إيقاف وإنهاء الحرب .. ولكن كيف؟ (4-7)

 


 

 

د. شمس الدين خيال
المانيا، في 05.05.2024

في الجزء الأول من هذه الورقة تم تسليط الضوء علي ما استخلصته الابحاث العالمية عن السلام والصراع (Peace and Conflict Research) من سيناريوهات أساسية لإيقاف وانهاء الصراعات المسلحة، وعلي الاشكاليات العسكرية والسياسية المرتبطة بهدن وبتجميد الحروب كأليات لإيقاف الاقتتال وكتمهيد لأنهاء الحروب. وتم في ذلك تقديم بعض الامثلة لمجري الصراعات في الماضي وفي الحاضر، بما فيهم الصراع المسلح الجاري الآن في السودان بين "الجيشين الرسميين". ومثلت الثلاثة السناريوهات الاساسية الآتية لإيقاف وانهاء الحرب:
1- الدبلوماسية السياسية
2- ضغوطات الانهيار الاقتصادي، أو، والانفجارات الشعبية السياسية العريضة والقوية
3- الانتصار العسكري لإحدى الفريقين المتحاربين على الآخر
التي تبلورت عبر الصراعات المسلحة في تاريخ البشرية، محور الجزء الأول. وفي الجزء الثاني تم إرتباطاً بضرورة تفهم حقيقي لطبيعة الجيشين الرسميين المتحاربين وللداعمين لهم في الداخل، ولأسباب حدوث واستمرار الحرب، كشروط أساسية لنجاح أي عملية دبلوماسية لإيقاف ولأنهاء الحرب الجارية، تسليط الضواء علي طبيعة المنظومة الدفاعية والامنية – الجيش القومي، وقوات الدعم السريع، وعلي جزور وتطور القناعات السياسية والاقتصادية لقياداتها العليا. كلا الجزئيين تم نشرهم علي هذا الموقع بتاريخ 10.03.2024 وبتاريخ 19.03.2024.
في الجزء الثالث تم تسليط الضواء علي الوضع الميداني والقوة العسكرية العتادية والبشرية والمادية "للجيشين الرسميين" بعد عام من اندلاع الحري، كعامل وكشرط أساسي لحالة "نضوج للصراع"، تجعل إيقاف وانهاء دائم للحرب ممكننا. في ذلك تم التعرض للعوامل المؤثرة في نضوج الصراعات لأنهائها، والمتمثلة: في السيطرة العسكرية في ميدان الحرب، والاستقطاب والاستنفار للمواطنين ودوافعهم وتداعياتهم العسكرية والإنسانية، والوضع العسكري العتادي والبشري للفريقين، والتدمير، الذي اصاب المنشئات الصناعية العسكرية اثناء القتال وبسبب النهب والتخريب، والعزلة السياسية الخارجية للفريقين، والحظر الاقتصادي الخارجي علي كيانات وأفراد ذات صلة بالحرب.
في هذا الجزء الرابع يتم تقديم صورة عن التطورات الأخيرة والمتوقعة في ساحات الحرب من اجل تسليط الضوء علي مدي تأثير الفقد العسكري العتادي والبشري والمادي للفرقين خلال عام من الحرب، ومحدودية دور استقطاب واستنفار المواطنين في ميدان الحرب علي مقدراتهم العسكرية في مواصلة القتال لتحقيق وضع عسكري ميداني يحسن من وضعهم التفاوضي.
ويعتمد هذا الجزء علي بيانات وتقارير واردة في وسائل الاعلام المحلية والعالمية عن التطورات الأخيرة والمتوقعة في ساحات الحرب، وذلك بعد التدقيق -بقدر الامكان- في مصداقيتها!
التطورات الأخيرة والمتوقعة في ساحات الحرب
بعد سيطرة الجيش علي اجزاء كبيرة من ام درمان بما فيهم مقر الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، ذو الرمزية السياسية الوطنية والاثر المعنوي العسكري، تشير تقارير وتصريحات من قيادات الجيش ومن قيادات الحركات السياسية المسلحة والمليشيات الجهادية الإسلاموية والمتطوعين: الي تحضير للسيطرة علي المواقع ذات الرمزية السياسية الوطنية وذات الأثر المعنوي العسكري، مثل "مصفاة تكرير البترول" في محلية الجيلي شمال الخرطوم بحري، ومصنع "سكر سنار" الواقع غرب ولاية سنار، ولتكثيف القتال في مدن العاصمة الثلاث، ولمعارك من اجل دحر قوات الدعم السريع من مدينة مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وافشال الهجوم المتوقع والسيطرة علي مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وعلي مدينة الابيض عاصمة شمال كردفان، وللسيطرة علي المواقع ذات الرمزية السياسية الوطنية وذات الأثر المعنوي العسكري، مثل "مصفاة تكرير البترول" في محلية الجيلي شمال الخرطوم بحري، ومصنع "سكر سنار" الواقع غرب ولاية سنار، والتي تسيطر عليهم قوات الدعم السريع.
من اجل تحقيق هذه الاهداف العسكرية، يقوم الجيش منذ بداية هذا العام، بعمليات حشد لجنود وعتاد عسكري علي مشارف الجبهات المختلفة، ومعارك برية عبر تحركات من ولايات سنار والقضارف في شرق وجنوب البلاد، ومن الشمال علي الجزء الشمالي من الخرطوم، ويقوم سلاح الطيران بعمليات جوية مكثفة على مواقع قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة وأجزاء من ولاية سنار وفي ولايات كردفان وبكثافة في ولايات دارفور. وجدد الجيش مطالبته من المواطنين بالابتعاد عن "مناطق تجمعات الدعم السريع" بمختلف جبهات القتال، واكد أن هذه التجمعات ستكون أهدافا عسكرية مشروعة.

1. جبهة ولاية الخرطوم
في جبهة القتال في المدن الثلاثة لولاية الخرطوم تتجدد الاشتباكات بشكل متقطع بقصف جوي ومدفعي من قبل الجيش علي ارتكازات قوات الدعم السريع في محيط القيادة العامة للجيش وقاعدة جبل اولياء، وبالرد عليها من قبل قوات الدعم السريع. في حين تشهد منطقة المهندسين في أمدرمان، والتي يسيطر الطرفين علي اجزاء منها، اشتباكات متقطعة. وتتركز عمليات الجيش، حسب تصريح النائب الأول لقائد الجيش، ياسر العطاء، في مهاجمة ارتكازات قوات الدعم السريع علي مداخل الطرق المؤدية للعاصمة من جهة الجنوب والغرب. وحسب الأخبار المنشورة في الاعلام الداخلي، تدور اشتباكات متقطعة ومتفرقة في وحول القري المتاخمة لمدينة القطينة، وتندلتي بهدف السيطرة علي الطريق الذي يربط شمال كردفان مع أم درمان عبر ولاية النيل الأبيض. وتشهد الطرق المؤدية للعاصمة قتالا في قرى ود الزاكي ونعيمة القريبة من القطينة. حيث تشير مصادر اعلامية داخلية الي تقدم الجيش عبر مجموعات عسكرية لفتح الطريق جنوبا، كما تحاول فتح الطريق بين ولايتي شمال كردفان والنيل الأبيض.
وبينما تسيطر قوات الدعم السريع على عدد من المداخل المؤدية إلى العاصمة؛ من الجنوب بعد سيطرتها على مدينتي جبل أولياء والقطينة التابعة لولاية النيل الأبيض، ومن الجنوب الشرقي بعد سيطرتها على ولاية الجزيرة، ومن الغرب بعد انتشارها في مناطق حمرة الشيخ ودار حامد غربي أم درمان، تسيطر قوات الجيش فقط علي مدخل شمال أم درمان من ولاية نهر النيل. وتعيش مناطق في غرب حارات محلية كرري قصف مدفعي مستمر من جهة محلية أمبدة غرب الخرطوم، والتي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. ويقوم الجيش بالمقابل بقصف أماكن تمركز قوات الدعم السريع في شمال بحري، وجنوب الحزام، وحارات أمبدة ومنطقة الصالحة جنوب أمدرمان التي يوجد بها معسكر لقوات الدعم السريع.
وفي محور الحرب شمال العاصمة، تشهد مدينة الجيلي شمال الخرطوم منذ اسابيع، معارك متقطعة في اتجاه مصفاة تكرير البترول، موقع ارتكاز قوات الدعم السريع. وحسب تصريحات للجيش، استطاعت قواته والقوات الداعمة له من تحقيق تقدم كبير نحو المصفاة، وفرض حصار عليها من جهة الشمال بموجب تحركات عتاد وجنود مشاة من "قاعدة المعاقيل العملياتية" جنوب محلية شندي ومن الجنوب من الخرطوم بحري محلية الكدرو، حيث تتواجد فيهم "سلاح الأسلحة" و"سلاح الإشارة" – "قاعدة حطاب العملياتية" و"معسكر العيلفون" . كما إعلان الجيش السيطرة علي "معسكر جبل جاري" شرق المصفاة، الذي يحوي مستودعات للوقود، وكانت تقوم قوات الدعم السريع بحراسته. وتشهد كذلك منطقة الكدرو مواجهات برية متقطعة يستخدم الجانبين فيها المدافع والطائرات المُسيرة والمدفعية الثقيلة. ونفت قوات الدعم السريع بيانات الجيش عن مجري المعارك هناك، واكدت إن قواتها مسيطرة علي ارتكازاتها في مصفاة الجيلي، و"نصبت كمينا لقوات الجيش القادمة من قاعدة المعاقيل، وأوقعت بها خسائر". ولا تتوفر بيانات من جهة محايدة تؤكد أو تنفي بيانات الفريقين حول القتال في جبهة الخرطوم، أو في جبهات القتال الأخرى، المتسعة والمتباعدة.

2. جبهة اقليم دارفور
بعد مغادرة "حركة العدل والمساواة" جناح جبريل ابراهيم، و"حركة تحرير السودان" جناح اركو مناوي، موقف الحياد في الحرب، ومشاركتهم في القتال إلى جانب الجيش في الخرطوم والجزيرة، أعلنت قوات الدعم السريع أن مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور اصبحت جبهة حرب وهدف عسكري لها. ومن قبل كان قد تم الاتفاق بين "القوات المشتركة"، المكونة من الحركات السياسية العسكرية الموقعة علي "اتفاقية جوبا للسلام" ومنضوية تحت ما سمي "مسار دارفور"، وبين قوات الدعم السريع، علي عدم القيام بعمليات عسكرية ضد وفي مدينة الفاشر. وهدف الاتفاق علي المحافظة على أمن المدينة، التي يسكنها اكثر من 1٫5 مليون مواطن، والتي لجأ إليها آلاف النازحين من مناطق القتال، ويعيش بعضهم منذ سنين تحت اوضاع إنسانية مزرية في معسكرات للاجئين.
وتكونت القوات المشتركة تحت مبدأ الحياد في الحرب، من اجل الاطلاع بمهام حماية المدنيين والمقرات الحكومية والتابعة للمنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية، ولضمان وصول المساعدات الإنسانية والقوافل التجارية. ولكن بعد إعلان حركة مناوي وحركة جبريل ابراهيم، انحيازهم للجيش، اصدر الطاهر حجر رئيس "تجمع قوى تحرير السودان" قرارا بالانسحاب من القوات المشتركة وتكوين قوة جديدة، لتقوم بنفس المهام. وتبعة في نفس الاتجاه سليمان صندل، رئيس “حركة العدل والمساوة” المنشقة عن قيادة جبريل ابراهيم. وأعلن صندل ايضاً، تشكيل جديد للقوة المشتركة تضم الحركات السياسية المسلحة الملتزمة بالحياد في الحرب، وهما "حركة العدل والمساوة" بقيادته، و"حركة تحرير السودان، المجلس الانتقالي" بقيادة الهادي إدريس، و"تجمع قوى تحرير السودان" بقيادة الطاهر حجر، و"التحالف السوداني،" بقيادة حافظ عبدالنبي.
ترك بعض الحركات السياسية المسلحة في مسار دارفور موقف الحياد في الحرب واعلان الانحياز للجيش، والانشقاقات التي طرئت بسبب ذلك داخل وبين الحركات المسلحة، واستعدادات الدعم السريع للهجوم علي مدينة الفاشر، ينزر بانفجار الأوضاع وتفاقم الازمة الإنسانية في مدينة الفاشر، وفي كل اقليم دارفور. حيث اعلنت الحركات السياسية العسكرية المنحازة للجيش استعدادها للتصدي لقوات الدعم السريع، عند محاولتها اقتحام المدينة، وقامت مع قوات الطيش بتوزيع السلاح علي المواطنين بقدر منقطع النظر. وقامت حركات لازالت تعمل تحت لواء القوات المشتركة بالهجوم علي مقر قيادة هيئة الاركان لحركة "جيش تحرير السودان- المجلس الانتقالي" بقيادة الهادي إدريس، بالمقر السابق لبعثة اليوناميد بدارفور. واشارت التقارير الواردة أن القوة التي هاجمت حركة الهادي إدريس تابعة لمني أركو مناوي وجبريل إبراهيم والقوات المسلحة. وكان رئيس حركة تحرير السودان- المجلس الانتقالي الهادي إدريس قد اتهم استخبارات الجيش بإحداث انشقاق داخل حركته. وسوف يزيد من تعقيد الازمة السياسية والإنسانية ذات الصبغة القبلية والاثنية في كل اقليم دارفور، إعلان رئيس ،"مجلس الصحوة الثوري"، وزعيم قبيلة المحاميد الشيخ موسى هلال قبل أيام انحيازه إلى الجيش والقتال معه ضد قوات الدعم السريع، وتبرأ بعض قيادات الإدارات الأهلية لقبيلة المحاميد في ولاية غرب دارفور من تصريحات هلال.
في ظل هذا الانشقاق، الذي طراء علي حركات مسار دارفور، استطاعت قوات الدعم السريع في 15 أبريل الجاري، بعد معارك ضارية مع قوات الجيش وقوات الحركات المتبقية ضمن القوة المشتركة، من السيطرة علي مدينة مليط بولاية شمال دارفور، والتي تبعد 60 كيلو من الفاشر عاصمة الولاية. وذلك بعد ان أجبرت قوات الدعم السريع قوات الحركات السياسية المسلحة المتبقية ضمن القوة المشتركة علي الانسحاب. وتمتلك مدينة مليط موقع استراتيجي، بسبب حدودها مع الولاية الشمالية، وارتباطها ب"مسار الدبة الفاشر" الذي حدده الجيش لإيصال المساعدات الانسانية لسكان إقليم دارفور، وتواجد مدخل بها لطريق التجاري من ليبيا. واستطاعت قوات الدعم السريع بموجب السيطرة علي مدينة مليط من احكام الحصار، ومن رفع ووتيرة وقوة العمليات الهجومية علي مدينة الفاشر، بهدف السيطرة عليها. وفي حالة سيطرة قوات الدعم السريع علي مدينة الفاشر، ذات الأهمية الاستراتيجية لحدودها من الغرب مع تشاد ومن الشمال الغربي مع ليبيا، سوف يصبح كامل اقليم دارفور - بموجب سيطرتها الحالية على ولايات جنوب دارفور وعاصمتها نيالا، ووسط دارفور وعاصمتها زالنجى، وشرق دارفور وعاصمتها الضعين وغرب دارفور وعاصمتها الجنينة واقع تحت سيطرتها العسكرية.
من اجل افشال خطة قوات الدعم السريع للسيطرة علي كل اقليم دارفور، يقوم سلاح الطيران التابعة للجيش بغارات جوية مكثفة علي مواقع سيطرة قوات الدعم السريع داخل وحول مدينة الفاشر. لتحقيق هذا الهدف أصبح القصف الجوي بالبراميل المتفجرة هو الغالب في عمليات الجيش في اقليم دارفور، خصوصا بعد فقده لمدينة مليط. وعلي أثر قصف جوي من قبل الجيش بعد سقوط مليط قتل عدد من رعاة ونفقت اعداد كبيرة من الابل. ودعا هذا الحدث "تنسيقة القوي الديموقراطية المدنية (تقدم)" لشجب عمليات القصف الجوي باستعمال البراميل المتفجرة من قبل الجيش وقالت "إن استهداف الأعيان المدنية والمدنيين بالغارات الجوية باستخدام البراميل التفجيرية غير الدقيقة في إصابة الأهداف واسعة التفجير هو استمرار لسلوك قديم متبع منذ سنوات الحروب الأهلية بالبلاد". ودعت طرفي الحرب الي التوقف عن استهداف المدنيين ومناطق تواجدهم وممتلكاتهم، والي وقف الحرب لتجنيب البلاد كارثة أكبر من التي تعيشها منذ 15 أبريل 2023.
في هذا المضمار دعا "مجلس الآمن الدولي" في 27 أبريل الجاري، الفريقين إلى توقيف الحشد العسكري واتخاذ خطوات لتهدئة الوضع والالتزام بالقانون الإنساني الدولي في حماية المدنيين. وقبلها، في 24.04.202 عبرت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها، عن انزعاجها "...من مؤشرات على هجوم وشيك” على الفاشر من قبل " قوات الدعم السريع والميليشيات التابعة"، وحذرت من المخاطر، التي تهدد المدنيين من السكان والنازحين. وعبرت أيضا عن انزعاجها مما تردد عن قيام قوات الدعم السريع بتدمير عدة قرى في غرب الفاشر، وعن قصف جوي "عشوائي" وقيود تعرقل انسياب المساعدات الإنسانية من قبل الجيش. وحذرت الأمم المتحدة من أن نحو 800 ألف شخص في مدينة الفاشر معرضون لخطر شديد في ظل تزايد أعمال العنف والتهديد بانفجار صراع قبلي اثني في جميع أنحاء دارفور.

3. جبهة اقليم كردفان
وفي إقليم كردفان في غرب البلاد، تشهد ولاية شمال كردفان هجمات مستمرة من قبل الدعم السريع لإنهاء سيطرة الجيش على الولاية. وتحاصر قوات الدعم السريع، ومنذ منتصف أبريل في العام الماضي مدينة الأبيض من جميع الجهات وتحاول السيطرة عليها، فيما يواصل الجيش حماية مقر "قيادة الفرقة الخامسة مشاة" والمواقع الاستراتيجية داخل المدينة. وتقوم قوات الدعم السريع بين الفينة والأخرى بعمليات هجومية، وسط قصف متبادل حول وداخل المدينة. وادت هذه المواجهات العسكرية الدامية بين طرفي القتال وممارستهم للقصف العشوائي المتبادل الي سقوط مئات القتلى والجرحى من المدنيين. وبعد حصار منذ اغسطس في العام الماضي، وعمليات كر وفر استطاعت قوات الدعم السريع في 19.04.2024 السيطرة علي "معسكر سدرة" القريب من مدينة أم روابة. ويقع معسكر سدرة في منطقة "جبل الداير" بولاية شمال كردفان علي الحدود مع ولاية جنوب كردفان، ويتبع لإدارة "الفرقة العاشرة مشاة" المتمركزة في ولاية جنوب كردفان. وتقول التقارير الواردة أن قوات الدعم السريع تفرض سيطرته الكاملة على المنطقة بعد ان أجبرت الجيش على الانسحاب منها. و في ولاية غرب كردفان تقوم قواتها بهجمات مستمرة علي مدينة بابنوسة، لتكملت الاستيلاء علي كل ولاية غرب كردفان.
وقامت قوات الدعم السريع والمليشيات القبلية المتحالفة معها اثناء حاصرها لمنطقة جبل الداير، وحسب مصادر وردت في تقرير لصحيفة التغيير الالكترونية، بتاريخ 22.04.2024، بالاعتداء علي الشباب وتم اعتقال بعضا منهم، وبخطف للنساء، ونهب للمواشي والمحاصيل، وبتخريب لمصادر المياه. وفي نفس المضمار، وحسب بيان على موقعها الإلكتروني و"راديو دبنقا"، اتهمت "الحركة الشعبية\شمال" بقيادة عبد العزيز الحلو، قوات الدعم السريع باستهدافها المنطقة على "أساس اثني"، وقالت أنها "ارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من القتل والتمثيل بالجثث والتنكيل والتشريد ونهب الممتلكات والتهجير القسري".
كذلك، وعلي نسق حادثة قطع الرؤوس وسلخ ودهس جنود الخصم، وجريمة قتل والي ولولاية غرب دارفور، خميس عبد الله أبكر، ظهر في 22.04.2024 في مقطع فيديو، متداول في وسائل التواصل الاجتماعي، جنود يرتدون ذي الجيش يقودهم ضابط برتبة لواء وهم "يكبرون ويهللون" ويحملون سكاكين وسط جثامين لثلاثة أشخاص بملابس مدنية في منطقة قريبة من مدينة الأبيض. ويبدو أن الضحايا قتلوا ذبحا بزعم أنهم ،"قادة" في قوات الدعم السريع. واكدت هذه الحادثة البشعة ما تم تناوله في الجزء الثالث من هذه الورقة عن التداعيات الإنسانية المرتبطة بالحرب وتمددها، وبتزايد الوضع الميداني الضعيف للجيش، واستنفاره لميليشيات جهادية اسلاموية محسوبة على الحركة الإسلامية، مثل "كتيبة البراء" و"نسور الاحتياط".

جبهة ولاية الجزيرة وسنار
تبعاً للتصريحات قادة الجيشين الرسميين المتحاربين، وللتقارير والأخبار المتداولة في وسائل الاعلام الداخلية والخارجية، يتواصل القتال في ولاية الجزيرة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها قبل اربعة اشهر، خصوصا في الجزء الشمالي من ولاية سنار باتجاه محوري غرب سنار والمناقل. واكدت منظمة الهجرة الدولية، في منتصف ابريل، أن قوات الدعم السريع تقوم بهجوم على مواقع مختلفة بولاية سنار في الجنوب الشرقي، خصوصا علي سنجة والدمازين، مع قيام الجيش بعمليات قصف بالطيران وعمليات برية من "الفرقة 17 مشاة" بمشاركة قوات من الحركات المسلحة والمليشيات الجهادية الإسلاموية والمتطوعين، ويدور قتال منذ اسابيع حول ارتكازات قوات الدعم السريع في محيط "مصنع سكر سنار" الواقع غرب ولاية سنار. وشهدت في الأيام الأخيرة مناطق شرق الجزيرة، التي تربط الخرطوم بشرق السودان معارك بين الفريقين. من اجل السيطرة على الطريق الشرقي، الذي يربط وسط وشرق البلاد. وتشير التقارير الواصلة من مناطق القتال الي قيام الجيش بهجوم من عدة محاور؛ من شرق وجنوب وغرب الجزيرة.
وبينما اعلنت قوات الدعم السريع نجاحها في صد هجمات الجيش والتقدم جنوبا، إعلان الجيش تقدمه والسيطرة علي مواقع متقدمة. واعلنت قوات الدعم السريع عن نصبها لكمائن لتحركات الجيش، أدت الي تكبيده خسائر كبيرة، واجبرته علي التراجع نحو الشرق، فيما لم يصدر تعليق رسمي من الجيش عن نتائج لعمليات العسكرية محددة. واستباقا لهجوم الجيش وحلفاءه، تقوم قوات الدعم السريع بجانب الدافع علي مواقع سيطرتها بالهجوم علي ولاية سنار المجاورة، والتي تعتبر ملتقى طرق لولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض، ولها حدود مع دولتي إثيوبيا وجنوب السودان.
ويتزامن تكثيف القتال في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع والمناطق الحدودية لها، تكثيف لحملات اعتقالات وملاحقات قانونية تستهدف اعضاء في الاحزاب السياسية، ونشطاء في غرف الطوارئ ومتطوعين في المبادرات الانسانية، وأعضاء في لجان المقاومة بمحليات الولاية المختلفة من قبل قوات الدعم السريع ومن قبل استخبارات الجيش. في هذا المضمار رصدت "مجموعة محامو الطوارئ" في تقرير لها في 20.04.2024 اعتقالات واسعة بين المواطنين النشطين سياسياً واجتماعيا تقوم بها "استخبارات الفرقة 17 مشاة،" التابعة للجيش في ولاية سنار، ووصفت الولاية بانها صارت "ولاية الرهائن والمعتقلين". وفي الجانب الاخر بثت قوات الدعم السريع على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو، في 20.04.2024، أعلنت فيه إطلاق سراح جميع أسرى "معركة محوري غرب سنار وجنوب الجزيرة" من أبناء الولايتين، بتعليل أنهم ،"ابرياء" تم استغلالهم من قبل "فلول الكيزان".
وعلي اثر قصف جوي، يرجح رجوعه لسلاح طيران الجيش، في 17.04.2024، علي "حي الدباغة" بمدينة مدني، قتل عدد وجرحت اعداد كبيرة من المواطنين ودمرت منازلهم. وقال احد الشهود في مقطع فيدو متبادل في وسائل التواصل الاجتماعي ".. أن الطيران يقصف السكان وأن القوات الجوية لا تستطيع تحديد أهدافها بدقة وأن معظم القصف في ولاية الجزيرة يصيب منازل المواطنين". وفي تقارير سابقة واردة من "لجان مقاومة مدني" تم رصد أكثر من 800 قتيل وآلاف الجرحى والمصابين، ونهب لآلاف السيارات والآليات الزراعية منذ سيطرة قوات الدعم السريع علي معظم ولاية الجزيرة.

4. جبهات جديدة في الحرب
تزامنا مع عمليات الاستنفار والتحشيد من قبل جيش وقيامه بعمليات عسكرية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع توسعت رقعة الحرب، باستخدام تكنلوجية الطيران المسير في مناطق خارج نطاق السيطرة الحالية لقوات الدعم السريع. حيث استهدفت، في 23.04.2024 4 طائرات مسيرة المطار العسكري في مقر "الفرقة الثالثة مشاة" بمدينة شندي شمال الخرطوم. وحسب مصادر من الجيش لم يخلف هذا الهجوم أي أضرار، وان مضاداته الأرضية استطاعت اسقاط ميسرتين داخل مقر الفرقة و ثالثة خارجه. وبعد يومين من اعلان هذا الهجوم، اعلن الجيش في 25.04.2024، تصدي مضاداته الأرضية لثلاث طائرات مسيرة حلقت فوق مطار مروي بالولاية الشمالية. وحسب نفس المصدر أسقطت المضادات الأرضية التابعة للجيش" من مقر "الفرقة 19 مشاة" عددا منهم. وفي بداية الاسبوع الثاني من أبريل الجاري استهدفت طائرتين مسيرات مكتب جهاز المخابرات العامة بولاية القضارف شرقي السودان. وقبلها، وفي بداية ابريل، تعرض إفطار رمضاني بإحدى صالات الأفراح بمدينة عطبرة لمجموعة المليشيا الإسلاموية البراء بن مالك لهجوم بطائرة مسيرة، قتل فيه ما بين 15 الي 17 شخصا، وجرح عدد كبير من الحضور.
واعلنت قوات الدعم السريع أن عمليات الهجوم بالطائرات المسيرة علي ما يسمي Backland للجيش، جاء من خلفية الخلافات في تحالف الجيش والحركة الإسلامية وتواجد كتيبة البراء و"قامت به مجموعة من داخل الجيش معارضة لسيطرة الحركة الاسلامية علي الجيش". ولم يصدر الجيش توضيح عن طبيعة تلك المسيرات، أو الجهة المسؤولة عن إطلاقها. ولكن، ورغم عدم صدور اتهام رسمي من قبل الجيش أو من قيادات ميليشية البراء لقوات الدعم السريع بقيامها بهذه الهجمات الجوية، يشير كثيرا من المراقبين، ومنصات إعلامية مقربة من الجيش، الي مسؤولية الدعم السريع عن هذه العمليات. ويعزز "نظرية" مسؤولية قوات الدعم السريع عن هذه العمليات، بجانب منطق الانتفاع من تلك العمليات وانتقال الجيش الي وضع الهجوم وتقدمه النسبي في بعض الجبهات، استخدام قوات الدعم السريع، بانتظام للطيران المسير في معارك في أم درمان وفي ولاية الجزيرة منذ بداية الحرب وبانتظام. في هذا المضمار وحسب تقرير اصدرته "اسكاي نيوز عربية" في 20.03.2024، نشرت قوات الدعم السريع مقاطع فيديو تظهر فيه استخدامها لطائرات مسيرة لم تكشف عن مصدرها، لكنها قالت إنها "مزودة بأحدث التقنيات الهجومية". ويمكن تصنيف نفي قوات الدعم السريع لمسؤوليتها، ادعاءاتها بان هذه العمليات من صنع مجموعة "معارضة" لسيطرة الاسلامين في الجيش، جزء من استراتيجية الحرب النفسية لأضعاف المعنويات القتالية عند قادة وجنود الطرف الآخر.
ويعد انتقال العمليات العسكرية إلى مدينة مروي بالولاية الشمالية، والي شندي وعطبرة بولاية نهر النيل، والقضارف مؤشراً على وجود امكانية تكنلوجية لتمديد رقعة الحرب إلى داخل ولايات آمنة، تمثل ملاذا للنازحين من المناطق التي تشهد معارك عسكرية. وتعد ولاية نهر النيل بجانب الولاية الشمالية وولايات الشرق، كسلا والقضارف والبحر الأحمر، وولاية النيل الأزرق من الولايات التي لم تشهد عمليات عسكرية منذ اندلاع الحرب. وتمثل هذه العمليات العسكرية قلق وفزع عند المواطنين، خصوصا عند الذين يعيشون تجربة النزوح والتشريد من مواطنهم وديارهم، تفاديا لنيران القتال.

5. خلاصة
منذ انتقال الجيش، في بداية هذا العام، من وضع المدافع الي وضع المهاجم، ونجاحه في السيطرة علي مقر الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون ذات الرمزية السياسية الوطنية والاثر المعنوي العسكري، يقوم بعمليات عسكرية جوية وارضية مكثفة بهدف السيطرة علي المواقع ذات تلك الرمزية والاثر، مثل "مصفاة تكرير البترول" في محلية الجيلي شمال الخرطوم بحري، و"مصنع سكر سنار" الواقع غرب ولاية سنار، والتي تسيطر عليهم قوات الدعم السريع. وذلك رغم ما هو واضح: بأن السيطرة علي هذه المواقع لن تخلق تغيير نوعي في الوضع الميداني أو المادي، وذلك بسبب الدمار الذي طالهما بسبب القتال والنهب والتخريب، واستحالة إعادة تأهيلهم في ظروف الحرب وتداعياتها المادية والإنسانية المتمثلة في نزوح وهجرة الكوادر الفنية المؤهلة.
بخصوص السيطرة على ألأرض، توحي كل المؤشرات الواردة من جبهات القتال المختلفة، بعدم مقدرة الجيش منذ سيطرته علي مباني الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، واجزاء كبيرة في أمدرمان، علي تحقيق تقدم ميداني ذو معني عسكري، وذلك رغم الحشد العسكري العالي بمشاركة قوات الحركات السياسية المسلحة والمليشيات الجهادية والمتطوعين. تحديداً لم يستطع الجيش منذ بداية انتقاله من وضع المدافع الي وضع المهاجم ان يحقق تغيير نوعي لوضع سيطرة قوات الدعم السريع على ما يقارب 90% من إقليم دارفور، و70% من ولاية الجزيرة، وعلي ما بين 70 الي 80% من ولاية الخرطوم، وعلي ما بين 70 الي 80% من اقاليم كردفان ..الخ. ويعني هذا الوضع إن الجيش لم يستطع (الي الآن) من جعل نجاحه في السيطرة علي مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون القومي "نقطة تحول جديدة في سير الحرب"، كما صرح قادته وتكهن كثيرا من الخبراء والمحللين العسكرين والسياسيين.
في الجانب الآخر توحي المؤشرات من جبهات القتال، باستطاعة قوات الدعم السريع علي الحفاظ علي مناطق سيطرتها مع تمدد ملحوظ ومحوري في ولاية شمال كردفان وفي اقليم دارفور، وباستطاعتها مهاجمة مواقع للجيش في "أرض الظهر" (Backland) في "الولايات الآمنة" باستخدام تكنلوجية الطيران المسيرة. حيث تأكد المؤشرات الواردة من جبهات القتال في كردفان ودارفور عن توسع سيطرة قوات الدعم السريع، واحتمال نجاحها في السيطرة الكاملة علي اقليم دارفور في حالة قيامها بتنفيذ الهجوم علي مدينة الفاشر، والذي تحشد له منذ فترة، خصوصا بعد السيطرة علي مدينة مليط. ويتوقع في حالة سيطرتها الكاملة علي اقليم دارفور، شروعها في تكوين "ادارة مدنية" للإقليم، كما قامت به في ولاية الجزيرة. تحت هذه الشروط سوف ينضم جزءً كبيرا مما تبقي من الدولة السودانية بعد انفصال الجنوب الي حالة المناطق التي تعيش تحت "وضع تجميد الحرب"، وتقع منذ سنين تحت سيطرة الحركة الشعبية/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان وجبال النوبة ومنطقة جبل مرة التي تقع تحت سيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. في هذه الحالة سوف تعيش البلاد في شكل "دويلات" تحت نفوذ القوي الحاملة للسلاح، متحاربة وغير معترف بها، ويتسارع تلاشي ما تبقي من الدولة السودانية.
وبخصوص قوة الفعل العسكري في جبهات القتال المختلفة، توحي المؤشرات بمعاناة الفريقين بشكل واضح من "الانهاك" العسكري العتادي والبشري والمادي. حيث يجري القتال في ظل هذا الانهاك العسكري والمادي من غير آفاق وفرصة حقيقية، لأنهاء الحرب عبر هزيمة "العدو" في ميدان القتال. حيث تحمل العمليات العسكرية المحدودة والمتقطعة علي الأرض طابع الفر والكر علي المواقع الاستراتيجية وذات الرمزية داخل وخارج المدن، ويقوم الجيش بغارات جوية باستعمال البراميل المتفجرة في فترات متقطعة، وعلي جبهة واحدة. ويؤكد هذا الفعل العسكري المتقطع والضعيف والمركز علي جبهة بعينها، الي ما تم استخلاصه في الجزء الثالث من هذه الورقة، بإن الجيشين الرسميين المتحاربين لا يملكون بعد عام من القتال تلك المقدرات العسكرية والبشرية المهنية والمادية، التي كانوا يملكونها عشية اندلاع الحرب. ويرجع ذلك لفقدهم القدر الأكبر من عتادهم العسكري والبشري المهني والمادي، ولعدم امتلاكهم للوسائل التقنية والمادية وللعلاقات والطرق الشرعية مع الخارج لتعويض هذا الفقد. وحتي الامداد العسكري الغير معلن، والذي يتم عبر قنوات وخطوط خفية، من قبل داعمين خارجيين للفرقين، واستخدام تكنلوجية الطيران المسير لن تحدث فرق كبير في الوضع العسكري العتادي المتدني للفرقين، وفي وضع السيطرة الميدانية القائمة.
ارتباطاً بمؤشرات السيطرة الميدانية وقوة الفعل العسكري للفريقين، والتي توحي بفقدان الفرقين لقدر كبير من قواهم ومقدراتهم العسكرية العتادية والبشرية والمادية، يأتي السؤال عن طبيعة العوامل العسكرية الذاتية، التي تلعب دورا في الوضع الميداني الحالي للفريقين.
بخصوص استطاعة قوات الدعم السريع علي الحفاظ علي معظم مناطق سيطرتها وعلي التقدم في الجبهات المختلفة، يمكن ارجاع ذلك الي عدة عوامل ذاتية، منها:
-اكتساب خبرات عسكرية هجومية ودفاعية خلال العام الأول للحرب،
-الخبرات القتالية، والتي تراكمت عبر سنين تواجدها وممارستها للقتال في الحرب الاهلية في دارفور، وفي خارج البلاد في اليمن وليبيا،
-امتلاك قوات مشاه ميدانية كافية العدد والعتاد،
-اغتنامهم لمواقع عسكرية مهمة وعتاد عسكري تابع للجيش في الفترة الاولي من الحرب
-تحالفاتها مع مليشيات قبلية مستقلة ومع زعماء لمجموعات أهلية في الولايات المختلفة،
-القيادة المركزية الموحدة لمنظومتها العسكرية والمالية....الخ.
اما بخصوص العوامل الذاتية المؤثرة في فشل الجيش (الي الآن) في أن يجعل من نجاحه في السيطرة علي مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون القومي "نقطة تحول جديدة في سير الحرب"، يمكن ذكر:
-افتقاده الي قوات مشاه ميدانية كافية العدد والعتاد،
-افتقاد قوات الحركات السياسية المسلحة والمليشيات الجهادية الإسلاموية المتحالفة معه الي خبرات قتالية كافية، وعتاد كافي،
-وقوع مواقعه العسكرية المهمة، وقدر كبير من عتاده العسكري في يد قوات الدعم السريع،
-حالة الارتباك والتخبط للقيادات العسكرية العليا واثرها علي القوات في الميدان...الخ.
حيث اظهرت قوات الجيش في حالات مختلفة ضعف عسكري، سواء أن كان من ناحية العتاد أو من ناحية المقدرات والجهازية والقناعات والمعنويات القتالية، وذلك عندما انسحبت "الفرقة الأولى مشاه" من مدينة مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وعندما سيطرت قوات الدعم السريع علي مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، ومقر "الفرقة 16 مشاه" بعد انسحابه من قيادة الفرقة والمدينة، ومؤخرا بانسحاب قوات الحركات السياسية المسلحة المتبقية ضمن القوة المشتركة من مدينة مليط. ومن مظاهر الضعف العام للجيش، التزام قادته وقادة كتيبة البراء الصمت بخصوص طبيعة المسيرات التي استهدفت مواقعهم، وعدم الاشارة الي الجهة المسؤولة عن إطلاقها. حيث يصب ذلك في استراتيجية عدم اظهار الضعف العسكري، أو الاعتراف بمقدرات وتفوق الجانب الآخر، تفاديا لانخفاض المعنويات القتالية للجنود في الميدان الحرب، ولاهتزاز اضافي لصورة الجيش، ولتزايد الشك في قدرته علي حسم المعركة عند المواطنين.
وبخصوص وضع المدنيين في جبهات القتال المختلفة، تشير كل التقارير الواردة منها، الي تزايد لجرائم الحرب من قبل الفرقين، والمتمثلة في الممارسات البشعة في التعامل مع آسري الجانب الآخر ومع المواطنين، والقصف الجوي من غير القيام بادني الاحترازات والاجراءات لحماية المدنيين. وتحدث ممارسات التعدي علي حقوق الإنسان في الحياة يوميا في مناطق سيطرة الفريقين. حيث قامت مؤخرا في ولاية كردفان، مجموعة تابعة للجيش في منطقة قريبة من مدينة الأبيض بذبح مواطنين بسبب الشك في تبعيتهم لقوات الدعم السريع، وتم قتل ونهب وتشريد واعتقال مواطنين في منطقة جبل الداير من قبل محسوبي قوات الدعم السريع، وتم اعدام اثنين من الشباب في مدينة حلفا الجديدة بواسطة مستنفرون يقاتلون بجانب الجيش، وقبل يومين إثنين من جنود "حركة تحرير السودان" فصيل مناوي مصرعهما داخل "قيادة المدفعية" في مدينة الفاشر، بعد تعرضهما للتعذيب والحرق بالنار من قبل جنود للجيش. وطالت اعتقالات ناشطين سياسيين في لجان المقاومة والاحزاب وفي فرق الطوارئ بمحليات ولاية سنار. مجملا يقوم محتسبي الفريقين المتحاربين وداعميهم في مناطق الحرب بانتهاكات صارخة للقانون الدولي وللاتفاقيات الدولية التي تحمي حقوق الإنسان وتحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية خلال النزاعات المسلحة. وتوحي هذه الاحداث المتكررة بتزايد فقد الفرقين للسيطرة علي منسوبيهم وداعميهم في مناطق سيطرتهم.
ارتباطاً بكل المؤشرات اعلاها، والواردة من جبهات القتال المختلفة، وتحت اعتبار فقد الفريقين لقواهم العسكرية والمادية الكافية، ومحدودية دور استقطاب واستنفار المواطنين لتحقيق تغيير نوعي في جبهات القتال المختلفة، يأتي السؤال عن مدي وصول الحرب الي "حالة نضوج" تقود الي استئناف مفاوضات منبر جدة خلال هذا الشهر، من اجل الوصول الي حل سياسي دبلوماسي لإيقافها وأنهاءها. للإسهام في البحث عن إجابة علي هذا السؤال، يتم في الجزء الخامس التناول لمواقف قادة الجيشين المتحاربين تجاه الحل الدبلوماسي، وفي السادس التعرض للمساعي الدبلوماسية السياسية المتمثلة في التدخلات الخارجية لإيقاف القتال، وفي السابع والاخير للتداعيات الانسانية والاقتصادية والانهيار الاقتصادي المصحوب بانفجارات شعبية سياسية عريضة وقوية، كعوامل ضغط وسيناريوهات واردة لإيقاف وإنهاء الحرب.

shamis.khayal@gmail.com

 

آراء