الأبيض: “أب قبة فحل الديوم” بفتح القاف

عبد المنعم عجب الفَيا

تحظى بعض مدن السودان بالقاب يطلقها عليها بعض الناس تحببا. وقد حظيت مدينة الأبيض حاضرة كرفان الكبرى بأكثر من لقب في هذا المعنى. من ذلك انهم أطلقوا عليها عبارة وصفية تعكس مكانتها السامية بين المدن والحواضر الأخرى وهي: ” اب قبة فحل اليوم”.
والقبة هنا بفتح القاف، وليس بضمها كما ينطقها خطأ الكثير من الناس. والقبة والقب بالفتح، فتحة القميص التي تحيط بالعنق. يقال في كلامنا قب وقبة الجلابية بالفتح. ومنها اشتق التعبير العامي قبقبه اي امسكه من فتحة القميص أو الجلابية كأنما يهم بخنقه. وفي التعبير الفصيح يقولون: أخذ بتلابيبه. وكلها فصيحة يقول معجم لسان العرب:
“والقب: ما يدخل في جيب القميص من الرقاع. والقب: الثقب الذي يجري فيه المحور من المحالة، والقب الخرق الذي في وسط البكرة. وقيل الخشبة المثقوبة التي تدور في المحور في البكرة ولها اسنان “.
إذن القب والقبة هي الفتحة والحلقة والثقب المدور المفرغ في وسط الشيء. ومن ذلك قولنا (كردفان): قب الفاس، وقب الطورية والحشاشة، وهو الحلقة التي يركب فيها عود الفاس والطورية والحشاشة.
وقولنا قبقبه بمعنى امسك بتلابيبه فصيحة كذلك. يقول لسان العرب: “وقب الشيء وقببه: جمع أطرافه”.
وضيق أو سعة فتحة القميص أو الجلابية الجبة تشير إلى حجم الرقبة. واب قبة يعني ذو العنق العظيم كناية عن البدانة والمتانة أو الفروسية وقوة الباس. واب قبة بفتح القاف، لقب رجل في نواحي من السودان. ومرادفه اب عنقرة. اي ذو العنقرة الضخمة. والنور عنقرة احد أشهر فوارس الثورة المهدية.
ومن امثالنا في السودان: “الرجال دناقر ما كبر عناقر”. عناقر جمع عنقرة وهي الرقبة في لغتنا، والدناقر جمع دنقر بكسر الدال وهو النحاس اي الطبل الكبير الذي يحتفظ به زعيم القبيلة في السودان ويضرب عليه إذا أراد جمع قومه لحرب أو شان عظيم. وقولهم الرجال دناقر ما كبر عناقر، دناقر هنا إشارة إلى صفات الفروسية والنبل والشهامة والرأي السديد والزعامة الحكيمة. والمعنى ان ضخامة البدن وحدها ليست مقياسا للرجولة والشهامة.
وكثيرا ما يشبه الفارس في الثقافة السودانية بالثور الفحل. وأبرز ما يميز الثور الفحل ضخامة الرقبة. تقول إحدى الحكامات في شعر الحماسة:
الواعي ما بوصوه
من امس الضحى
توري اب زنود ساقوه
يا مقنع ولياتو.
وقيل انها قيلت في الأمير عبد القادر ود حبوبة. شبهته لفروسيته بثور له زنود. والزند هنا الساعد أو عظم الساعد المتصل بالكتف، والزنود السواعد حتي الرقبة والكتفين أو المعارضين. والمقنع بالضم وهي فصيحة، غطاء راس المرأة. والمعنى الفارس الساتر والحامي لبنات قبيلته.
واما قولهم: فحل الديوم، الديوم جمع ديم وهو محل الإقامة والسكن الدائم، من دام يدوم دوما، فهو ديم ودائم. يقول لسان العرب:
“ودام الشيء: سكن. وكل شيء سكن فقد دامَ ؛ ومنه قيل للماء الذي يَسْكن فلا يجري : دائِمٌ. وفي حديث عائشة، رضي الله عنها، أنها سئلت: هل كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُفَضِّلُ بعض الأيام على بعض؟ فقالت: كان عَمَلُه دِيمَة”. أي كل يوم، دائما. وكلمة ديمة موجودة في كلامنا الدارج بهذا اللفظ والمعنى.
وجاء في معجم القاموس المحيط: “والديوم والدوم: الدائم. ودام: سكن، ومنه: الماء الدائم، والديمة بالكسر : مطر يدوم في سكون خمسة أيام، أو ستة، أو سبعة، والجمع ديوم وديم”.
إذن الديوم في لغتنا اماكن السكن الدائم، قرى كانت أم مدن، وصفوها بذلك تمييزا لها عن مضارب العرب السيارة أو الرحل غير الدائمة. ومفردها ديم، بامالة الدال، قرية أو مدينة.
إذن قولهم: فحل الديوم، المعنى: اكبر المدن، كأنهم شبهوا المدن بثيران فحول، بدينة سمينة، وجعلوا مدينة الأبيض ثورا فحلا ضخما أكثر ضخامة من كل الفحول الأخرى. أو شبهوا المدن برجال فوارس وجعلوا الأبيض كبيرهم. والمعنى انها سيدة الديوم اي المدن في كردفان وأكبرها.
ومن معاني قب في الفصحى التي تصب في هذا السياق الدلالي: كبير القوم وسيدهم و راسهم الأكبر. يقول لسان العرب: “والقب: رئيس القوم وسيدهم، وقيل: هو الرأس الأكبر . ويقال لشيخ القوم: هو قب القوم ، ويقال: عليك بالقب الأكبر، أي: بالرأس الأكبر. يقال: فلان قب بني فلان، أي: رئيسهم”.
ولهذا يقال في اللهجة السودانية (كردفان): الفاس انكسرت من قبها، اي من راسها، وهو الحلقة أو الفتحة في أعلى الة الفاس التي يركب فيها العود.
وهناك معنى آخر من معاني قب، له صلة بالفحولة ورد بالمعاجم العربية، وهو قعقعة صوت الفحل والأسد والرعد. يقال: قب الفحل والأسد يقب قبيبا. وقب القوم يقبون قبا اذا صخبوا في خصومة أو شجار”. انظر لسان العرب.

عبد المنعم عجب الفَيا
١٦ أبريل ٢٠٢٦

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

تقنية الاستبطان الذاتي في الكتابة السردية

عبد المنعم عجب الفَيا يميز النقد الأدبي بين مؤلف النص قاصا كان ام روائا، وبين …