ahmed altijany [ahmedtijany@hotmail.com]
ظلت إفريقيـا في الحقبـة التي سبقت الإستعمـار في ظلام دامس وتخلف دائـم … حتى جاء الإستعمار بحجة إيصال الحضارة الغربية إلي شعوب العالم والتبشير بالمسيحية .. وهذا ما كان يحمله الإستعمار في ظاهره … لكن الحقيقة تكشفت أخيراً أنه ما جاء إلا لنهب ثروات الشعوب ولدعم النهضة الأوربية وكذلك دراسة تلك الشعوب عن قرب ورفع التقارير التجسسية للحكومات حتي يستطيعوا التعامل مع تلك الدول المستعمرة … ويتشكل ذلك التعامل حسب مقتضى الحال والظرف وذلك بتغيير الوسائل والأدوات حسب الحاجـة لذلك …
فبدأ الإستعمار عمله فحكم البلاد وإسترق العباد خاصة الأفارقة وشروهم بضاعـة … ولتغطية أهدافهم المشنـة تلك أنشأوا بعض المؤسسات الخدمية في تلك المستعمرات كالتعليم والصحـة وبعض البنيات التحتية بالقدر الذي لا يؤثر علي أهدافهم الإستعمارية …
وظل الحال كذلك وبدأت بعض النخب التي درست في تلك المدارس التي أنشأها الإستعمار تتملل من المستعمر وتتوق إلي الحرية … ولا شك أن هؤلاء النخب كانوا يسعون للتحرر الظاهر وهو مغادرة الرجل الأبيض ولكنهم نسوا أن يحرروا فكرهم ووجدانهم من عقدة الرجل الأبيض أنه الأفهم وأنه الأفضل في كل شئ … فخرج الإستعمار بجلده لكنه ظل باقياً بإستيلاء المتغربين علي السلطة والذين صاروا بمثابة وكلاء للإستعمار وظل الإستعمار يدير سئون تلك الدول بعد خروجه عن بعد (بالريموت كنترول) فتكونت الكومنولز والمجموعة الفرانكفوتيه فكان غستعماراً بصورة أخرى مما جعل بعض الدول الإفريقية مرتبطة بالمستعمر سياسياً وإقتصادياً وثقافياً …. ومارسوا مزيد من الضغوط علي والإغراء حتى تبقى الهيمنة فكانت القروض والتسليح والبعث العلمية والتي كلها كانت تصب في أن تبقى الدول المستعمرة قابضة على زمام الأمور في تلك الدول وتبقي سيادة الرجل الأبيض.
ونتيجةً لذلك ظهرت بعض الحركات التحررية ذات الفكر في العالم .. ولإحتواء تلك الحركات وتحجيمها أنشأت منظمـة الأمم المتحدة والتي جاءت تهدف إلي مزيدٍ من الوصاية الغربية علي العالم … مع الشعارات التي رفعتها من حقوق إنسان وبعض الشعارات الإنسانية والتي أبطلوا مفعولها من أول وهلة بما يُسمى حق الفيتو .. الأمم المتحدة التي بدأت ذلك وإنتهت إلي وسيلة التدخل في شئون وإنتهاك سيادتها …
يحدث ذلك على مرأى ومسمع من الدول ذات العضوية في الأمم المتحدة ومن بينها الدول الإفريقية والتي كان أغلبها تحت قبضة الإستمعار.
فظل التعامل مع الدول الكبرى مستمراً بين الترهيب والترغيب حتى إنهار الإتحاد السوفيتي والذي بإنهياره بدأت تتكشف عورات النظام الرأسمالي الغربي وذلك عندما إنفردت أمريكا بقيادة العالم وبايعتها الدول الأوربية في ذلك.
فظهرت حقيقة الغرب الإستعمارية الإستبدادية الإستعلائية والتي كان للإتحاد السوفيتي الفضل في تأخيرها إلي حين …
فبدأت أول ما بدأت بالخروج علي الأمم المتحدة وعلي قوانينها ونظامها وذلك بالتصرف الفردي في الشئون الدولية … ولما علمت أن ذلك يخلق لها بعض الإشكالات مع الدول الكبرى إبتدعت مجموعة خمسة زائد واحد … وذلك إن لم تجد منها الدعم لسياستها الجديدة في العالم فللتجد منها الصمت لتمرير تلك السياسات … وهذا ما كان فعلاً … فكانت حرب العراق والتي أشعلتها أمريكا دون موافقـة الأمم المتحدة … وكذلك حرب أفغانستـان فأهلكت أمريكا بسببها الحرث والنسل ونشرت الفساد ودونكم الوثائق التي تسربت من المخابرات الأمريكية وأشارت إليها القارديان البريطانيـة ثم باكستان الدولة النووية التي جاسوا خلال ديارها فعمها الهرج والمرج وحولوها إلي دولة تستجدي من يعينها علي إستباب أمنها وإدارة شئونها … وهذا كله لم يرضيهم من تدخل في شئونها وإنتهاك سيادتها بل كافؤها علي ذلك بإتهامها بأنها تدعم طالبان والإرهاب العالمي … وهذا ما صرح به كاميرون رئيس وزراء بريطانيا في نيودلهي أخيراً … وأخشى أن يكون هذا التصريح مقدمـة لإجراءات ضد باكستان … وهذا جزاء العملاء … فليحذر ما تبقى من عملاء في العالم العربي والإسلامي وأفريقيا أن يصيبهم ما أصاب سلفهم … والعاقل من إتعظ بغيره …
ولا ننسى ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين وآخرها الحرب في غزة وحصارها الذي دعمته الأمم المتحدة أخيراً بأن المساعدات لغزة يجب أن تمر عبر البحر وما يقابل ذلك من وقوف أمريكا من ذلك ودعمه بالفيتو.
إتسعرضنـا كل هذه الأحداث لأنهـا مع قسوتهـا ومرارتهـا مانت تعبئـة للرأي العـام العالمـي عامـةً ولإفريقيـا خاصـةً ضد تلك التصرفـات والتي تتولى كبرهـا أمريكـا.
ولأن الأفـارقة أكثر من عانى من الإستعمـار قديمـه وحديثـه , فكـان قديمـه الإسترقاق والعبوديـة وحديثـه إستغلال الدول وإستغلال خيراتهـا والضغط عليهـا تارةً بالترغيب وتارةً بالترهيب حتى لا تشب على الـطوق وتستمر في دعم السياسات الإستعماريـة الـدولية.
فبدأ رد الفعل لهذه التعبئـة والتي تعني في حقيقتهـا التحرر والذاتية يتفاوت من دولة لأخرى ومن شعب إلي شعب منه المرئي ومنه المكبوت حتى تحين ساعـة الإنفجـار العالمي لهذه التعبئـة إن لم يكن اليوم فغداً وليس الصبح ببعيد فبدأت هذه التعبئـة ترسخ وبدأ يظهر تفاعلهـا أول ما ظهر في تركيا التي بدأت تتحرر من عقدة الإنضمـام للمجموعة الأوربيـة وإتجهت شرقاً مستهدية بتاريخهـا … ثم إيران التي تمردت تمرداً كاملاً ثم البرازيل وفنزويلا .. وكنا ننتظر أن تتقدم الصين وروسيا هذا التحرر وتقوده .. ونأمل أن يقومـان بذلك.
وأخيراً إنتقل التفاعل إلي الساحـة الأفريقيـة فظهر ذلك في رفض الإتحـاد الأفريقي لما تقوم به المحكمة الجنائيـة ضد الرئيس البشير فكـان ذلك أول ثمـار التعبئـة … تلك التعبئة التي ما توقفت يومـاً لأن أمريكـا وصويحباتهـا يدفعون بهـا إلي الأمـام ويغذونهـا بتصرفاتهـم الظالمـة إلي أن جـاء مؤتمـر تكتل الساحل والصحـراء الذي عُقـد في تشـاد والذي دعى له البشير والذي كـان ضربـة قاضيـة للمحكمـة الجنائيـة من دولة موقعـة علي نظـام المحكمـة وتُوِّج ذلك بإجمـاع التكتل في البيان الختامي علي رفض تحركـات أوكامبـو الأخيرة ثم المؤتمر الأخير في كمبالا للإتحـاد الأفريقي الذي كرر رفضه لإجراءات المحكمـة.
نهنئ الأفارقة علي هذه الصحـوة التي جاءت بعد سبات عميق كان علي حساب دولهـم وكرامتهم وإنسانيتهـم … وأظن هذه بداية الإنطلاق نحو مستقبل أفضل لأفريقيا … كما يعني ذلك رفض النظـام الدولى ممثلاً في المحكمـة الجنائيـة.
نأمل أن يسير الأفارقـة في هذا الإتجـاه وإلي مزيد من التحرر وإعلاء صوت الرفض لسياسات الغرب الجائرة الظالمـة التي تكرس لسيادة وهيمنـة الرجل الأبيـض …
ونذكر أن هؤلاء لم يبق لديهـم ما يخيف أو يغري …. فمزيداً من الرفض والتحرر لأن كل وسائلهم الضاغطـة فقدوهـا … فقد إنهار إقتصادهـم وفي طريقه إلي القاع وإنهارت أخلاقهم والشعارات التي كانت تُرفع بسبب ظلمهم البيِّن للآخرين وعدم إكتراثهـم لما يحدث في العالم من تهديد بالمجاعات والفقر والكوارث ومهددات البيئـة … كما إنهاروا دينيـاً بإحجـام الأوربيين عن الذهاب إلي الكنائس وبسبب تصرفـات القساوسـة الشاذة من إغتصاب للأطفال وزواج مثلي … ثم التدخل العسكري أصبح غير مجد وغير مأمون العواقب لهم … هذه حالهم فأي خير منهم ترجونـه وأي شر تخافون … فتراجع النظـام الغربي وتقهقره إلي الوراء يخلق فراغاً عريضاً عالمياً يستدعي من يتحرك لملء هذا الفراغ … وأظن أن هناك جسمين يمكنهمـا ملء هذا الفراغ .. من دول شرق الصين إذا تعاملت مع الشعوب من منطلق المصالح المشتركة والإحترام المتبادل وعدم التدخل في شئون الآخرين … والثانية هي الدول الإسلامية والعربية التي يمكنهـا أن تعرض الإسلام كبديل لحل المشاكل التي يعيشهـا العالم بالإقناع والإمتناع دون إكراه … وعرض ما في الإسلام من حلول إقتصاديـة وإجتماعية بطريقة علمية وبالتي هي أحسن عبر أجهزة الإعلام وتعريف العالم أن المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يخزله ولا يحقره .. كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه وكلكم لآدم وآدم من تراب لأنه مما كلف به المسلم أن يفعل ذلك.
علي الدول الإسلامية والعربية أن تتعامل مع الأحرار في العالم وذلك بتقديم المساعدات والدخول في إستثمارات وهذا بدوره يكون وسيلة لإيصال الرسالـة الإسلاميـة ليحصل التحرر الأكبر وهو لا عبودية إلا لله وحده ولا تبعيـة لمخلوق ولا تفاضل بين البشر إلا بما قدموه للإنسانيـة ولأنفسهم من عمل صالح يرجون منفعته في الدنيا وثوابه في الآخرة.
الخليفـة أحمد التجاني البدوي
Ahmedtijany@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم