أفضل سيناريوهات الحوار السوداني وأسوأها .. بقلم: رمضان أحمد


breima_ramadan@hotmail.com

    لا شك أن الحوار الجاري حالياً في السودان والذي تشترك فيه القوى والشخصيات السياسية في البلاد قد جذب الاهتمام داخلياً وخارجياً ، وقد اختلف الناس حول جدواه. فمنهم من يرى أنه أفضل الوسائل للخروج من من المأزق السياسي الذي تعيشه البلاد وآخرون يرونه مجرد ألعوبة من ألاعيب النظام لإطالة أمد بقائه في السلطة.
    ولكن بعيداً عن القدح أو المدح دعونا نلقى نظرة متعمقة تتجاوز الموقف السياسي من النظام الحاكم ، لنقرأ المشهد كما هو وفق المعطيات المنظورة ، لنخلص إلى أفضل السيناريوها الممكنة وما يترتب عليها من إيجابيات حال تحققها. وكذلك ننظر إلى أسوأ السيناريوهات وما يترتب عليها من سلبيات حال تحققها أيضاَ.
    من نافلة القول أن القضايا التي تطرقت لها لجان الحوار كانت في يوم من الأيام من المحظورات. مجرد التطرق لها كان كفيلاً بتجريم الشخص المعني وإخراجه من دائرة الوطنية. وهناك قضايا أساسية أصبحت موضع إجماع ليس بين المعارضة السياسية وبين الحكومة فحسب بل بين الحكومة والمعارضة المسلحة. وليس أدل على ذلك من الحوارات الجارية خلف الستار بين الحزب الحاكم والحركة الشعبية من جهة ، وبين الحزب الحاكم وحركتي مني أركو مناوي ود. جبريل من جهة أخرى. ويقال أن هذا الحوار الموازي قد تقدم شوطاً كبيراً ويتوقع بموجبه أن تضع المعارضة المسلحة السلاح أرضاً.
    كل هذه الروح الإيجابية يوازيه هدوء ملحوظ في المواجهات الإعلامية بين الحكومة من جهة والمعارضة بشقيها المسلح والسياسي من جهة أخرى.

    أفضل السيناريوهات
    إذن ، من أفضل السيناريوهات انضمام كل من ياسر عرمان ود. خليل وأركو مناوي إلى مشروع الحوار وهم القادة الأسايين للمعارضة المسلحة ، بالإضافة إلى رجوع السيد الصادق المهدي إلى البلاد. هذا الحراك قد يؤدي لتكوين حكومة انتقالية برئاسة البشير بغية إكمال الفترة المتبقية للرئيس والتي تنتهي في 2020، وربما قد يتم استحداث منصب رئيس الوزراء بصلاحيات موسعة ليكون البشير رئيساً رمزياً.
    تحقُق هذا السياريو لا يعني بالضرورة أن الحرب ستخمد تماماً بالنظر إلى أن بعض الحركات الدارفورية المسلحة كحركة عبد الواحد محمد نور قد لا تجنح للسلم. وبالتالي يتوقع أن تكون هناك بعض الخروقات الأمنية ، ولكن بوجه عام سيكون هناك هدوء نسبي بدرجة كبيرة.

    ماذا يعني الاستقرار السياسي؟
    تكوين حكومة انتقالية أو حكومة وحدة وطنية لا يعني بالضرورة تحقيق آمال الشعب ، وإن كان ذلك يعتبر خطوة مهمة. فالنخبة السياسية السودانية الحالية هي نفس الجيل الذي أدار المشهد السياسي منذ الاستقلال وقد فشل فشلاً ذريعاً ، وبالتالي لا يتوقع منه الكثير. وسيسعى النظام القادم لتلبية تطلعات النخبة السياسية المتمثلة في الحريات والقوانين وما إلى ذلك ، ولكن تطلعات الشعب شيء آخر وهو لقمة العيش والخدمات الأساسية. تطلعات الشباب أيضاً تختلف عن تطلعات النخبة السياسية. غير أن أهم محمدة للانفراج السياسي يتمثل في الآتي:
    – رفع الحظر عن السودان وبالتالي الانفتاح على الأسواق العالمية ، مما يعني أنه سيكون بإمكان الشباب الإنخراط في إيجاد وسائل دخل مادي عبر الفضاءات المفتوحة بدلاً من الاصطفاف في صفوف البحث عن الوظيفة الحكومية التي يعتبر عدمها أفضل.
    – إتاحة فرصة للتنافس التجاري الحقيقي بين التجار بعيداً عن تدخلات الدولة ، مما يعني بروز رأسمالية جديدة لفتح آفاق أرحب في مجال الاستثمار المحلي والأجنبي.
    – إمكانية بروز إعلام حقيقي يتفاعل مع قضايا الشعب ويمثل سلطة رقابية رابعة فعلاً.
    – إمكانية بروز جيل جديد من السياسين المستنيرين ، المستوعبين لمستجدات العصر والقادرين على مخاطبة القضايا الحقيقية للمجتمع بعيداً عن عُقدة المناكفات السياسية التقليدية.

    النقطة الأخيرة هذه تؤيدها أحداث ومبادرات شبابية بعينها ، من أمثلة ذلك مشروع النفير أيام الفيضانات ومبادرة شارع الحوادث ومبادرات شبابية أخرى كإطعام أطفال المدارس المعدمة وغيرها ، مما ينبيء بأن للشباب اهتمامات ستطبع الحياة السياسية المقبلة بعد انقراض الديناصورات السياسية الحالية. فضلاً عن ذلك هناك شبه إجماع في وسائل التواصل الإجتماعي على أن الوضع الحالي هو الأسوأ ، وبالتالي هناك طَرق جدي للقضايا الملحة وبطريقة مسؤولة إلى حد كبير مع الاختفاء النسبي للمهاترات السياسية التقليدية بين الإسلاميين والليبراليين.

    أسوأ السيناريوهات لا قدر الله
    السناريو المذكور أعلاه ، بقدر ما أنه الأفضل على الإطلاق ، لا يمكن استبعاد سياريوهات أخرى معاكسة في الاتجاه. واهم ما يدعم السياريوهات السيئة أن الدولة العميقة لا يروق لها أن تتغير الأوضاع على الإطلاق. ذلك لأن هناك أناس إما أنهم أفسدوا فساداً كبيراً وبالتالي يخافون من أن تُفتح ملفاتهم فيما بعد أو أنهم ارتكبوا جرائم بشعة وبالتالي يخافون من أن تطالهم يد العدالة. فضلاً عن ذلك ، هناك أناس يرون أنفسهم الأولى بوراثة الرئيس البشير وبالتالي فإن أي تغيير قد يفوت عليهم الفرصة. كل هؤلاء سيقاومون التغيير بقدر ما أعطوا من قوة. وهم بالفعل قد بدءوا عملهم حالياً ورائحتمهم تفوح من خلال مختلف وسائل الإعلام.
    إذا انتكست الأوضاع السياسية إلى أسوأ ما هي عليه الآن بفعل مقاومة التغيير من الدولة العميقة – لا قدر الله – فإن السيناريو المتوقع سيكون أبشع مما يُتصور. أولاً: الحركات المسلحة لم تستطع هزيمة الحكومة طوال عقدين من الزمان ولم تستطع الحكومة أن تفعل ذلك أيضاً. وكلا الطرفين في أضعف حالاتهما اليوم. ثانياً: الدولة العميقة لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتولى الأمر ، باعتبارهم مجموعات مصالح طفيلية غير متماسكة لتقيم دولة هي آيلة أصلاً للسقوط. ماذا يعني ذلك ؟ هناك قوى ثالثة ستقضي على الاثين معاً ، وهي تنظيم الدولة الإسلامية.
    يتعرض التنظيم حالياً لحملة شرسة من تركيا والعراق وإيران مع احتمال تسوية القضية السورية التي أصبحت عاراً على جبين الإنسانية. التنظيم قد يفكر في الانتقال إلى مواقع أخرى وهو لا يؤمن أصلاً بحدود الدول. فالسودان سيكون أخصب أرض على الإطلاق  مع سهولة توفير السلاح في ليبيا وغرب أفريقيا ووجود التضاريس الملائمة التي تسهل حركة التنظيم.

    خلاصة القول أن الحوار إذا أدى لوقف الحرب ومخاطبة القضايا الأساسية التي تمهد لإقامة نظام حكم رشيد يخرج البلاد من مأزقه الحالي إلى آفاق أرحب ، فإنه هو المطلوب عاجلاً. وأن الدولة العميقة بتعويقها مسار الحوار ستكون من أوائل الخاسرين حال تحقق السيناريو الأسوأ لا قدر الله.
    رمضان أحمد
    breima_ramadan@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً