الاستثمار في العقول .. بقلم: محمد عووضة

 

بتاريخ ١/١/١٩٥٦ استقل السودان عن الحكم الإنجليزي وأصبح دولة السودان. ولكن ما لم يحدث حقيقة إلى يومنا هذا هو استقلال السودان عن الجهل. في اعتقادي إن الوضع المتردي الذي وصل إليه السودان اليوم هو ليس وليد حقبة الكيزان فقط، فالمشكلة لم تكن فقط في حكم جماعة الاخوان المسلمين (الكيزان) فحسب. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. سؤال الطيب صالح من أين أتى هؤلاء؟ الجواب هو السودان نفسه! وتشمل كلمة “هؤلاء” جميع الأنظمة التي حكمت السودان منذ الاستقلال. حيث أن “هؤلاء” أجمع يمثلون الصورة الحالية للسودان. فشلوا جميعا ففشل السودان. والسؤال هل هم أتوا من فراغ؟ الجواب لا، بل هم نتاج الجهل المتفشي في المجتمع السوداني.

لشرح ذلك لنأخذ الصادق المهدي كمثال. فشل هذا الرجل في إدارة الديمقراطية لأكثر من مرة. ولكن لازال لهذا الرجل شأن كبير وتأثير في الساحة السياسية السودانية إلى يومنا هذا. ترى ما الذي يؤهله لذلك؟ للإجابة على ذلك يجب أن نعرف كيف يحصل الصادق المهدي على كل هذا الدعم لنجد أنه وبسهوله نعم يستطيع، فشريحة كبيرة من المجتمع السوداني تناديه سيدي! اعتقاد جازم وإيمان تام أنه هو “السيد”! وينطبق الأمر كذلك على الميرغني. فعندما تسأل أحد اتباعهم كيف لك أن تقبل أن يكون لك سيد وكيف تنادي الصادق أو الميرغني بالسيد؟ تكون بذلك قد دخلت في المحظور! تقديس مبنى على جهل جعل لهم شأن وجعل لهم أحزاب سياسية قامت بإدارة السودان أو بالأحرى إدارة فشل السودان. وهنا أذكر مقولة أفلاطون “إذا أمطرت السماء حرية، لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات”. وكذلك هو الحال في السودان، فلقد حظينا في السودان بثلاث ديمقراطيات من قبل ولكن تمسك الكثير بالجهل والعبودية “للسيد” و”السيد”! وهما بالطبع أصحاب الأحزاب الأكثر شعبية في السودان والتي تأتي بالصادق كرئيس وزراء ليس لما يملكه الرجل من مؤهلات ولكن فقط لأنه سيدهم! فيكون الفشل هو المصير الأوحد..
فشلهم هو الأرض الخصبة التي سمحت للنميري بحكم السودان قرابة العقدين من الزمان، وهي أيضاً التي سمحت أيضاً لتجار الدين “الكيزان” ان يحكموا ثلاث عقود، حتى أصبحت الكوزنة ثقافة لا ترتبط بالحزب نفسه، بل أصبحت ثقافة عامة نعاني منها جدا في هذه المرحلة الحساسة للغاية في بلادنا. فمثلاً إذا كان دين الكيزان هو الاستغلال، فكذلك هو دين عبد الواحد محمد نور الذي يعيش حياة مرفهة في فرنسا على حساب أهالي منطقة دارفور. كلهم يتجارون وكلهم تهمهم مصالحهم الشخصية وليس السودان. وكمثال أخر فإن الفساد والجشع أصبحا الوضع الطبيعي، فعامل البناء يغش والمقاول يغش وكذلك سمسار الأراضي وكذلك الموظف الحكومي، يعني غياب تام للأمانة! فهل جميهم كيزان؟ بالطبع لا ولكنهم جميعا نتاج فشل الدولة التي أتت في نهاية المطاف بالكيزان الذين زرعوا هذه الثقافة النتنة..
و كل هذا في النهاية يرجع إلى الجهل، فالجهل يأتي بزعماء سياسيين غير قادرين على حكم السودان ومن ثم الفشل حتى يأتوا لنا بالعسكر مرة أخرى! والكل يعلم أن العسكرية هي مدرسة الغباء، فعندما يحكمك الغبي فلا تتوقع غير الفشل..
كل ما سبق ذكره هو فقط للدلالة على خطورة الجهل على السودان. فكيف إذاً يمكن للسودان التخلص من الجهل؟ الجواب بسيط جداً وهو الاستثمار في العقل السوداني. الاستثمار في العقل يعني زيادة الوعي والثقافة وفي ظل وجود مجتمع مثقف لا يمكن لأي شخص في هذا المجتمع أن يقبل أن يكون تابع لسيادة أحدهم. والذي يجعل مهمة شخص كالصادق المهدي مهمة صعبة جداً. كذلك يجعل من الصعب استغلال الدين للوصول للحكم، فبتالي لا يصل الحال بالسودان بأن يوضع في قائمة الدول الراعية للإرهاب ويعزل عالمياً ومن ثم يغرق في الديون الخارجية. ولن يكون هناك مجال لنشوء التطرف والتعصب وكثير من الظواهر السلبية الأخرى مثل ظاهرة عبد الحي يوسف.
تحول المجتمع عبر الاستثمار في العقول سيقوم بإنتاج أحزاب سياسية تتنافس على الحكم وفقاً لبرامج سياسية حقيقة وليس فقط لأنها حزب الاتحادي الدمقراطي أو حزب الإمة. وسيتم بناء مؤسسات سياسية حقيقة لنصل بذلك إلى مفهوم الدولة الحديثة.
كأبسط مثال على نجاح الاستثمار في العقول هو سنغافورة، تلك الدولة التي لا تملك موارد طبيعية وحتى الماء يأتيها من جارتها ماليزيا! ورغم ذلك تجد أن سنغافورة رائدة في الحداثة، فهناك سوق مالي متطور وجامعات ومستشفيات على مستوى عالي وبنية تحتية فائقة ونظافة، وكل ذلك من نتاج الاستثمار في العقول.
الاستثمار في العقول سيؤدي إلى رفع مستوى طموحات الإنسان السوداني وبذلك يكون الطموح أكبر من الكهرباء والماء والشارع المسفلت. الاستثمار في العقول يعني أن ننتج أجيال قادرة على إدارة أزمات السودان الحالية أو المستقبلية. ويعني ذلك الاستقرار السياسي والاقتصادي والرفاهية المنشودة. الاستثمار في العقول يعني ان في المستقبل ستناقش في اركان النقاش في الجامعات قضايا التنمية وكيفية اللحاق بل والتنافس مع الدول المتقدمة بدلا عن مناقشة أمور تجاوزها العالم المتحضر كليا مثل هل الاصلح الدولة المدنية أم العسكرية؟! وعلاقة الدين بالدولة وما إلى ذلك.
الاستثمار في العقول يعني انسان سوداني واعي قادر على أن يفهم أن السودان ليس فقط الخرطوم، بل هو جميع مدن وقرى الجنوب والشمال والشرق والغرب والوسط، ويعني احترام جميع الثقافات والديانات المختلفة في هذا البلد الواسع. الاستثمار في العقول يعني انسان سوداني خالي من العنصرية والقبلية التي تسببت في حروب أهلية لا زلنا نعاني من أثارها إلى يومنا هذا. الاستثمار في العقول يعني مجتمع يحترم حقوق المرأة ودولة تحترم حقوق الانسان. ويعني كذلك مواطن يحترم سيادة القانون وبالتالي محاربة الفساد والغش.
السؤال إذاً كيف تستثمر الدولة في العقل؟ يكون الاستثمار عبر إنشاء نظام تعليمي ينتج أجيال قادرة على النقد والتحليل والتفكر والتحديث وليس التقليد. ويكون التركيز في تعليم جميع المجالات وليس فقط المجالات التطبيقية. فيجب التركيز بشكل كبير على العلوم الإنسانية والاجتماعية جمعاء، فهي الأساس في تقدم الأمم. الأمم لا تتقدم بدراسة الطب والهندسة فقط ولكن تتقدم بمعرفة الآداب والتاريخ والاقتصاد والقانون والفلسفة والمنطق والسياسة والأخلاق.
ذلك بالإضافة إلى تدريب المهنين حتى يصبح لدينا عمالة مهنية من الطراز الأول قادرة على تشيد المباني والعمل في المصانع وبالتالي زيادة جودة المنتج السوداني. فالمهندس مثلا لا يستطيع ان يعمل في غياب الفني الجيد، فكلاهما بحاجة للأخر.
إذا الإصلاح يكون بمحاربة الجهل ومحاربة الجهل تكون بالاستثمار في العقول. لنعلم جميعا أن القضاء على حزب المؤتمر الوطني وحده لا يعني القضاء على فكرهم. إذا لم نحارب الجهل بالتعليم سيأتي كيزان آخرون وسيأتي صادق مهدي آخر، وستستمر الأزمات الاقتصادية وقطوعات الكهرباء والحروب الأهلية…الخ؛ بل قد يصل الحال إلى انتهاء دولة السودان من الأصل وتقسيم السودان إلى عدة دول. والإصلاح يكون من القاع بدئا بإصلاح الإنسان السوداني عبر التعليم ليعني ذلك إصلاح المجتمع وبالتالي إصلاح الدولة السودانية. الأموال والموارد الطبيعية لن يصلحوا السودان ولكن العقل السوداني قادر على ذلك، فهو في النهاية المسؤول عن إدارة تلك الموارد..

awouda_88@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً