كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
قراءة تحليلية من منظور الواقعية الكلاسيكية الجديدة
هنالك خيط ناظم بين حربي فيتنام على عهد الرئيس جونسون، وحرب العدوان على إيران في عهد الرئيس ترمب، وقد لا تسعف المحلل الأدوات التحليلية العادية في سبر أسباب الحربين إلا باستدعاء المدرسة الواقعية الكلاسيكية الجديدة (Neoclassical Realism)، التي ظهرت في أواخر القرن العشرين لتجيب عن سؤال لا تستطيع غيرها من المدارس الإجابة عليه. ذلك أنها تركز على تحليل طبيعة القائد وما يستتبعه ذلك من مرشّحات داخلية، كتصوراته وإدراكه للتهديد، وطبيعة الطاقم المحيط به، وقدرة المؤسسات على تصحيح المسار. وعندما تكون هذه المرشّحات سليمة، يصدر قرارٌ رشيد، وعندما تكون معطوبة، تُولد الكوارث.
فالرئيس ترمب، بكل ما يمثله من ظاهرة سياسية استثنائية، هو ربما أكثر الرؤساء الأمريكيين قابلية للتحليل من منظور هذه المدرسة تحديداً. فما يميزه عن أسلافه هو طريقة توليده للقرارات، فهو رئيس يعمل من الذات إلى الخارج لا من الواقع إلى القرار. صورته عن نفسه سابقة لأي تقييم موضوعي، وأحكامه على المواقف تنبع من احتياجاته الشخصية للظهور قبل أن تنبع من متطلبات الأمن القومي. وهذه الذاتية المفرطة التي تتجلى في تغريداته الصاخبة وتصريحاته المتقطعة تؤكد أنه يعمل وفق أسلوب تواصلي فريد ومختلف يمثل انعكاساً لآلية داخلية في صنع القرار قوامها: (أنا أولاً، والاستراتيجية تأتي لتخدم الصورة لا العكس). ولم يقتصر هذا النمط على السياسة الخارجية أو صناعة القرارات الاستراتيجية، فقد تجلى أثناء قمة مجموعة السبع (G7) في 17 يونيو 2026 بفرنسا، عندما دخل متأخراً نحو ساعة، ثم أعلن أمام زعماء الدول الكبرى — أنداده المفترضين — “I am the boss” (أنا الزعيم/البوس). هذه الإيماءة تكشف عن شخصية تُقدّم صورتها الذاتية (الرجل القوي الذي لا يُنازع) على أي اعتبار دبلوماسي تقليدي للاحترام المتبادل بين الأكفاء، وتعكس كيف تُشكّل احتياجاته النفسية للظهور بمظهر “البطل الذي لا يشبهه أحد في سلوكه اليومي، وبالتالي قراراته الكبرى.
وكما يُلاحظ فقد أحاط هذه الذاتية المفرطة بطاقم على مقاسها، وزراء ومستشارون لم يحلموا يوماً بتلك المناصب التي أُسبغت عليهم، وأكثرهم افتقاراً إلى العمق الاستراتيجي الحقيقي، وأشدهم ميلاً إلى ما يريد الرئيس سماعه لا ما تحتاجه الدولة سماعه. فلا صوت مستقل يقاطع، ولا خبرة راسخة تُصحح، ولا شجاعة تجرؤ على قول “لا” عندما يكون الرئيس مصراً على “نعم”. ولعل أبلغ مشهد على ذلك ما جرى في أعقاب عملية “اختطاف” الرئيس الفنزويلي مادورو، عندما وقف وزير خارجيته مارك روبيو يُثني عليه بالقول إنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي كان يجرؤ على هذا الفعل، فيما كانت الكاميرا ترصد وجه الرئيس وهو يهز رأسه بالرضا والاستحسان. ووزير دفاعه هو الآخر أردف بأنه “رئيس أفعال لا أقوال”. كان ذلك الثناء وقوداً يُضاف إلى محرك القرار.
ففنزويلا لم تكن سوى بروفة. رئيس شبه معزول، ودولة منشفكة السيادة، ومقاومة محدودة، ونصر سريع يمكن تصويره على أنه انتصار البطل الذي لا يتردد. والمنطق الاستراتيجي لم يكن بعيداً… النفط الفنزويلي ورقة ضغط على الصين التي باتت المستورد الأكبر له. غير أن ترمب، بعد أن استساغ طعم هذا النمط من القرارات الجريئة وشبع من ثناء بطانته المحيطة، انتقل بالمنطق ذاته إلى ساحة مختلفة تماماً: إيران.
إذ كانت القناعة في ذهنه راسخة من قبل. فإيران لا ينبغي أن تمتلك السلاح النووي، وقناعته التي لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها أنه هو الرئيس الوحيد الذي سيجرؤ على تخليص العالم من هذا التهديد. والخطة بدت في مخيلته ناجعة كفنزويلا… ضربة خاطفة تُزيل القيادة السياسية والدينية، وينهار النظام تحت وطأة الصدمة، ثم تفرض أمريكا رؤيتها على مستقبل البلد وتضع يدها على النفط حارمةً الصين من هذا الشريان الحيوي، تماماً كما في كاراكاس.
بيد أن إيران لم تكن فنزويلا. فهي دولة ذات عمق استراتيجي راسخ وتجربة قتالية ممتدة، كانت مستعدة للمواجهة ومهيأة لها، في ظرف جيوسياسي تقف فيه الصين خلف الكواليس لا مكتوفة الأيدي، ولا يمكن استبعاد روسيا من معادلة الموقف. والتقدير الذي كان سليماً في حالة فنزويلا، بينما كان معطوباً في حالة إيران، لأنه لم يُبنَ على تحليل مؤسسي رصين للفوارق، وإنما على نمط نفسي ثابت: أنا فعلتها مرة فسأفعلها مرة أخرى.
ودون إنكار أثر البنية الاستراتيجية الأوسع، بما في ذلك حسابات الصراع مع الصين، وضغوط الحلفاء، وتعقيدات التوازنات الإقليمية والدولية، فإن طريقة ترجمة هذه الضغوط إلى قرار حرب حملت بصمةً شخصية واضحة للرئيس، وهي البصمة التي تمنح الواقعية الكلاسيكية الجديدة قدرتها التفسيرية في فهم كيف يمكن للمرشّحات الداخلية أن تُعيد تشكيل استجابة الدولة حتى في ظل المعطيات الدولية نفسها.
وهنا يظهر خيط رفيع تمدنا به المدرسة الواقعية الكلاسيكية الجديدة بين جونسون وترمب ولو بعد كل تلك العقود الطويلة. فبين فيتنام وإيران مساحات شاسعة، لكن الواقعية الكلاسيكية الجديدة ترى خيطاً واحداً يربطهما، هو انفلات القرار من الرؤية الاستراتيجية الكلية للدولة واستبداله بالهاجس الشخصي للقائد.
جونسون كان خائفاً من الوصمة التاريخية، من أن يُوصف في ظل استقطابات الحرب الباردة بأنه الرئيس الذي خسر آسيا، فواصل حرباً كان يعرف في أعماقه أنها خاسرة. وترمب كان راغباً في الوصمة المعاكسة، في أن يُحفر اسمه بوصفه الرئيس الذي خلّص العالم من “التهديد النووي الإيراني”، فأقدم على حرب لم تكن الاستراتيجية الأمريكية تستدعيها بهذه الصورة وفي هذا التوقيت.
وكلتا الحربين دفعت ثمنها الشعبية الداخلية، ليس لأن الأمريكيين يرفضون الحرب مبدئياً، ولكن لأنهم يشعرون، وإن عجزوا عن التنظير، أن هذه الحرب لم تُشن باسمهم ولا بحساب لمصالحهم. لقد كانتا حربين باسم صورة يحتاجها كل رئيس لنفسه.
مهما يكن من أمر، فالواقعية الكلاسيكية الجديدة لا تُبرئ الخصوم ولا تُبرئ الحلفاء الضاغطين، لكنها تُذكّرنا أن القرار الأخير يُصنع داخل غرفة واحدة وخلف مكتب واحد وفي رأس واحد. وعندما يكون ذلك الرأس محاطاً بمن يُزيّنون له بدلاً من أن يُنيروا له، تُصبح السياسة الخارجية للأمة الأقوى على وجه الأرض رهينةً بأحلام رجل واحد في الظهور بمظهر البطل الذي لا يشبهه أحد. وذلك، في حد ذاته، هو التهديد الأكبر لأمن الدول وسلامة الشعوب.
والدرس الذي علّمتنا إياه فيتنام لم يتعلمه من جلس بعدها في ذلك المكتب، وتبقى الأمم تدفع الثمن.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
