الاستلاب الفكري والثقافي ودوره في تخلف مجتمعاتنا .. بقلم: رمضان أحمد
25 ديسمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
breima_ramadan@hotmail.com
ما هو سر ظاهرة استخدام العبارات الإنجليزية عند التحدث باللغة العربية ؟
يحدثك أحدهم باللغة العربية ويحشو كلامه بكثير من العبارات الإنجليزية التي لا حاجة لها أصلاً ، وأحياناً يحصل فيها أخطاء في التصريف اللغوي! هذا الاتجاه أصبح ظاهرة تكتسح البلاد العربية بلا استثناء ، بل وتسود حتى في الدوائر الرسمية. وتأتي شهادتي على هذه الظاهرة من منطلق مهنتي في الترجمة الفورية حيث أجد نفسي أحياناً في المؤتمرات أقول نفس الكلام الذي يقوله المتحدث الذي يفترض أن يتحدث العربية لأترجم ما يقوله إلى الانجليزية ، فإذا به أجد نفسي معلَّقاً بين اللغتين. كثيراً ما أتدخل لفض هذا الاشتباك وأطلب من مدير الجلسة إلزام المتحدث بلغة واحدة!
لماذا يلجأ الناس إلى هذا الخلط ؟ هل لأن المفهوم المراد التعبير عنه تعجز اللغة العربية عن الإحاطة به؟ أم هل لأن المتحدث متبحر في اللغة الإنجليزية لدرجة أنه نسي لغته؟ الواقع أن المسألة أعمق من مجرد محاولة استعارة كلمات من لغة أخرى.
الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن ظاهرة خلط العربية بالإنجليزية تعبير صادق عن حالة الاستلاب الفكري والثقافي التي تعيشها الأمة العربية. ذلك لأنه إذا طلب من المتحدث أن يواصل باللغة الإنجليزية فإنه يجد نفسه عاجزاَ تماماَ ولا يكاد يكمل جملة سليمة. بمعنى آخر ، الظاهرة تعبر عن نقص حاد في المخزون الثقافي لهؤلاء الأفراد وبالتالي فإن تطعيم الكلام بالمفردات الإنجليزية قد يترك الانطباع لدى الآخرين أن هذا الشخص مثقف. بمعنى أن معيار المثقف لدى هؤلاء هو القدرة على التحدث بالإنجليزية!
من أهم تجليات الاستلاب الفكري لدى الشعوب العربية خصوصاً هو تجزر عقدة الدونية مقابل الانبهار بالمثال. يحدث هذا الاستلاب كنتيجة لما يعرف بالصدمة الحضارية عندما يبدأ المصدوم حضارياً بالتنصل عن ذاته ومكوناته الثاقفية باعتبارها “دون” ، ثم يبدأ بالتطلع إلى المثال باعتباره “فوق”. ومن هنا جاءت عقدة “الدونية” وهي عقدة يشعر بها المصدوم حضارياً ، مقابل عقدة “الفوقية” التي يشعر بها صاحب الإنتاج الحضاري. وهو نفس الشعور الذي ينتاب سكان الريف عندما ينتقلون إلى المدينة ، فيبدأ تطلعهم إلى المثال وهم سكان المدينة ، فيبدأ الأطفال – وهم أكثر الفئآت عرضة للاستلاب الفكري والثقافي – يتقمصون شخصية أهل المدينة فينسون لغة الأم (الرطانة) ويبتعدون عن أي شيء يوصمهم بأنهم من أهل الريف. حتى أن البعض يتعففون من أهلهم الريفيين حينما يزورونهم في المدينة. السبب في هذا مرده إلى المركزية القاتلة ، حيث يتحكم المركز في كل شيء مع التهميش الكامل للريف ومنتجاته الثقافية. لدرجة أن اللهجات العربية في السودان مثلاً كاللهجة الدارفورية و الكردفانية و الشمالية أصبحت تضمحل لتحل محلها اللهجة الخرطومية باعتبارها لهجة “الفوق”!! ومع أن المركز نفسه يعاني من عقدة الدونية لأنه يمثل المثال بالنسبة للمناطق المهمشة. فالعقدة هنا مركبة.
من أهم آثار الاستلاب الفكري والثقافي اهتزاز الثقة بالنفس ، ويصبح تقمص شخصية “المثال” سواءً بتمثيل سلوكه أو التظاهر بامتلاك أي من منتجاته الفكرية والثقافية ، تعبيراً حقيقياً عن هذه الثقة المفقودة. إن أي مستلب فكرياً يصبح كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ، فهو قد تخلص من ذاته ولم ولن يبلغ ذات المثال وسيظل عالقاً ما بين ذلك.
من سمات عقلية المستلب فكرياً وثقافياً إمعان الفشل والبحث عن الأعذار لهذا الفشل واتهام جهات أخرى خارجية بالتآمر ، مع التغني بأمجاد الماضي وبطولاته ! هذا كله للتغطية على الفشل والهروب إلى الأمام.
إن اللغة العربية ، بعيداً عن هذا الاستلاب الفكري ، من أغنى وأقوى لغات العالم من حيث دقة التعبير عن المفاهيم والأشياء حتى من خارج البيئة العربية. وقد ازدانت اللغة والثقافة العربية بالإسلام ومفاهيمه وقيمه ونظرته للكون فحصل اكتمال لمنظومة قيمية وثقافية شاملة تتجاوز الزمان والمكان. وبالتالي فإن اللغة العربية والثقافة العربية والدين الإسلامي عبارة عن حزمة أقوى من أي ثقافة أخرى. وهذا يفسر اعتناق التتار الإسلام واهتمامهم بالثقافة العربية الإسلامية بالرغم من أنهم كانوا أقوى عسكرياً وسياسياً. وقد حدث هذا لأول مرة في تاريخ الشعوب أن يعتنق الغازي ثقافة المغزو وليس العكس.
اللغة الإنجليزية فرضت نفسها بحكم القوة العسكرية البريطانية في الفترة الاستعمارية والأمريكية لفترة ما بعد الاستعمار إلى اليوم، ولكنها – أي اللغة الإنجليزية – ليس لديها ثقافة قادرة على هزيمة حزمة الثقافة العربية المشار إليها أعلاه. والتالي فإن رجوع العرب لذاتهم ضمان للتخلص من عقدة الدونية من ناحية وتحقيق النجاح المادي والروحي من ناحية أخرى.