من الواضح أن مجيء دونالد ترمب إلى سدة الرئاسة ظاهرة شغلت العديد من الباحثين في مجالات متعددة، بما في ذلك علم النفس والاقتصاد وغيرها. قد يختلف هؤلاء في تقييم هذه الظاهرة، ولكنهم يتفقون على حدٍّ أدنى مفاده أن وصول ترمب يعكس إحدى أضعف حلقات الديمقراطية في أمريكا (vulnerability).
الآن، وحسب استطلاعات الرأي بعد مرور مائة يوم على توليه مهام الرئاسة، يتضح أن أسهم الرجل في الحضيض في مختلف الملفات، بما في ذلك الهجرة، والاقتصاد، والسلام، والسياسة الخارجية، وغيرها.
يستند ترمب إلى قاعدة دينية، أساسها الإنجيليون، إضافة إلى عدد لا يُستهان به من البيض محدودي التعليم في معظمهم، الذين يسعون إلى المحافظة على الامتيازات التي عرفوها واعتادوا عليها طوال مائتين وخمسين عامًا.
الديمقراطية الحقيقية هي التي تسعى إلى حماية المستضعفين، وإتاحة الفرص المتساوية للجميع، لتمكينهم من تحسين شروط حياتهم (social mobility).
كما تعني الديمقراطية احترام المؤسسات، بما في ذلك الدستور، والمجالس التشريعية والنيابية المنتخبة، والقضاء، والخدمة المدنية، ووزارة الخارجية في بلد مثل أمريكا، التي لها تأثير كبير على عالمنا المعاصر. وقد فشل ترمب في كل ذلك.
الآن، ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس ومجلس الشيوخ في نوفمبر القادم، وازدياد حظوظ الحزب الديمقراطي في الحصول على مزيد من المقاعد التي تمكنه من التأثير في القرار، وبالتالي تقييد سلطات ترمب، ترتفع الأصوات التي تدعو إلى عزله (impeachment). ويسند ذلك موافقة نحو 55% من الشعب الأمريكي، بسبب التضخم والحروب التي يُعتقد أن قراراته ساهمت فيها.
وقد تعرّض ترمب للعزل مرتين من قبل الكونغرس، لكن ثلثي مجلس الشيوخ لم يوافقا على إدانته.
ورغم تدهور شعبية الرجل، وأخطائه، وتحديه للقضاء، وملاحقته لخصومه السياسيين، وحتى تصريحاته التي تضمنت تهديدات خطيرة، مثل تهديده لإيران، ومحو إنسانها وحضارتها من وجه البسيطة، فإن قرار عزله قد لا يحصل على موافقة مجلس الشيوخ الذى يحناج الى ٦٧ صوت من اصل مائة نائبا، بسبب وقوف عدد من الجمهوريين ضده، كما حدث سابقًا.
إجراءات عزل الرئيس معقدة وطويلة، وتستحوذ على جل اهتمام الإعلام، ما قد يؤدي إلى انشغال واشنطن عن قضايا المواطن الأمريكي الملحّة، مثل التضخم، وارتفاع الأسعار، وضعف أو غياب الرعاية الصحية، والتأمين الصحي، والسكن، والتعليم. وقد يسهم ذلك في شعور المواطنين بإهمال الحكومة لهم.
عندها، قد تتراجع الأغلبية التي نادت بعزله، وتضعف ثقة الناس بالمؤسسات بسبب عجزها عن خدمة الشعب بالشكل المطلوب، مما قد يمنح إدارة ترمب بعض المصداقية في ترديد اتهاماته بأنه مستهدف، وأن ما يحدث له مجرد صراع حزبي لا علاقة له بمصالح الشعب.
إن اندفاع ترمب وسلوكه المتسرع (impulsive behavior) يعكسان سيطرة المعرفة الحدسية على المعرفة العقلانية، وهي سمة لا تختلف كثيرًا عن عقلية كيزان السودان وبقية الأنظمة الشمولية والأيديولوجيات التي تعتمد على إثارة العاطفة. لذلك، فإنها تستهدف المؤسسات وسيادة حكم القانون، باعتبارها أهم روافع العقلانية والتفكير الجماعي.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم