إسلامنا.. شرقيُّ المزاجِ والهوى: أيُّ درجةٍ من الحقِ هوَ .. بقلم: ناجي شريف بابكر
28 نوفمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
.
.
لا بد للإنسان من أن يكون في سعيٍ دائمٍ وبحث متواصلٍ عن اليقين.. من الواجب ألا يستكين الإنسان وألا يطمئن لمسلمات الحياة اليومية.. وأن يكون متمرداً عليها، وعلي الأطر التي وجد نفسه فريسةً لها.. فما يبدو من إجماع الناس علي ممارسةٍ أو معتقد ما، ليست بالضرورة ببرهان كافٍ علي صحة ذلك المعتقد.. ولا بدليلً مانعٍ للشك في مدى مطابقته وموافقته للحق.. لسببين:
.
أولهما أن الحق مطلقٌ في كُنههِ، لا يبلغه كائن من كان.. إنما الناس في سعى دائم وكدح ومكابدة ليس لبلوغه وإنما لاستشرافه ما أمكن ذلك.
وثانيهما أن كثرة الناس وإجماعهم ليستا بالضرورة قرينتان لصحة ما يجمعون عليه رأسيا عبر الإزمنةِ والقرون.. وهو ما وجدنا عليه آباءنا. . ولا أفقيا عبر الامتدادات المكانية والسكانية. . فإن أكثر الناس لا يعلمون.. وإن أكثرهم لفاسقون.. ولطالما كان قلةٌ من الناسِ على مرِّ العصور هم من يتبعون الحق ويناصرون أنبياءه.
.
لذلك فالحميةُ التي تعتمرنا تجاه ما نمارسه ونعتقده دينا صحيحا ربما لا تعدو أن تكون حجابا، أو ضربا من ضروب العصبية والتمايز الأعمي.. فهي في أحسن حالاتها وعاءا فاسدا لدرجةٍ متقدمة في الاتجاه الصحيح.. وفي أردئها ضلالا في اتجاه مغاير للحق.. فليست الحمية من حسن الخلق، وليس ما يجمع عليه أهل الشرق من الإسلام هو النسخة المطلقة من الحق والدين، بالضرورة.. إنما هو محصلة متواضعة لسعينا في استشراف الحق.. وربما ما زلنا بعيدين عن تخومه.
.
بل ربما كان الدليل علي بعدنا عن جوهر الدين .. يتجلى بوضوح فاقعٍ في عجزنا الذي يدعو إلي الشفقة في الالتزام بمعايير التقوي، كيما نتمثلها في صدقنا ووفائنا بالعهد والوعد، والجهر بالحق وإغاثة الضعيف والملهوف.. وفي تواضع شفافيتنا تجاه الحق حتي صرنا نكره أن يطلِّع الناس علي سرائرنا وما حاك في أنفسنا من الدسائس.. ربما لسنا في الاتجاه الصحيح..
.
معظم النصوص المروية عن النبي تم تجميعها وتدوينها عن ألسن الرواة بعد ما يفوق المائة عام من وفاة النبي .. أما كتاب الله فقد تمت كتابة نصوصه وتوثيقها بحياة النبي وعند نزول الوحي (كما تشهد علي ذلك قصة النبي مع ابن أبي السرح في كتابة الوحي، والتي استبيح فيها دم الأخير).. وما زالت هناك مصاحف أثرية ومخطوطات محفوظة تعود لذلك العهد وليس أدل على ذلك من تطابق الحق لدي كافة الأنبياء والمرسلين.. فالتواتر والعنعنة، لا تتعلق بكتاب الله وآياته، إنما تتعلق بالنصوص المروية عن النبي صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه رضوان الله عليهم.
.
المعضلة هي في درجة التفاضل ما بين ما نتمسك به ظنا منا أنه هو الأسلام، ومابين الأسلام في إطلاقه كأنقي ما يكون، مجردا مما يمكن أن يكون قد شابه وعلق به من كلام المتكلمين ونصوص الرواة وكتبهم المقدسة.. ومما قد يكون بغير وعي منا ومنهم، قد تسبب في إنحراف المعتقدات والأفكار، رغم إحساننا الظن فيمن سبقونا وفي أنفسنا..
.
يقول تعالي “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين”.. “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين”.. فكل الأمم التي سبقتنا بعث الله فيها الأنبياء والرسل مذكرين ومنذرين وأتبعهم الناس مخلصين.. لكن بتعاقب الأجيال، بعد كل نبي تحدث إنحرافات متشابهة في الطبيعة ومختلفة في المقدار، وقابلة للتكرار بعد كل نبي، تمثلت بعض تلك الإنحرافات في :
.
1/ إنحراف المسلمات حينما اتخذ الناس من أقوال الصالحين الذين سبقوهم مراجعا مقدسة كمثل تلمود اليهود كتبا يهتدون بها غيرما آتاهم الله من التوراة والكتب السماوية الأخري..
2/ أتخذ آخرون من الصالحين والأولياء تماثيلا يتبركون بها حتي وصل الأمر حد العبادة تقربا إلي الله “وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواغا ولا يغوث ونسرا”..
فنحن لسنا إستثناء مما حدث ويحدث للأمم أمثالنا إن لم نتخذ العبرة فيما أصابهم ونهتدي بدراسة ما حدث لهم من إنحراف في الهداية جعلهم يتركون ما آتاهم الله ويتمسكون بما سواه .. بإعتبار أن أباءهم كانوا علي ماهم عليه ..
.
ربما لم يكن الصواب في أن نقلل في قيمة ما هو بين أيدينا ولا أن نهجره بغير علم..ولكن الصواب في أن نعمل فكرنا دون عواطفنا ونرجع كل شئ من معتقداتنا لكتاب الله ونحاكمه بموجبه.. دون أن تأخذنا العاطفة أو العصبية أو القبلية في أن نتبع نور الحق حيثما كان.. فالله سيحاسبنا أفرادا ولا يحاسبنا جماعات ولا أجيالاولا أمما..فكل يأتيه يوم القيامة فردا.. فكل منا له سعة من العقل هو مكلف بموجبها وبما وسعه من الإدراك .. وهذه السعة وهذا الأدراك هي مناط التكليف لكل منا .. وتختلف تلك السعة من شخص لآخر وفق ما أورثه الله من العقل والعلم والحكمة..
.
ليس معني كون أن أحدنا قد ولد مسلما سنيا أن كل ما عدا ذلك باطل.. إلا إذا تجمعت تلك القناعة لديه من خلال الدراسة والتمحيص، ومعرفة قصص الأمم والمرسلين وتاريخهم، ورد الأمر ختاما لكتاب الله.. حتي تنبع قناعاتنا متسقةً بما درسناه من آيات الله وأستوعبناه من أوامره ونواهيه.. وكل ماعدا ذلك من الكتب والتعليمات أو خالفه طاغوت لا يمت للحق بشئ.
.
العلمانية، أو بالأحرى تجريد السلطة الزمنية عن قدسية الدين، تأتي مخالفة لتعليمات الموروث من الفقه والحديث، حيث يكون لزاما، في معيته، علي العوام والسابلة والفقراء، الذين أخرجهم السلطان من ديارهم، ونازعهم الطعام والشراب، يكون عليهم طاعة الله من خلال طاعته والخضوع المطلق له ولبطانته الظالمة، بإعتباره ظلا لله في الأرض.. وأنه، أي الحاكم، لا يخلع ملكاً قد ألبسه الله له، فاسقا كان أم خيرا، مصلحا كان أم مفسدا.. فلولا عباءة الدين التي يتقلدها، لسقطت بالضرورة عنه وصايته علي العوام من الناس..
.
لولا عباءة الدين وقدسيته، يعدم الطغاة وسائلهم وأدواتهم.. ويخضعون للمحاسبة والقصاص كشأن من هم سواهم. فالحاكم بأمر الله خليفة لله في الأرض، ألبسه الله سلطانا لا ينزعنه عنه إنس ولا جان. فهو وللمفارقة، يحمل علي كاهله أن يَبلُغَ بالسلطان ما عجزت السماء عن بلوغه.. وهو من أجل ذلك ومن أجل توسيع أملاك الله في الأرض، يحمل الناس حملا علي الطاعة والدين، الشئ الذي لم تفوض فيه السماء من قبل مرسلا ولا نبيا.. فتراه، أي السلطان، يضرب أعناق من خالفه في الدين والرأي بحسبان الأخير مهددا لملكوت الله، تراه يتسور الدور ويهتك الحرمات حتي يطمئن أن الناس في طاعة لربهم لا يأتون من خلف أبوابهم المغلقة من الآثام ما يغضب الله أو يثير حنقه..
.
العلمانية تهدد السلاطين والطغاة وتحرمهم المساندة المطلقة والتعاطف غير المشروط من العوام من الناس .
nagibabiker@gmail.com