعنا نلتقي اليوم في الخامسة عصرا. ما رأيك؟”. أجبت على الفور:”بكل سرور. أين؟”. لم تطل التفكير:” فليكن في كافيه كوستا بالمهندسين”. قلت:” اتفقنا. نشرب قهوة وندخن ثم نخرج ونأكل في مطعم”. صاحت:”الله. يكون جميل قوي”. كان ثمت خيط من التفاصيل والذكريات يربطنا، خيط رفيع له طبيعة خاصة، إن لمسته بأمل أن يكون أقوى انقطع، وإن حاذرت الاقتراب منه يظل يهترىء ويتفتت على مهل في الزمن. تفاصيل جمعتنا، بعضها محبب إلي الذاكرة مثل قيامي في الصباح – عندما كنا معا – لأجدها جالسة إلي المنضدة تمضغ لقمة ببطء ولامبالاة مثل فرخ بط أو أرنب وبقايا النوم عالقة بملامحها كأنها في حلم لم تصحو منه، أيضا حين كنت ألمحها في منتصف حجرة النوم تنثني وتعلو بجذعها تشد البنطلون لأعلى وتحشر أطراف البلوزة فيه. لا أدري ما الذي كان يعجبني في ذلك المشهد. ولابد أن شيئا مني بقى في ذاكرتها بوسعه أن يحرك فيها الحنين. إلا أن الذكريات اللطيفة، متناثرة أو مجتمعة، مبهجة أو حميمة، كانت تتابع كلها في شبورة من ضجر. لم أجد تفسيرا لاندلاع علاقتنا في مطلعها ولا تفسيرا لخمودها بعد ذلك. هناك أسباب كثيرة لاشتعال القلوب وانطفائها، لكن ماجرى لنا بدا كأنما بلا سبب، كما أنه بلا سبب يتعاقب الربيع والخريف، إنه يحدث فحسب، وما من سبب ولا تفسير لانزلاق سحابة بهدوء ثم زوالها برقة.
لا توجد تعليقات
