بسم الله الرحمن الرحيم
كثير من الكتاب و الباحثين الذين يشار اليهم بالبنان يعملون على تعمية الحقائق عن قصد تعوذه المهنية و تغلب عليه المواقف المسبقة حتى يظل الحليم حيران هل هي كتابات مدفوعة الثمن ام تغبيش للحقيقة في سياق تنافس حزبي بغيض. المقالات التالية من الارشيف لغرض تبيان الأسباب الحقيقية للإنفصال و تصحيح المفاهيم حتى لا يظن البعض أن سياسة حكومة الوحدة الوطنية كان لها دور في قرار الانفصال و الذي روج له الاعلام الغربي بمافيه البي بي سي و السي إن إن تحت مسمى الاستقلال مذيداً من خلط المفاهيم.
المقال الثالث : العصيان الأول أغسطس 1955الخطوة الاولى على طريق التقسيم 3/3
أود أن أخلص بإختصار إلى الأسباب التى ساقها التقرير الإدارى للجنة التحقيق فى عصيان أغسطس 1955( تصحيحأ للمصطلح ما حدث كان عصيان ولم يكن تمرداً) و التى كونها وزير الداخلية آنذاك الشيخ على عبد الرحمن الضرير و أختم بقصيدة للاستاذ الهادى آدم وقد كان شاهداً على ذبح الكثير من زملائة المعلمين و هذه القصيدة تحاول جهات كثيرة أن تخفيها من تراث هذا الشاعر ولا تذكر له سوى قصيدة غداً القاك التى تغنت بها أم كلثوم عند زيارتها للخرطوم فى الستينات من القرن الماضى !! لعل هذه المعلومات تسعف بعضهم فيتدبر حقيقة الأمر بدلاً عن السطحية و السذاجة التى يدار بها الحوار حول أسباب تقسيم السودان .
حتى عام 1930 لم يكن معروفاً او مستعملاً مصطلح جنوب السودان فالقارىء لنعوم شقير و سلاطين باشا وغيرها من كتب التاريخ و الدوريات السابقة لهذا التاريخ لا يجد بها هذا المصطلح إسماً و لا رسماً لهذا الجزء من السودان بل يجد الإستوائية و بحر الغزال و فشودة
فى 25 يناير 1930 أعلنت حكومة صاحبة الجلالة سياسة جنوب السودان ( المناطق المقفولة) في سياق تنفيذ خطة بعثة ميلر(Milner Mission ) التى أرسلتها الحكومة البرطانية عام 1920 و التي أوصت بسياسة تنتهي بفصل المناطق المقفولة عن السودان و هى سياسة مكتوبة و معلنة تهدف لفصل جنوب السودان عن شماله بقيام دولة فى هذه المنطقة أو توزيعه على دول شرق أفريقيا و تمثلت أهم عناصر هذه السياسة فى التالى:
1. نقل جميع الموظفين الشماليين الذين كانوا يعملون بالجنوب من إداريين و فنيين وكتبة و معلمين و عمال للشمال
2. عدم تجديد رخص التجار الشماليين وإبعادهم وإحلال الإغريق و السوريين النصارى بدلاً عنهم
3. إجلاء المسلمين الجنوبيين من مواطنهم و ترحيلهم للشمال ما أمكن ذلك
4. إخماد كل مظاهر الديانة الاسلامية ومنع الجنوبيين المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية علناً
5. الغاء تدريس اللغة العربية كمادة فى المدارس
6. حُرِم على التجار بيع الجلاليب و العراريق و الطواقى و العمائم و حددت لهم مهلة للتخلص من ما بحوذتهم
7. يعهد بالتعليم للكنيسة و الإرساليات
8. أما فيما يختص بزعماء القبائل الذين تعودوا لبس الزى العربى فى/ مجالسهم العامة فيجب منعهم من ذلك و تشجيعهم على التمسك بالعادات و التقاليد – وذلك يعني التعرى
9. إرغام من كانوا يتسمون بأسماء عربية لمدة أجيال على تغييرها
10. تبين لاحقاً إن الإنخراط فى قوة دفاع السودان يمثل أكبر مهددات هذه السياسة حيث يلتزم أبناء الجنوب العاملين بهذه القوة بالدين الاسلامى و تنتشر بينهم الثقافة العربية و يغيرون أسمائهم و يحتفي بهم أهلهم حال عودتهم فتم إنشاء ما عرف بقوة دفاع جنوب السودان يجند لها أبناء الجنوب فقط وتكون لغتها الرسمية الإنجليزية و بها قساوسة يشرفون على تعمييد و تنصير أفرادها و هى القوة التى قامت بمذبحة توريت
فى 16 ديسمبر 1946 تم إعلان الغاء سياسة جنوب السودان و إعلان فشلها حيث ثبت بالتجربة أن جنوب السودان لا يمتلك العناصر الأساسية لمقومات الدولة (الدين– اللغة-الثقافة المشتركة–التاريخ)
هذه السياسة التى إعترف الإستعمار الإنجليزى بفشلها فى سياق مراجعة السياسة العامة لحكومة صاحبة الجلالة بعد الحرب الكونية الثانية و المتمثلة فى الإنسحاب من المستعمرات كانت هي السبب الرئيسي فى حدوث مذبحة توريت و ما نعانية اليوم.
فى سياق ما ترتب على الغاء سياسة المناطق المقفولة تم إلحاق قوة دفاع جنوب السودان بالجيش السودانى تحت إسم الفرقة الجنوبية و قيادتها فى توريت. سبب هذا القرار تذمراً كبيراً وسط جنود هذه الفرقة حيث أُشيع أن القوات الشمالية قادمة للقضاء عليهم و إستعبادهم مرةً أخرى وقد تولى كبر هذه الإشاعة مفتشى المراكز الإنجليز و عدد كبير من رجال الكنيسة الذين وقف بعضهم ضد إلغاء سياسة المناطق المقفولة علانيةَ.
أعطيت التعليمات للبلك نمرة 2 من الفرقة الجنوبية بالسفر إلى الخرطوم للإشتراك فى الإحتفالات بجلاء القوات البريطانية فى يوم 18/8/1955 تجمع البلك نمرة 2 فى ميدان الطابور داخل مقر القيادة الجنوبية بتوريت و أعطيت لهم تعليمات السفر و التحرك لجوبا فى شكل بلتونات ليستقلوا الباخرة الى الخرطوم يومها وقع التمرد المشئوم وقتل فى توريت و حدها 78 من التجار و الموظفين و المعلمين و النساء و الاطفال هذه صورةٌ مختصرة للسياسة الاستعمارية التى قصدت و أسست الى بذر الكراهية بين أبناء هذا الوطن.
فهذه الكراهية لم تكن موجودة قبل إنفاذ هذه السياسة و الدليل على ذلك أن جل قادة جمعية اللواء الأبيض التى قامت بثورة 1924 كانوا من أبناء الجنوب و كانوا يهتفون بوحدة وادى النيل وحياة الملك فؤاد الاول ملكاً لمصر و السودان.
لا دخل للشريعة و لا الدكتاتورية ولا المؤتمر الوطني و لا القصور السياسي للأحزاب الشمالية بما جرى و يجرى فالإ نفصال كان هدفاً تحدث عنه شيرشل في القرن الثامن عشرو تبنته الإدارة الإستعمارية سياسةً وما كان للأحزاب وهي معلولة المقدر على مقاومة المكر الاستعماري الصليبي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم