أوراق قديمة (10) .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي/ الرباط
23 فبراير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
قضينا سحابة اليوم في القولد.احتفى بي القوم وبذلوا ما في وسعهم لإكرامي والترحيب بي.لم يتغير من أمرهم شيء، يجأرون بالشكوى من شحّ البترول وغياب الحكومة، و يسألونني السؤال تلو السؤال عن الأوضاع بالخرطوم.أحار ولا أجيب، فمعرفتي بالأشياء لا تفوق معرفتهم، بل كثيرا ما أبدو جاهلا وهم يتوسّمون فيّ المعرفة. يشكون من رتابة حياتهم ، إلا أن الأمل يملؤهم، والتفاؤل لا يفارقهم، وإن كانت ألسنتهم لا تنطق بذلك.سوق القولد اتسعت مساحاتها عما كنت آلف وأعرف، لم تزل كما كانت منتدى يلتقي فيه الناس من قبلي وبحري ، يبلغ بعضهم أخبار بعض.كنت في ذلك اليوم مميزا بملابس البندر ! وكان ذلك مدعاة لأن أوثر بأفضل الأشياء في المجلس و المركب والمكان!لكنّ نفسي كانت تكره ذلك.ما زلت أصرّ على أن أنال ما أنال وفقما تؤهلني له سني.تلك هي القاعدة، لكنهم كانوا يشفقون عليّ،ويطمئنون على راحتي.
زرت الخندق بالأمس ووقفت على قصر علي النور وقصر سيد النور ، والتقيت بحفيده محمد محيي الدين، فأتحفني بكرمه وأريحيته وبعض الوثائق ذات القيمة التاريخية:رسائل و عقود تجارية .كنت أتمعن الدور المهجورة و الأبواب العتيقة الموصدة،و النوافذ الضيقة العالية و الشوارع والأزقةالصاعدة والمنحدرة، الهابطة والملتوية…بلدة مهجورة،غدت موطنا للأشباح وملاذا للأرواح، أرواح من عمروها منذ قرون، عصفت بحفدتهم صروف الزمان ، مع ذلك تصرّ الخندق على الحياة و الاستمرار. ما من مرة أتيتها زائرا إلا وشاهدت مبنى جديدا لمدرسة أو مصحة أو معهد، أنشأه مثر محسن من خنادقة الدياسبورا، تأكيدا لانتماء وتعبيرا عن ولاء ووفاء، وسعيا لإحياء ما درس من رفاه و عمران كان، حينما كانت التجارة تسلك طرق القوافل والمراكب، ثم غبر زمان انتقلت فيه التجارة إلى مسارب أخرى و وسائل أخرى.هل فاتهم إدراك ذلك و هم أهل التجارة و خبراء الطرق وأدلة القوافل كابرا عن كابر؟
حينما غادرنا الخندق في الليلة الماضية هبط علينا ظلام في كثافة الطلاء ووطأته، انمحت تحتهالخرائب والأطلال وكتم النهر أنفاسه. تذكرت طفلا كان يجلب البرسيم والطحين من سلقي على ظهر حمار، كان يتعمد أن يبدأ رحلته عند هبوط الظلام واحتشاد الأرواح والأشباح، ويستعين على قطع الطريق الممتدة أميالا ،المأهولة باﻷشباح و اﻷرواح كما تهيئ له أوهامه، بشيء من الغناء .كان يحسّ أن قلبه ما يزال طريا، فيحمل نفسه حملا على هذه الرحلة.هل كان مسرفا في خياله؟ حين شقّ الظلام أمس، بدا له أن ليس ثمة أنسب لسكنى الأشباح من ذلك الزمان وذلك المكان، وبدا له أن لم يتغير من أمره شيء!
شبتوت.. جنوبي الخندق، على الضفة اليسرى للنهر،استقرّ بها بعض من احترف الزراعة من الخنادقة بين أماكن أخرى في مديرية دنقلة. قبل عشرين سنة، كنت لا أكاد أفهم ولا أفهم .لغة الأطفال كانت النوبية في شبتوت، أما الآن ، فإنهم يتحدثون العربية و النوبية.حضرت مشهد وداع جدد ذكريات قديمة: عشرات النسوة والأطفال في ملابس زاهية الألوان وعطور شرقية وعواطف متدفقة وبكاء وعويل..الرجال قلة، منشغلون بشحن الأمتعة …وقفت على مبعدة أشاهد وأرقب.لطالما أضحى هذا المشهد متكررا وجزءا من حياة أهل هذه القرى النوبية الممتدة على النيل، لا تنفكّتتعهد أبناءها بالتنشئة ، ثم تدفع بهم دفعا إلى المهاجر.
شبتوت، دنقلة، أكتوبر 1989
alkhandagawi@yahoo.fr