• عن الفن والإلتزام بالقضايا الإنسانية ، يقول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر
ليس لدى الفنان إلاّ جانب واحد يستطيع أن يصور منه عالمه للأحرار الذين ينشد هو موافقتهم ، وهذا الجانب هو مظهر عالم في حاجة دائبة إلي قدر أوفر من الحريّة يغمر جوانبه. ولن يتصوّر بحال أن يستخدم الكاتب فيض الكرم الصادر عنه في إجازة الظّلم ، ولا أن يستمتع القارئ بحريته إذ يقرأ كتاباً فيه تصويب إستعباد الأنسان للإنسان ، أو قبول ذلك الإستعباد ، أو مجرّد إحجام عن إستنكاره . من الممكن أن نتخيل قصة جيدة مؤلفها أمريكي أسود ، حتي لو كانت تفيض ببغض البيض ، إذ حرية جنسه هي التي ينادي بها من وراء هذا البغض . وبما أنه يدعوني لأتخذ موقفاً كريماً ، فلن أحتمل وأنا علي شعور بحريتي الخالصة أن أكون بعض هذا الجنس الظالم ، بل أقف ضد الجنس الأبيض ، بل ضد نفسي أنا بوصفي جزءاً منه لأهيب بالأحرار جميعاً كي يطالبوا بتحرير ذوي الألوان ) إنتهى .
بخصوص التردي الذي ساد الحياة إبان فترة حكم الإنقاذ البائد بما في ذلك ما أصاب الفن من انحطاط ملحوظ ، لقد أشرت في مقالٍ سابق لي بعنوان (الفن أفيون الشعوب) كما يُستخدَم الأفيون كمخدر ناجع ، نجحت سلطة الإنقاذ البائدة في إستخدام الفن كمخدر في سياستها الرامية لتغيّب وعي الإنسان وإلهائه عن مشاكله الأساسية بانتشار(فن) مبتذل رخيص منحطٍ كانحطاط السلطة نفسها بعيداً عن أي قيم إنسانية حقيقية ، تمثل ذلك في الكثير من غث الأغاني التي كانت منتشرة في ساحة الغناء السودانية . بمثل ما يؤثر الأفيون علي الجهاز العصبي ويؤدي إلي إنخفاض التناغم العاطفي والحسي وتغير وعي وأحاسيس الإنسان إنتشر نوع من الغناء في الساحة السودانية يؤدي نفس المهمة أصبح إدمان إنتاجه و سماعه أمراً عادياً بل محبباً . وكما يفعل الأفيون علي إنخفاض الدافع النفسي المعنوي يعمل هذا (الفن) علي قتل الروح المعنوية تجاه أي تفكير وإحساس إيجابي بقضايا الواقع المرير الذي يعيشه الإنسان السوداني في شتى ضروب الحياة . كذلك كما يؤدي الأفيون إلي الضعف والكسل من خلال تخدير الجسم ، يعمل هذا الفن علي كسل الجانب الإبداعي واللجوء إلي التقليد والترديد الببغاوي الممل والمبتذل ذلك ما حفلت به ساحة الغناء وأخص بالذكر برنامج (أغاني وأغاني ) والذي هو ليس سوى ترديد ماسخ بل تشويه لأغاني الرواد الأوائل من المبدعين بل هو تخدير بعيداً عن أي معنيً أبداعي . ولقد نجحت سلطة الإنقاذ البائدة من خلال خططها الأيديولوجية من فرض برامج بعينها من مثل برنامج أغاني وأغاني سالف الذكر والذي ساهم في إلهاء الإنسان تماماً عن أي فن خلاق لبناء شخصيته السودانية علي أسس وقواعد معنوية تتيح إنسجاماً معنوياً ونفسياً ينمي في الإنسان قيم الإبداع والإبتكار بمثل مافعلت كذلك علي تغيّب الإنسان في غياهب الغيبيات مبتعداً عن مساءلة الواقع في حل قضاياه وذلك من خلال تزييف وإستلاب وعيه ، بجعله خارج إطار التاريخ بعيداً عن الموضوعية وبزجه في متاهات الأساطير والخرافات . كل ذلك وغيره سهل من طواعيته وإنقياده لسلطة الإنقاذ البائدة .
إنّ الفن ليس دغدغة مشاعر وكلكلت أحاسيس ووجدان ، ليس إعادة إنتاج وتراكم أفقي متماثل الوحدات محكوم ببنيةٍ عاطفيةٍ ثابت ، بل هو فعل خلاق ، إلتزام وموقف إنساني واعيٍ بدوره ، واعيٍ بما يمكن أن يقوم به الفنان بنشر الوعي والقيم الجمالية السامية التي تساهم في تقدم شعبه والمساهمة في حل قضاياها . الفن كذلك ليس كرماً من الفنان يجود به علي مواطنيه كيف ومتي ما أراد ، بل هو إبداع جاد وموقف مع الحق والخير. الفنان الحقيقي مثقف ومدرك لدوره ، يعرف موطأ قدمه من الصراع ، وموقفه، في نبذ الظلم .
تناولت بعض مواقع التواصل الإجتماعي ما يمكن أن نطلق عليه (إضراب) ما يسمى بالفنانين في البرنامج الممل أغاني وأغاني ذلك بعد قرار مقدمه أيقاف تسجيل حلقاته تضامناً مع مدير قناة النيل الأزرق الذي تم إعفائه من منصبه بتقرير من لجنة إزالة تمكين وتفكيك عهد الإنقاذ البائد . تمثل الإضراب كما صرح به بعضهم في عدم الإستمرار في تسجيل حلقات البرنامج المختلف علي فائدته أصلاً من قبل الجمهور. هذا الموقف يعكس بشكل فاضح قصر مفهوم الفن وموقفه من قضايا المجتمع ، إذ يتبين أن هناك بعض متسلقي سلم الشهرة ، لا يرون في الفن سوى موقفاً ذاتياً بعيداً عن قضايا الجماهير مما يدل علي قصر النظر وعدم النضج الفكري لدى هؤلاء الذين لا يستطيعون التسامي عن الذاتية والإنحياز للجماهير التي صنعت منهم فنانين . لا أريد أن أذهب بعيداً في جدلية الفن للفن أم الفن للمجتمع ، ولكن من وجهة نظري في واقعنا السوداني وما يعكسه ذلك الواقع من فقر وجهل وتدني علي كل المستويات الحياتية ، من هذا المنطلق ليس للفن والفنان سوى نكران الذات والمشاركة الفعالة في تناول قضايا المجتمع والمساهمة في حلها بإتخاذ موقف واضح وجاد غير مراوغٍ . إن الفن رسالة إنسانية سامية تتعلق بما يجب علي الفنان فعله من تضحيات في سبيل الجماهير وليس في سبيل فرد من الأفراد أي كانت مكانته . يظل الفن والفنان خالداً في ذاكرة التاريخ من خلال مواقفه المشرفة ودوره الإنساني المميّز في نبذ الظلم والقبح وليس خادماً في يد السلطة القمعية كماهو الحال في تاريخ حكم الإنقاذ البائد والدولة العميقة والتي مازالت تمارس دورها البائس من خلال الفن أيضاً.
للموضع بقية
عوض شيخ إدريس حسن
ولاية أريزونا. أمريكا
awad89341@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم