إلي شباب الثورة: ألا قد بلغت …. اللهم فأشهد .. بقلم: د. عبدالحليم السلاوي
1 سبتمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
تلك الثورة السودانية التي أجمع القاصي والداني علي تفردها وتميزها تبدو وكأنها فقدت لياقتها الذهنية …. وليس الهدف من هذا المقال تشخيصها لمعرفة الاسباب التي جعلتها تفقد لياقتها الذهنية وتصبح أقرب لأن توصف بأنها فقدت بوصلتها وضلت طريقها … فالمسألة واضحة وضوح الشمس في منتصف النهار….. هذا التشاكس والتناحر والتمحور الذي نراه بين مكونات الحاضنة السياسية والرغبة الكامنة لدي المكون العسكري للوصول الي نيل تفويض جماهيري أضحت جلية ولا تحتاج الي درس عصر …. محاولات سرقة ثورة هؤلاء الشباب لم تعد خافية علي أحد.
الشباب الذي سكب دماءه الطاهرة العزبزة من أجل الحرية والسلام والعدالة لن يكون صيدا سهلا من جديد …لن يكون من السهل الضحك عليهم مرة أخري … الرسائل والإشارات التي يتم توجيهها لهم كل دقيقة .. بل كل ثانية من خلال تعقيد أمور حياة الناس اليومية وتضنيك معيشتهم كما حدث في دول أخري سبقتنا في فنون الحصول علي شتي أنواع التفويضات ……. مضمونها هو أن الحكومة المدنبة قد فشلت ولم يتبق لكم أيها الشباب سوي أن تهبوا لرفض المدنية المزعومة ونحن لكم آذان صاغية…. لكن هيهات ثم هيهات … فإن انضحك عليهم مثني وثلاث سوف لن ينضحك عليهم رباعا والشباب قد استوعبوا الدروس وادركوا أن لا مناص من الصبر علي المكاره ما أمكن حتي الوصول بالفترة الإنتقالية الي نهاياتها والولوج الي آفاق صناديق الإقتراع.
لكن من الضروري جدا … بل من الواجب علي شباب الثورة أن يعي تماما أن مجرد الوصول الي صناديق الإقتراع سوف لن يكون حلا سحريا للمشكل السوداني علي الإطلاق ولن يقود الي تحقيق احلامنا ببناء سودان جديد ….. فلقد هرمنا ونحن ننادي ونطالب بتجديد الروح والأمل في أحزابنا التقليدية حتي تستطيع تحقيق ولو جزأ يسيرا مما يصبو اليه شباب الثورة ….. الحقيقة بكل بساطة هي أن القوي السياسية التي لا تمارس الديمقراطية في داخل احزابها لن يصدق أحد ان باستطاعتها الإلتزام بتطبيق الديمقراطية خارج أحزابها علي أهل السودان …… كيف نفهم أن حزبا كبيرا مثل حزب الأمة ينادي بالديمقراطية ويدعي أنه يحارب من أجلها يظل رئيسه علي قمة هرم الحزب منذ ثورة أكتوبر وحتي تأريخه …. وكي أكون منصفا ليس ذلك بالطبع حصرا علي حزب الأمة فهو ايضا ينطبق تماما وبالمسطرة علي الحزب الإتحادي الديمقراطي.
وبالعودة الي موضوع الإنتخابات فالسؤال الماثل امامنا الآن هو ماذا أعد الشباب لهذه الإنتخابات بعد عبور الفترة الإنتقالية بسلام….. ما نكاد نراه بالعين المجردة مع الأسف الشديد هو أنهم لم يعدوا شيئا … وتظل الخيارات أمامهم محصورة إما في السير في ركاب الأحزاب التقليدية التي من المؤكد أن الشباب سوف لن يجد ضالته ومبتغاه فيها وقد عفا عليها وعلي شعاراتها الزمن …. وربما ينتهي الأمر في الإنتخابات بنيل الحزب التقليدي الفلاني أو ذاك أغلبية ميكانيكية ونبدأ رحلة الإستعداد لفشل قادم يعقبه البيان رقم واحد وتدور الساقية … أو في السير وراء قوي تبدو حديثة في شعاراتها لكنها لا تعبر عن الحاجات الأخلاقية والروحية لشعب السودان وهي كذلك لا تحمل جديدا بين طياتها…. ما يجعلنا نتوجس خيفة علي مستقبل هؤلاء الشباب وعلي مستقبل السودان أن شبابنا ما يزال مشغولا بالمليونيات وتتريس الشوارع وتعطيل قدراتهم أو جزء منها خصما علي الإعداد والإستعداد لمرحلة ما بعد الفترة الإنتقالية… وأرجو أن لا يفهم حديثي هذا علي أنني أعترض علي مبدأ الإحتجاج والتعبير عن الرأي لكن لابد من التنبيه الي ضرورة مليء الفراغ التنظيمي الواضح علي مستوي الشباب.
إذن في ضوء هذا الفراغ التنظيمي للشباب … لابد لهم من الإستعداد من الآن بالدخول في ورش ونقاشات سياسية ومنتديات شبابية لبلورة أفكار جديدة تعبر عن تطلعاتهم ورؤآهم في قيم شعارات الحرية والسلام والعدالة والشكل الذي يريدون أن يروا عليه سودان الحاضر والمستقبل …… ولن أكون في حالة من التعجب الشديد لو سمعت غدا أن الشباب قد أسسوا حزب الحرية الذي يدعو الي التمسك بحرية التعبير اضافة الي كافة الحريات الأخري مثل حرية العبادة وخلافه…. وكذلك لن أكون مستغربا أن سمعت غدا أن الشباب قد قاموا بإنشاء حزب العدالة الذي يرفع شعار المساواة في المواطنة لكل السودانيين علي مختلف أعراقهم في الحقوق والواجبات … ولن أكون إلا في غاية الفرح والبهجة والسرور لو اني سمعت غدا أن الشباب قد قاموا بتأسيس حزب السلام الذي يرفع شعار تحقيق السلام والتعايش بين القبائل والأعراق في جميع ارجاء وطننا الغالي والعمل علي نشر الوعي والثقافة في كل ما يخص السلام وديمومة السلام.
إن لم يبدأ الشباب بعمل ذلك منذ الآن وبهمة لا تلين أستطيع أن أؤكد لكم أن رئيس الوزراء القادم في سودان ما بعد الإنتخابات هو السيد الإمام يحفظه الله ويمد في عمره … وأن زعيم المعارضة داخل البرلمان هو ممثل الحزب الإتحادي الأصل بلا منازع.
سادتي … السودان في أمس الحاجة الي أحزاب جديدة أعمدتها من الشباب وهم وحدهم القادرون علي أن يطرحوا حلولا لمشاكلنا من خارج الصندوق …أكرر من خارج الصندوق …. ولن يتم ذلك إلا إذا فهم الشباب ما يدور حولهم الآن وعملوا علي تفاديه.
الأمل … كل الأمل … ألا تدور الساقية من جديد وندخل في دوامة الدائرة الخبيثة.
ألا قد بلغت … اللهم فأشهد.
د.عبدالحليم السلاوي
asalawi@gmail.com