خالد البلولة
يعتقد كثير من الناس أن التطور التقني المتسارع في عصرنا،وما يصاحبه من انتشار الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة الذكية قد يقود في نهاية المطاف إلى تراجع دور الإنسان، أو حتى إقصائه من مركز الفعل الحضاري،بحيث تصبح الآلة هي المتحكمة في الإنتاج والقرار ومسارات الحياة.
وهذا التصور،وإن كان مفهومًا في ظل القفزات التقنية الراهنة، إلا أنه يغفل حقيقة جوهرية أكدها الوحي،وهي أن الإنسان سيظل محور الاستخلاف،وغاية العمران،وصاحب المسؤولية الأولى في إدارة الأرض.
فالقرآن الكريم يقرر منذ البداية مكانة الإنسان بقوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).
فالخلافة هنا ليست مجرد وجود مادي،بل تكليف بالعقل والإرادة والاختيار،وتحمل الأمانة، وهي خصائص لا تملكها الآلة مهما بلغت من التطور.فالآلة تنفذ،أما الإنسان فيقصد ويختار ويحاسَب ويستشعر المسؤلية
لذلك فإن كل تقدم تقني ينبغي أن يُفهم بوصفه أداة مساعدة للإنسان لا بديلًا عنه، ووسيلة لتوسيع قدرته على البناء لا لإلغاء دوره.وهذا المعنى نجده جليًا في قصة داود وسليمان عليهما السلام.
فقد سخر الله لداود الحديد، قال تعالى:(وأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: 10). ومع ذلك لم يصنع الحديد نفسه بنفسه،بل جاء الأمر الإلهي (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (سبأ: 11).
أي أن المادة كانت مسخّرة،لكن الفعل والإبداع والعمل بقيت مهمة الإنسان. فالنعمة لا تنتج أثرها إلا بعقل بشري يوظفها،ويد ماهرة تشكلها، وإرادة تعرف مقصدها.ولم يكن داود عليه السلام رجل صناعة فقط، بل كان أيضًا صاحب حس جمالي وروحي، قال تعالى:(يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (سبأ: 10).
وفي هذا إشارة إلى أن الحضارة لا تقوم بالسلاح وحده، بل تحتاج كذلك إلى الروح والجمال والتناغم الداخلي.
إذا كان عهد داود قد برز في الصناعة،فإن عهد سليمان عليه السلام اتسع إلى نموذج الدولة الكبرى ذات الإدارة المركبة والتقنيات المتعددة…فقد دعا ربه فقال:(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: 35). فاستجاب الله له، وسخر له من أسباب القوة ما لم يجتمع لغيره.
قال تعالى:(فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36).وقال أيضًا:(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (سبأ: 12).
وهذه صورة لقدرة استثنائية على الحركة السريعة وقطع المسافات الطويلة، بما يشبه في عصرنا ثورات النقل الحديثة. ففي زمن كانت المسافات تعني العزلة، أصبح الوصول السريع أداة من أدوات الحكم والإدارة.قال تعالى:(وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ (سبأ: 12).
والقطر هو النحاس المذاب، وفي ذلك دلالة على استخدام المعادن المصهورة في الصناعة، وهو مستوى تقني متقدم يدل على معرفة بسبك المعادن وتوظيفها في العمران والأدوات.قال تعالى:(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (سبأ: 13).
وهذه الآية تقدم مشهدًا عمرانيًا وصناعيًا متقدما ،المحاريب: المبانٍ العالية أو مواضع عبادة وقصور.و جفان كالجواب: هي أوانٍ ضخمة كالأحواض الكبيرة. والقدور ال راسيات: هي قدور ثابتة عظيمة الحجم…وهذا كله يدل على وجود:هندسة معمارية متقدمة ومنشآت كبيرة وعمالة منظمة وإدارة للموارد والإنتاج، فالبناء الضخم لا يقوم إلا بعلم وتخطيط ومواد وأيدٍ خبيرة.
قال تعالى:(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (النمل: 17).اشارة، الي الجمع المنتظم
في صورة دقيقة،أي يجمعون ويُنظمون في صفوف ورتب، وفي هذا وصف واضح للنظام والانضباط العسكري والإداري. فالدولة الناجحة لا تقوم بالفوضى،بل بالتوزيع الدقيق للمهام والاختصاصات.
في قصة الهدهد يقول الله تعالى:فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (النمل: 22).
ثم نقل معلومات دقيقة عن ملكة سبأ ونظامها السياسي والديني…وهنا تظهر قيمة المعلومة الدقيقة في اتخاذ القرار،وهو ما يُعرف اليوم بعلم الاستخبار والاستطلاع وتحليل الواقع
فالعمل كان يتم بتوجيهه،وإرادته،وخططه، وقراره. وهذا يعني أن أدوات القوة مهما عظمت لا تستغني عن العنصر البشري القادر على الإدارة والحكمة.
بل إن القرآن يلفت النظر إلى مركزية الإنسان في اتخاذ القرار حين عرض قصة الهدهد، إذ نقل المعلومة، لكن التقييم والقرار النهائي كان لسليمان عليه السلام، قال تعالى:(سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النمل: 27).
وهذه دلالة عميقة؛فالمعلومة قد تأتي من وسائط متعددة، لكن التمحيص والحكم من شأن الإنسان المسؤول.
إن الروبوت قد يبني، ويحسب، وينقل، وينظم، لكنه لا يحمل ضميرًا أخلاقيًا مستقلًا، ولا يعرف معنى العدل، ولا يشعر بالرحمة، ولا يتحمل مسؤولية قراراته. لذلك سيظل الإنسان هو مركز الحضارة، مهما تعاظمت قدرات الآلة.
والخطر الحقيقي ليس في أن تحل الآلة محل الإنسان، بل في أن يتنازل الإنسان عن دوره، ويعطل عقله، ويترك قراره للأدوات التي صنعها بيده.
إن ما حدث في عهد داود وسليمان عليهما السلام يقدم درسًا بالغ الأهمية لعصرنا: أن تسخير الوسائل لا يعني إلغاء الإنسان،بل تمكينه.وأن التقنية كلما تقدمت ازدادت حاجة البشرية إلى العقل الراشد، والقلب الحي، والضمير الأخلاقي.
وهكذا، فإن المستقبل لن يكون للآلة وحدها، بل للإنسان الذي يحسن استخدام الآلة، ويجعلها خادمة للعمران، لا سيدة عليه
dr.khalidbalula@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم