الإتجار السياسي بالكوارث .. بقلم: عزالدين صغيرون
16 سبتمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
90 زيارة
عرفنا في السودان من قبل التكسب بالكوارث بتحويل إعانات المتضررين إلى جيوب المؤتمنين على توزيعها، مثلما حدث أكثر من مرة. وأشهرها فيما أذكر، تكسب نفلا من أعضاء مجلس السيادي في الديمقراطية التي أعقبت ثورة مارس/ أبريل 1985 بطرح الإغاثة السعودية الخيرية في الأسواق للبيع. ولا أظننا بدعاً بين الشعوب في هذا النوع من التسفل، طالما كان الجشع من أمراض النفس البشرية. ولكننا فيما أزعم لم نشهد في تاريخنا التكسب بالكوارث نفسها لتحقيق نقاط سياسية على منافسيه. فهذا درك أسفل ونصر أرخص من أن يفخر به صاحبه.
استضافت قناة الفرنسية 24 العربية يوم أمس (الاثنين 14 سبتمبر) رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور وممثل لحركة العدل والمساواة وصحفية ناشطة وكان الحوار حول كارثة السيول والفيضان. ما لفت نظري وأثار استيائي أن الأخ نور ظل يلف ويدور وهو (يلوك) علكة “سودانه” الجديد، بترديد نفس المحاججات التي كان يرددها كل المعارضين للنظم والنخب التي ظلت تحكم وتتداول السلطة ، ودرها في إدارة طاحونة الفقر والتخلف والحروب والفتن القبلية ..الخ، منذ الاستقلال وإلى اليوم، طارحاً آراء وانتقادات تدعو للسخرية من نوع: أن حكومة المرحلة الانتقالية، شأن النخب الخرطومية المسيطرة، ليس لديها برنامج لمواجهة هذه الكارثة، رغم الجميع (عدا من يتعاطون السياسة ويمتهنون سباقات المارثون السلطوية) يعرفون بداهة أن المنطقة لم تعرف مثل هذا الفيضان منذ أكثر من مائة عام، وأن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة واليابان تفاجئها مثل هذه الكوارث الطبيعية رغم إمكانات الرصد التقنية المتقدمة والقدرات الاقتصادية التي لا تقارن بدولة يعاني اقتصادها من الشلل والكساح مثل السودان، تقف عاجزة أمامها وتحتاج إلى الدعم. ورغم علمهم بأن إهمال البنى التحتية لأكثر من نصف قرن لا تستطيع أي حكومة أن تعالجه وتجعله مؤهلاً لمواجهة كارثة بحجم الفيضان الذي لم يستثن إقليماً من أقصى شرق وغرب وجنوب السودان، إلى وسطه وأقصى شماله. وكأنما نقد الحكومة غاية.
لقد بدا لي السيد عبد الواحد والرزاز يتطاير من جانبي فمه في تلك الحلقة كرجل توقف عقله متصلباً أمام نقطة سيطرت عليه ولا يستطيع الفكاك منها وتجاوزها، وهو يتحدث بحماس من يقف على منبر خطابي، لا كسياسي صاحب مشروع سياسي واجتماعي وفكري يطرح فكرة عقلانية متكاملة، أو حتى كمراقب يعلق على كارثة بموضوعية.
هذا التهريج السياسي ينبئك بما هو عليه حال ومستوى وعي أحزابنا ومنظماتنا وتعاطيها مع القضايا الاستراتيجية الوطنية. فهم لا زالوا يقفون بعناد وصلابة في مربع ما قبل الثورة. لا فرق في ذلك بين الحركات المسلحة والأحزاب. لا من حيث الفكر والوعي، ولا من حيث الأخلاق والمسؤولية. مما يدعوني أكثر إلى الإصرار بأن سودان ما بعد ثورة الشباب يحتاج لقيادات جديدة تتقدم الصفوف. قيادات تفرزها القوى صاحبة الحق التي فجرت أعظم ثوراتنا. وقد آن للقيادات التقليدية بكل أطيافها : التقدمية والماضوية، المدنية والمسلحة، أن تنسحب من الصفوف الأمامية وتأخذ مكانها بين الناس تدلي برأيها ولا تدعي حقاً حصرياً.
وكفى السودان وشعوبه دعاوى فارغة.
izzeddin9@gmail.com