كما يمتاز سجل التاريخ بالتوثيق والتأريخ للأحداث الماضية فهناك صفة لصيقة بهذا السجل وهي أنه لا يمكن بأي حال التوثيق لكل ما حدث في عصر ما مهما اجتهد المؤرخون في التدوين، أي أن التاريخ المسجّل ممتلئ بفجوات وثغرات وخطوط زمنية مفقودة كثيرة وهذه سمة في تاريخ كل الشعوب. الصفة الثانية أن السلطة النافذة ثقافيا، إعلاميا، منهجيا، أيدولوجيا، مجتمعيا.. الخ تمارس دور إظلام مناطق ما، قضايا تاريخية معينة، أو أحداث يؤدي ذكرها كما هي على حقيقتها التاريخية للمساس بمصالح هذه السلطات النافذة. مثل التشكيك بالهولوكوست الذي يؤدي إلى الملاحقة القضائية والسجن وبتشريعات مقننة تزيّف التاريخ، بل ترفع النص التاريخي لمرتبة القدسية، بينما نفس هذه المحاكم لا تحاكم من يطعن بنصوص التوراة والإنجيل.
في كتابه «المنسي والمحكي من تاريخ السودان» من إصدار ويلوز هاوس ٢٠٢٠، سعى د. البشير أحمد محي الدين لمناقشة كثير من المنسيات في تاريخ السودان باللهجة المحكية في قالب درامي. وهذه الأحداث المنسية منها ما طُمر بواسطة السلطة النافذة، ومنها ما طُمر لخمول فعل القراءة – عموما وليس قراءة التاريخ فقط -، وعلى أي حال فدكتور البشير بانتهاجه هذا النهج في الكتابة الفنية للتاريخ، إضافة للكتابة بالمحكية السهلة المبسطة، فهو يدرك أن المادة التاريخية الجافة قليلة الحظ في المقروئية. فما عالجه فنيا هو في الأساس مدون في طروس التاريخ وإعادة كتابته بذات النهج لن تضيف جديدا، ولن تذكّر بالمنسي وهذه إحدى فوائد المادة الأدبية حين يكون حملها بمواد معرفية مركونة في مظانها المرجعية التي لا يمرّ بها إلا الأكاديميون والطلاب. وفي هذا الكتاب نجح د. البشير في إشاعة الروح في قصص كثيرة بمعالجة فنية رائقة، وهو الذي نشر العديد من الكتب المرجعية ذات الصلابة العلمية الأكاديمية. وقبل أن أدخل في دهاليز الكتاب، فأكثر ما راقني في الكتاب أن القصص تتضمن المراجع التاريخية مقولةً على ألسنة الشخصيات التي تستعرض التاريخ في دردشات ساخرة وخفيفة الظل. وتثبيت المراجع يلقي للقارئ إشارات للتوسع أو على الأقل يؤكد هذه الأحداث المنسية، والتي يعلّل لها د. البشير على ألسنة الشخصيات بتغافل المنهج التعليمي عن ذكرها. وهذا التغافل نفسه يعود للسلطة النافذة التي تنهج ما تصلح به طبخاتها التي لا تتجاوز أرنبة أنفها في المقررات التعليمية. وحتى كاتب الكتاب نفسه يعرض عن كثير من المنسي “المخزي” في تاريخ المهدية ويوضح بصراحة أنها قضايا خلافية. وليس من الضروري أن يوضح كل المنسي في تقديري ولا أن يذكر ما يذهب بالكتاب إلى دائرة خلافية وجدليات تربض وراءها مئات الأقلام المتربصة التي تسعى لكسر أي قلم يتعرض لها. يكفي أن «المنسي والمحكي» بعث الحياة في قصص تستحق أن تروى.
سرد الكاتب على امتداد ٣٧٨ صفحة، ٢٩ قصة، تنوّعت في الالتقاط من المراحل التاريخية المختلفة:
• الممالك القديمة ما قبل الميلاد (قصة واحدة).
• الممالك القديمة في القرون الوسطى، مملكة تقلي (قصة واحدة).
• مملكة مصر والسودان، عصر الحكم التركي المصري.
• عصر المهدية، فترة المهدي وخليفته عبد الله.
• مرحلة دخول الإنجليز السودان وإسقاط الدولة المهدية.
حكاية المنسي فنيا تمثل تحريض الكاتب للمجتمع للقراءة في تاريخه. وأقول، مما يعود عليه بمعرفة، وتبصّر سبل لحلحلة قضاياه المتأزمة الحاضرة والتي يمتدّ احتقانها من آماد ماضية. خصوصا أن التاريخ السوداني مراجعه أجنبية مغرضة (غالبا) وما الكتاب المؤرخين الوطنيين إلا عيال على نعوم شقير، وإبراهيم باشا فوزي، والأمير عمر طوسون، والميرالاي إسماعيل سرهنك، وتشرشل، وسلاطين، وثيودور كُرمب، وهولت.. الخ القائمة الطويلة. ولا يخفى دور الدرس التاريخي في صناعة الوعي، والإعلام، والتأثير على الجماهير. مثالا الكتاب المشبوه (جدلية المركز والهامش) لأبكر آدم إسماعيل الذي صرف نصف حبره على المزورات التاريخية ليؤسس عليها جدليات الكتاب، والتي ساق أمامها معطيات تاريخية مدلسة فاسدة.
بعث المنسي مسبوق بكتاب كثر أعملوا محافيرهم في مادة التاريخ لإنعاش أطروحاتهم الفكرية، والتاريخ يتساوق مع الفكر دائما، مثل اليساري السعودي ناصر السعيد الذي ألف كتابه الشهير (تاريخ آل سعود) ودفع حياته ثمنا له على سواحل بيروت بعد أن حكى المخزيات المنسية لآل سعود، غير المدرجة بالطبع في العناوين البراقة للكتب المزورة من قبيل (عنوان المجد في تاريخ نجد) و(روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام)، الكاذبة، لا من ناحية التدوين كمطعن ولكن من جانب رؤية السلطة الفاسدة نفسها التي توظف المؤرخين أمثال ابن بشر وابن غنام مؤلفي الكتابين. والصدق في التدوين مع الحياد هو التاريخ النظيف. و«المنسي والمحكي» كأوجه نظر اقتصرت على رفض المحتل جملة (مصريين، أتراك، إنجليز، فرنسيين، نمساويين، بلقانيين، بلجيكيين، شراكسة.. الخ).
بالعودة لموضوعات المنسي والمحكي، فقد ركزت القصص على فترة المهدية، واللحظات الأخيرة من أيامها بعد وصول حملة كتشنر. القصة الثانية عرضت شيئا من المنسي بخصوص الأركولوجيا السودانية، وبداية سرقات الآثار من جهات شندي منذ الحملة الأولى التي أرسلها محمد علي الكبير بقيادة ابنيه الغر إسماعيل، وإبراهيم صاحب حروب الجزيرة واليونان وبر الشام والأناضول. وما تمّ من نسف لرؤوس الأهرامات لاستخراج كنوزها بواسطة الرحالة الغربيين المرافقين لحملة إسماعيل باشا. ثم في قصص المنسي والمحكي يقصّ عن إلصاق تهمة التجارة في الرق بالزبير باشا رحمة، ويكشف السرد عن أسرار مكيدة الإنجليز وأهدافها. تدور طاحونة السرد في الأحداث التي تلت نفي الزبير باشا وحبسه بمصر، حرب ابنه سليمان مع جيسي الإيطالي ذراع غردون، ومقتل سليمان، وخروج أحد قادته البازنقر وهو رابح بن الزبير إلى تشاد وتأسيسه دولة إسلامية بوداي (تشاد) صدّت الحملات الفرنسية عن حوض الكنغو لسبعة أعوام، واستجداء الفرنسيين للزبير في مصر ليمنع عنهم بطش ابنه رابح (يدعى ابن الزبير لتبنيه له). وعن العازة بنت إدريس الحكّامة التي خلفت الزبير وسليمان في نسائهم وخرجت بهم هربا من جيسي وجيشه وهي تحمّسهم وتمدح من مضوا من رجالهم.
الرائق في القصص كثافة السرد عن المعارك البطولية للمهدية، مع التغاضي عن طرح ما هو خلافي (أفكارها، عقيدتها، قبضتها الداخلية المطابقة لنموذج داعش).. أعني أن المعارك مع المستعمرين بطبيعة الحال لا خلاف في أنها بطولية وواجبة ممدوح من يتصدى لخوضها. شيكان بالخصوص معركة خالدة في التاريخ السوداني لأنها كما ذكر الكاتب، ص١٣٣: ”قال عبد اللطيف ببسمة عريضة: الخواجات قالوا في كتبهم ومنهم تشرشل قالوا كلام أنحن حافظنو صم بيقول (لم يفن في التاريخ جيش كله إلا جيش فرعون الذي أغرقه الله في اليم وجيش هكس في غابة شيكان)“. وهنا قصة طريفة عن الذخيرة التي استخدمت في هذه المعركة، ص١٤١: ”في ربع ساعة فقط يروح جيش هكس الذي كان يحمل مليون رصاصة معه شمار في مرقة“. والطريف أن الخليفة التعايشي لما حاصرته مصر من الشمال وبريطانيا من البحر الأحمر والأحباش من الشرق عمد إلى إرسال حملات لجمع قطع الذخيرة الفارغة من ميادين المعارك (قدير، شيكان، كردفان، جبهة الشرق.. الخ) وصنع البارود وعبأ القطع لإعادة استخدامها في حروبه، وكان لغابة شيكان الإسهام الأكبر في هذا التدوير الصناعي حسب د. حاتم الصديق في كتابه (الجيش في المهدية).
البعث الأجمل للمنسي كان من نصيب الضباط المرتزقة من الأوربيين أمثال غردون وجيسي وستيورات، وليبتون، وأمين باشا اليهودي المدعي للإسلام، وغيرهم من المرتزقة الذين يتم اختيارهم لأداء مهام الارتزاق العسكري الاستعماري، والكشف الجغرافي، والتبشير الكنسي. ولشخصيات أخرى وطنية تستحق إلقاء الضوء على أدوارها الوطنية وغير الوطنية المؤثرة. ولمناطق انصبّت عليها حملات الأوربيين المتنافسة في جنوب السودان (أعالي النيل الأبيض، وبحر الغزال، وخط الاستواء). وهذا كله من المنسي المطمور، فغالبية السودانيين لا يعرفون عن غردون غير قصة مقتله في الخرطوم على أيدي الدراويش. وهو جاء إلى السودان ثلاث مرات، الأولى حاكما لجنوب السودان، المساحة جنوب فشودة، خلفا لصمويل بيكر وقاد رحلة نهرية كشفية وصلت إلى بحيرات ألبرت نيانزا وفيكتوريا في يوغندا (وأسس فيها حاميات عسكرية ورفع العلم المصري). والثانية حاكما لعموم السودان وفيها قام بإبعاد حكام المديريات المصريين والأتراك وعيّن الأوروبيين في محلهم، وهو من عيّن سلاطين باشا بدارفور. والثالثة جاء لإجلاء المصريين والأتراك من السودان وكانت خطوته الأولى مراسلة المهدي وتعيينه حاكما لكردفان ولكنه رفض العرض ودخل الخرطوم، وبذلك انتهت حياة غردون في سراي الحاكم العام على النيل الأزرق قرب مقرن النيلين.
سرد الكاتب عن سجن الرجاف الشهير بالجنوب، ومن هذه المناطق وتحديدا حامية اللادو (قرب جوبا) انطلقت حملة من الجنود السودانيين بقيادة مرتزق بريطاني يدعى فريدريك لوغارد واحتل بهذه الحملة السودانية يوغندا وضمها للمستعمرات البريطانية، وهذا من المنسي أيضا.
سرد الكاتب قصة عن مملكة تقلي، وقصة عن حرب المساليت للفرنسيين، ويُذكر أنه مؤلف لكتاب (على تخوم جبال النوبة – تاريخ مملكة تقلي). والشيء بالشيء يذكر فيمكن أن أضع بقية العناوين التي أصدرها المؤلف: (غرائب الزمان في فتح السودان)، و(معجم أعلام السودان) وترجم فيه لألف و٦٥٠ شخصية سودانية، ويمكن المرور بمراجعة معتصم الحارث الضوي الذي وصفه بالعمل الموسوعي الضخم الذي لا يقاربه في العمق والإحاطة إلا المعجم الذي وضعه البروفيسور (ريتشارد هِل) المؤرخ ومؤسس أرشيف السودان بجامعة درهام البريطانية. ويمتاز كتاب د. بشير عليه بالدقة وعدم الخلط بين الأسماء المتشابهة. و(تقارير المخابرات البريطانية عن الثورة المهدية في السودان)، ويمكن المرور بمراجعة طارق الجزولي رئيس تحرير سودانايل لهذا الكتاب. و(تاريخ أقاليم جنوب السودان ١٨٢٠-١٩٠٠)، و(المصالح الاستراتيجية السودانية)، ومؤخرا (المنسي والمحكي من تاريخ السودان) الذي جنح لتسريد التاريخ في قالب حكائي درامي.
ما هي فائدة التركيز على المنسي من التاريخ؟
لأقارب الإجابة عن السؤال، وبعيدا عن التاريخ السوداني يمكن أن ألتقط الأحداث التاريخية التي عرفت بحرب ٤٨ في فلسطين. والتي شاع في الإعلام والمناهج المقررة أن الجيوش العربية هزمت فيها وبالتالي احتل الصهاينة فلسطين. وقد انبرى من حكى المنسي ووثّق المشهد الذي جرى حقيقة في الواقع وهو اللواء الأردني عبد الله التل في كتابه (كارثة فلسطين)، وهذا الرجل شارك في قلب المشهد، في القدس، ولديه أدوار بطولية لن يصدق المرء أن السلطة لطمر تاريخه حكمت عليه بالإعدام وتشويه السمعة، فعاش منفيا في المملكة المصرية آنذاك. أورد أسماء قادة الجيش الأردني وهو أكبر الجيوش التي شاركت في هذه الحرب، وكانوا جميعا إنجليز ويهود. وطبعا هذا من المنسيات وقلة من يعلمون أن بريطانيا منحت فلسطين لبلفور وقادت الجيوش العربية للوفاء بوعدها. وأيضا جيش مصر المحتلة وقتها من بريطانيا نفسها كان يأتمر بأوامر الإنجليز. والعراق التي أقطعتها بريطانيا للأمير فيصل كما أقطعت الأردن والضفة الغربية لأخيه الأمير عبد الله وهما ابني ملك الحجاز الذي حارب الدولة العثمانية لصالح بريطانيا ونفته بريطانيا لصالح آل سعود (لقبولهم وعد بلفور وقبول ابنيه مع رفضه هو). وهذا كله منسي، والتاريخ هكذا، كله منسي. ويحمد للدكتور بشير أن ينبري بكتابه الثمين لنفض الغبار عن بعض المنسي، وحكايته في سفر رائق بسيط العبارة.
masarebart2019@gmail.com
////////////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم