أن ترتفع أصوات الفلول احتجاجاً على مصادرة أموال “جمعية القرآن الكريم وأعمال التعدين”، التي لم يكتف القائمون عليها بأكل أموال الدولة والخيرين بالباطل، بل وباستثمارها لصالحهم ببناء الشقق الفندقية والاتجار بالذهب.
وقد تفجرت الفضيحة عندما كشف وكيل وزارة الاعلام الرشيد سعيد عن امتلاك جمعية القرآن الكريم مناجم ذهب بولاية نهر النيل، وفور اتخاذ القرار بمصادرتها ضبطت الشرطة الامنية موظفين فيها يحاولون الهروب بالذهب، وكشف عن شروع عدد من عضوية جمعية القرآن الكريم بمجرد تلقيهم معلومات حول تحركات لجنة التمكين في نهب معدات وآليات المنجم إلا أنه تم القبض عليهم ودونت ضدهم بلاغات خيانة الأمانة.
أو أن يتباكى عبد الحي ورهطه ويرتفع عويلهم على قناة طيبة التي تُرفد خزانتها بأموال منهوبة من قِبل رئيس وسدنة النظام، باعتراف الرئيس نفسه ونائبه السابق علي عثمان محمد طه. إلا أن كل هذا التباكي الهستيري من قِبل عبد الحي ورهطه، مفهوم ومبرر تماماً من أصحاب الوجعة، الذين آذتهم الثورة بحرمانهم من السلطة وبطشها وأموال الدولة وعينياتها التي استباحوها على “عينك يا تاجر”.
أما أن يشاركهم البكاء بعض الثوار حين تتم تصفية قناة الشروق لأن تسجيلها تم بأسماء أشخاص ينتمون إلى المؤتمر الوطني المحلول، وهم مديرها الحالي الفريق السر أحمد عمر، ورجل الأعمال جمال الوالي، ووالي الولاية الشمالية السابق ياسر يوسف، ولأنها لا تمتلك أصولاً غير بعض الكاميرات والمعدات وسيارات في المكاتب الإقليمية، وقد تم الكشف عن بيع قطعة أرض تتبع للقناة في ظروف غير معلومة بمنطقة سوبا، وأن جملة المديونية الحالية للشروق تبلغ مليون و200 ألف دولار وعلى ملاكها دفع هذه الديون!.
أو أن يتباكى بعض الثوار مع ملاك الصحف التي ليس حولها مجرد شكوك فساد وإفساد مالية، دع عنك ما كانت تقوم من دور سياسي واجتماعي، لا يجعلها مجرد شريك فاعل في إجرام النظام المدحور بحق الشعب، بل ويصنفها كأداة فاعلة ومؤثرة كونها الحبال الصوتية لبذاءات النظام.
فاللجنة تحقق في نقل ملكية صحيفة “السوداني” من مالكها السابق محجوب عروة إلى جمال الوالي، وللحكومة معلومات تؤكد أن الرئيس المخلوع وجه الفاتح عروة بأن يطلب من جمال الوالي شراء الصحيفة”. وهذا ما أكده مالكها السابق محجوب عروة في مقاله ” الحقائق الدامغة في فضيحة صحيفة السوداني”، وإن وصف في مقالته تلك عملية التنازل لجمال الوالي بأنها كانت أشبع بـ”عملية قرصنة ومصادرة عبر الضغوط والابتزاز”، وأنه لم تحسب له مديونيته على “السوداني” البالغة مليار وأربعمائة ألف جنيه ولم يعطى مقابلها جنيها واحدا حتى لحظته!.(1).
وينطبق نفس الحال على صحيفة “الرأي العام”، مع اختلاف طفيف في الأسماء التي لا تخرج من دائرة النظام، وفي تفاصيل سيناريو عملية النقل والمبالغ المالية.
والأمر كذلك، فنحن عندئذ أمام شبكات من الفساد وملفات معقدة لا تزال تحت التحقيق.
(2)
حسناً.
يحق لفلول وسدنة النظام أن يتباكوا على ما أحدثه زلزال سبتمبر من تحركات تكتونية في طبقات أرض سلطتهم التي كانوا يظنونها ثابتة لا تزول، إلى أن يبعث الله المسيح بن مريم (عليه السلام) وإعلان القيامة، حسب ما صرح بعضهم. فأن تصبهم غاشيتها بالرعب والتوتر بغتة، هو أمر مفهوم ومتوقع ومبرر ولا غرابة فيه.
ولكن ما بال بعض الثوار يشاركونهم رقصة الطائر المذبوح الأخيرة هذي؟!.
– هل فاجأهم انتصار ثورتهم هم أيضاً وأطار صوابهم، وأفقد بوصلة وعيهم الثوري اتجاه أهدافها؟!.
– أم أصابهم الرهق الثوري، وفتَّ من عضدهم، وأصبحوا يقبلون بكل ما يمكن أن يُقدم لهم من حلول تنهي حالة التوتر الثوري، مقابل وهم “الاستقرار” السياسي بأية حال كان، ومهما كان شكله؟!.
وحتى لو تحقق “وهم الاستقرار” هذا عن طريق انتخابات – كيفما كانت و”بمن حضر” – في بلد أكثر من ثلث ناخبيه هم واقعياً غائبون
– إما في الملاجئ والمنافي،
– أو في مناطق “محررة” – كما يطلق المسيطرون عليها – خارج سلطة الدولة. – وبين من هم عالقون بصورة غير شرعية في البحار وفي الحدود بين الدول. – غير أولئك الذين يضربون في الأرض السودانية يزحفون زرافات وأفراداً في الفيافي وبين المدن والقرى يلتمسون مستقراً آمناً إلى حين!.
– وغير أولئك الذين يرفضون الدولة القائمة، يحملون السلاح ساعين لتأسيسها على نحو مغاير، أو الانفصال الذي سبقهم إليه جنوب السودان.
ألم يسأل بعض الثوار أنفسهم للحظة وهم يستجيبون لهذا الدعاء:
– من ذا الذي تطرأ فكرة الانتخابات المبكرة على ذهنه في ظل معطيات مثل هذه؟.
– وما هي أهدافه الحقيقية؟.
– هل هو منهم، أم أنه قفز في القطار خلسةً “، راكِبْ مِلِحْ” … ومندس سياسي؟.
(3)
ليس بالضرورة لكي يتخذ المرء موقعه كقوة مضادة للثورة، أو أن يلعب دوره لإجهاض الثورة وتصفيتها، أن يفعل ذلك بوعي، وعن سابق قصد وترصد وإصرار.
وإنما قد يفعل الفرد أو الجماعة ذلك عن جهل، أو لسوء الفهم والتقدير، وخطأ في الحسابات….
أو قد يتخذ المرء أو الجماعة موقفاً مضاداً للثورة وهو يظن أنه يعمل مخلصاً لتحقيق أهدافها، مع توفر حسن النية ونُبل المقصد.
وعلى كلٍّ تتعدد الأسباب والدوافع التي تجعل من تلك القرارات والمواقف والأفعال تصب في تيار مضاد لتيار الثورة، ومعوقاً لاندفاعه.
ولكن، وفي كل الأحوال، ليس القصد وسوء النية والانحياز للمصالح والمكاسب الذاتية وحده هو ما يجعل بعض الناس أعداء للثورة. فربما تختلط الرؤى والأوراق في أذهان البعض، ما بين صديق يلوح في ثياب عدو، وعدو في مسوح صديق.
أو قد تتم خيانة الثورة من بعض فصائلها الأصيلة بتبديل مواقع المفاهيم والمبادئ.
فمبادئ مثل الحرية والعدالة يمكن أن يتم التلاعب بها من قبل قوى الثورة المضادة وإعادة صكها من جديد بما يخدم مصالحها، فيتداولها بعض الثوار، باعتبارها هي ذاتها عملتهم، دون التنبُّه إلى زيفها. وقديماً كان يقال في وصف ذلك أنه “كلمة حق أريد بها باطل”.
ولكنها في لحظة الفعل الثوري تصبح كارثة، حين تتحول هذه المبادئ التي يسعى الثوار لتحقيقها وتنزيلها على أرض الواقع، لتصبح سلاحاً قاتلاً بيد الثورة المضادة.
وكما ترى فإن غالب الناس عندما يتحدثون اليوم عن ثورة سبتمبر 2019 وعن من يمثلون قوى الثورة المضادة التي تسعى لإجهاضها، فإن أنظارهم تتجه مباشرة إلى عصابة الإنقاذ ورموز سلطتها، وقد تتسع النظرة لتشمل التيار السياسي الإسلاموي، مروراً بـ”الحركة الإسلامية”، وما يتناثر على جانبيها من مرتزقة وانتهازيون، ومن حركات اسلاموية مختلفة ألوانها ما بين: جهادية متطرفة ووسطية ودعوية ..الخ.
ولا يجد المرء حرجاً في أن يصف هذه الرؤية بالسطحية والقصور، بل وبالغباء والاستخفاف. لأنك لو تأملت قليلاً مسار أحداث الثورة ووقائعها وتداعياتها، ستجد أن من بين الثوار أنفسهم من يتبنى خطاباً ملغوماً تغطيه أعشاب المبادئ الثورية وقشور لحائها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم