إشكالية العلاقة بين السود والشرطة الأمريكية .. بقلم: يعقوب حمدان – القاهرة


ينظر كثير من المراقبين و المتابعين للشأن الامريكى – خاصة المراقبين الذين يعانون ذات سقم العنصرية بدول العالم الثالث- للتجربة الامريكية التى صاغنت و العقد الاجتماعى لتلملم جراح و الام السود بعد كفاح دعاة الحقوق المدنية على رأسهم القس ” مارتن لوثر كينج”, بأنها تجربة فريدة يمكن ان تستلهم وان تكون وصفة طبية لمعالجة واقع كثير من الدول,خاصة دول العالم النامى التى تسنشرى فيها العنصرية على جميع اطياف المجتمع و مفاصل الدولة, و بلغ الاعجاب بالنموذج الامريكى ذروته عندما أنتخب الرئيس أوباما ذو الاصول السوداء لدورتين كرئيس للولايات المتحدة, الا انه يبدو بأن حلم القس فى طربقه للتبخر.حيث ان بطش الشرطة تجاه المواطنين السود أثارت أعمال عنف و إحتجاجات واسعة خاصة بعد حادثة فيرجسون بولاية ميزورى, و التى قتل فيها شاب أسود من قبل شرطى , حتى عمت كثير من المدن و الولايات الامريكية, تلك الاحتجات لم تقف عند الادانة فحسب, بل المطالبة إلى مواجهة شاملة لبطش الشرطة وإصلاح النظام القضائى، وهو ما لم يحدث رغم دعوات كثيرين من الأمريكيين البيض لإجراء حوار مفتوح على مستوى الولايات المتحدة، حول وجود عنصرية والتصدى لها بشكل حاسم. خاصة ان أزمة فيرجسون كشفت عن وجود وميض نار عنصرية كامنة تحت رماد الحوادث المثيلة التى حدثت- خلال اكثر من 45 عاما و التى تشكل تاريخ تلك العلاقة المتازمة بين السود و الشرطة – فى كل من مدينة “نيواورلينز التى قتل فيها شاب أسود و إصابة سبعة اخرون من قبل إطلاق نار عشوائى بيد رجال شرطة بيض, فى أبريل من العام 1968 إندلعت أعمال عنف فى125 مدينة أمريكية, بعد إغتيال القس كينغ, راح ضحيتها مالا يقل عن 46 قتيلا, بالاضافة الى إتلاف و حرق المحال التجارية مما حدا بالرئيس الامريكى وقتئذ ” ليندون جونسون لإنزال كتيبة من الجيش فى بعض المدن مثل شيكاغو وبوسطن ونيوآرك وسينسيناتي, فى أيار 1980 قامت أربعة من الشرطة البيض فى ليبرتى سيتى بميامى بقتل دارج أسود بحجة أنه لم ينوقف عند اشارة المرور الحمراء, حيث ان الافراج عنهم أثار موجات إحتجاجات عارمة وأعمال شغب, فى اواخر ابريل و اوائل مايو من العام 1992 إندلعت أعمال عنف من قبل السود فى كل من فرانسيسكو ولاس فيغاس وأتلانتا ونيويورك كان نتاجها سقوط 59 قتيلا و جرحى كثر, وذلك بعد ان قتل اربعة رجال شرطة بيض سائق سيارة اسود فى مدينة لوس انجلوس التى تحولت الى لهيب طار شرارها للمدن الانفة الذكر, فى العام 2001 شرطى أبيض يقتل المواطن الامريكى الاسود تيموثى توماس فى اوهايو فى مدينة سينسيناتي, لتشير موجة عنف دامت لمدة اربعة أيام, و جاءت حادثة فيرجسون الذى قتل فى الامريكى الاسود مايكل براون لتفتح موجات شغب لمدة عشرة أيام و تبعتها موجات ارتدادية بعد الاعلان عن إسقاط الملاحقات بحق الشرطي الذي أطلق النار.
ذلك التاريخ المتازم بين الشرطة الامريكية و المواطنين السود يثير تساؤل رئيس حول إشكالية العلاقة بين الشرطة الامريكية و الموطنين الامريمان من أصول افريقية, حيث ان الاجابة تبدوا شائكة و معقدة, فهل سوس الكراهية و التمييز بدات تنخر فى جسد مجتمع الدولة الامريكية؟
بحسب استطلاع للرأي أجرته شبكة ABC الأمريكية الإخبارية، بالشراكة مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ، حول مستقبل التعايش المشترك في البلاد بين السود والبيض، وقد جاءت النتائج في واقع الأمر مخيبة للامال، فقد اعترف 6 من أصل 10 أمريكيين من أصول إفرييقية بأن العلاقات العرقية ليست على ما يرام أو أنها ضعيفة بل ذهب أكثر من نصف البيض بقليل إلى وصف اختيار رئيس أسود للبلاد أنه أمر خطير.
ويرى مدير مركز الدراسات الإفريقية-الأمريكية في جامعة كاليفورنيا دارنيل هانت أن الاضطرابات التي تلت مقتل الفتى براون ما هي إلا نتيجة لحرمان الأمريكيين الأفارقة من حق المشاركة في تقرير المصير”، ويضيف: “ما حدث في فيرغسون ليست حالة فردية، بحسب رأي 80% من الأمريكيين الأفارقة، الذين تم استطلاع آرائهم. في حين يتفق معهم 37% فقط من الأمريكيين البيض على ذلك”.
أما عن توزيع السكان او التوزيع الديمغرافى – بحسب متابعبن- للمدن الامريكية تفوح منه رائحة العنصرية الكريهة, فعلى سبيل المثال نجد ان العاصمة الامريكية ” واشنطن” تنقسم الى شطرين, حيث ان حديكة روك كريك تقسمها من الشمال و الجنوب , ف 90% من البيض يقطنون الشطر الشمالى الذى يتمتع بميزة الخدمات, بينما 90% من السود يقطنون الشطر الجنوبى و مايستتبعه من تدنى مستوى الخدمات وفقا لوصف من عاشوا بواشنطنز

فى تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الفدرالية “إف. بي.آي” عام 1999 بارتفاع جرائم الكراهية القائمة على أساس عنصري داخل الولايات المتحدة، مشيرا إلى أنه من بين حوالي 8 آلاف جريمة ترتكب سنويًا، فمنها 4292 جريمة ارتُكبت في 1999 بدوافع تتعلق بلون البشرة، ومن بين إجمالى الجرائم التي ارتكبت في أمريكا، ووقفت نوازع العنصرية والكراهية وراءها حوالي 35%. وأشار التقرير إلى أن السود كانوا أكثر ضحايا جرائم العنصرية بنسبة 37% , اما بالنسبة لتفاوت الدخل, فقد اشار التقرير نفسه ان هنالك تفاوتا كبيرا فى مسنوييات الدخل بين السود و البيض, حيث ان متوسط الدخل السنوى للاسرة الامريكية من أصول بيضاء 49 الف دولار بيينما يبلغ مستوى دخل الاسرة الامريكية من أصول افريقية سنويا 30 الف دولار. ربما يرجع ذلك الى تفاوت الى عدة عوامل منها التعليم, الا ان الشاهد فى الامر ان 12.7 من تعداد الامريكان السود البالغ 13% يعيشون تحت الفقر, و ذلك وفقا لتقرير الـ FBI الانف الذكر.
لذلك ان تلك العلاقة المتأزمة بين الشرطة الامريكية و الأمريكان من أصل افريقى لاكثر من نصف قرن تحتاج الى إعادة حوار مفتوح لنبذ العنصرية الى اثبتت الحوادث انها مازالت كامنة فى النفوس, قبل ان يتحطم حلم القس كينغ و تتهاوى ديمقراطية امريكا تلك الكلمة الطنانة ( Buzzword ) التى بشرت بها طويلا و انزرت من اجلها دول كثيرة.

amirmatar9@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً