بعد قيامه، قبل سنوات خلت، بعقد مقارنة بين موارد الهند و عدد سكانها، حكم العالم الإقتصادي السويدي، قونار ميردال، في مؤلفه Asian Dilemma” ” أي “المأزق الآسيوي” على الهند بالفناء. ذلك أنه قد تجلت له، من خلال تلك المقارنة، المفارقة الصارخة و المأساوية بين موارد الهند المتواضعة وعدد سكانها الهائل و الذي كان يناهز المليار نسمة آنذاك، ما جعله يذهب إلى ما ذهب إليه من حكم.
و مما لا شك فيه فإن ما توصل إليه ذلك العالم من نتيجة ينسجم و منطق الأشياء. فمن الإستحالة بمكان أن تتمكن دولة بها هذا الكم الهائل من البشر من توفير سبل العيش لهم، ما لم تكن مواردها ضخمة بالقدر الذي يمكنها من توفير الأساسيات لشعبها، أو تحدث بها معجزة من نوع ما. غير أن القيادة الهندية قد قبلت، برغم ذلك الوضع القاهر، التحدي و أعدت العدة لمجابهته و ذلك على نحوٍ برهنت معه على تعاملها مع تلك “الحالة” بعبقرية إدارية فذّة، حسبما يتضح من خلال هذا المقال.
و في تقديري أن الظروف “الإستثنائية” غالباً ما تتمخض عنها حلول “إستثنائية” إذا توافرت الإرادة لمواجهة التحدي من خلال إستيعاب مكوناته و رسم خارطة طريق “ذكية”، واضحة المعالم له و ذلك من أجل تفكيك تلك المكونات.
و فيما يتعلق بحكم ذلك العالم فإنه، و رغم وجاهته التي يؤيدها واقع الحال و كل المعطيات الإقتصادية بالهند آنذاك، قد إصطدم بحالة هزّت “منطقه” و كادت أن تقتلع أسسه من جذورها. فالإقتصاد الهندي، و خلافاً لكل التوقعات، ظل ينمو بوتيرة تصاعدية تبعث على الدهشة. و وفقاً لرصد و متابعة مسيرته و خطها البياني من قبل الدوائر الإقتصادية العالمية المعنية، تأكد أن النمو المتصاعد غدا طابعاً مميزاً لذلك الإقتصاد. و بالقطع فإن ذلك المسار الواعد لإقتصاد الهند يؤكد، دون ريب، أنها قد أجرت، لا محالة، معالجات غير عادية في بنيتها الإقتصادية، قلبت كل الموازين و أثارت جدلاً لاجباً في أوساط الإقتصاديين الدوليين كونها مثلت إختباراً صعباً لمناهج البحث العلمي الإقتصادي.
وقد حرّضت تلك “الحالة” الإقتصادية الهندية المتفردة دوائر الإقتصاد العالمي على مضاعفة متابعتها لها بغرض فك طلاسمها و شفراتها توطئةً لمعرفة كنه ذلك الإنقلاب الإقتصادي المهول. و قد قادتها متابعتها تلك إلى حقيقة مفادها أن سر التحول الإقتصادي المبشر ذاك يكمن في إستيعاب الحكومة الهندية للواقع الإقتصادي لبلادها و إدراكها أنه سيفضي إلى نهايات مدمرة ما لم تتم محاصرته و السيطرة على تدهوره المريع. وقد إنفعلت القيادة الهندية، كما يبدو، بـ”قضية” بلدها و تفاعلت معها ثم صممت، من بعد، على إبتداع و “تجييش” كل “الآليات” التي تمكنها من قهر ذلك الواقع. و ليتسنى لتلك القيادة الحصيفة العمل على ترجمة ذلك إلى واقع محسوس فقد قامت، بإعداد “إستراتيجية” ذكية أعلنت، من خلالها، الحرب على الفقر و صوبتها، بصورة أساسية، على جيوبه، بغية تعبيد الطريق لتأسيس إقتصاد متطور و ديناميكي يهدف إلى ترقية الحياة
المعيشية للمواطن و يعمل على زيادة دخله ثم يفتح الأبواب أمام البلاد لترتاد فضاءات الإقتصاد العالمي الرحبة.
و لكي تعمل على توفير أسباب النجاح لتلك “الإستراتيجية” فقد تبنت عملية “ترويج” لإستراتيجية إعلامية “باطنية” تعد وجهاً من وجوه “الإستراتيجية” الأصلية. و تتمثل الإستراتيجية الإعلامية في ضرورة إدراك كل مواطن هندي بمن فيهم الذين يقطنون في الكهوف أهمية العمل، حاثةً الجميع على الإنتاج بحسبانه المنقذ للكل من العوز و البؤس و الشقاء. و قد رسّخت تلك الإستراتيجية، بعد ذيوعها الواسع، في أذهان الناس مفهوماً أساسياً فحواه أنه إما أن يعمل الفرد و ينتج أو يموت جوعاً.
وقد تبنت “الإستراتيجية الأصلية”، بصورة عامة، إتجاهاً إصلاحياً بحتاً يقوم على وضع الواقع الإقتصادي على بساط البحث بغيه تشريحه و إيجاد الحلول الشافية له.
و قد كان لهذا الجهد “العبقري” لدولة الهند مردودات إيجابية غير مسبوقة و غير متوقعة وضعت إقتصاد تلك البلاد في غضون سنوات قلائل في مسار جديد دفعها دفعة قوية إلى الأمام حتى وجدت لها موطيء قدم راسخة وسط الدول الإقتصادية التي يُشار إليها بالبنان ما جعلها تحتل مكانة إقتصادية عالمية مرموقة.
و بطبيعة الحال لا يتأتى للهند، و هي بلد موسوم بالإنفجار السكاني الجامح، أن تقضي على الفقر بصورة كلية، لكنها إستطاعت، من خلال إستراتيجيتها المشار إليها، كسر شوكته إلى حد معقول.
و من الأهمية بمكان الإشارة، هنا، إلى أن من المردودات الإيجابية لذاك الجهد الكبير أنه إنطوى على خطاب عظيم الدلالات و المعاني يتمثل في إيقاظ الشعب الهندي من سباته و تبصيره بحجم الخطر الذي يواجهه ثم إستنفاره و شحذ هممه و كذا تفجير طاقاته و ذلك إلى حدٍ جعل جل الشعب عند مستوى المسؤولية التاريخية المرجوة. و قد تمثلت ثمرة هذا الجـهــد الجبّار أيضاً في نجـاح الهند في تحقيق الإكتفاء الذاتي من الغذاء لقرابة المليار نسمة و ولوجها عالم الصناعة من أوسع الأبواب مع إقتحامها ميدان الذرة و علوم الفضاء فضلاً عن نجاحها في خلق برجوازية مكتملة التكوين تعتبر الدعامة الحقيقية للديموقراطية فيها.
غني عن القول أن من ثمار الجهد المعني و الذي يمثل إنطلاقة واعدة في ميدان التطور العام أنه فتح الأبواب لدولة الهند كي تبلغ غاياتها المنشودة و تعمل على تحقيق ذاتها عبر الإرتقاء بكل حقول المعرفة و ميادين التقنية و كذا من خلال ركوب “موجة” التنافس المحموم مع بقية الدول المتقدمة.
و بعد ثم بعد ثم بعد … أين بلادنا و قادتها من هذه “الطفرة الإدارية” التي نقلت الهند نقلة هائلة من بلد محكوم عليه بالفناء إلى دولة تقف جنباً إلى جنب مع دول الصدارة الإقتصادية العالمية؟!!!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم