الاضرابات: تبديد هواجس الخوف والتنفس جهراَ .. بقلم: جوانا فوني


تسلم يا بلد

لم تتصور الحكومة و قيادات الحركة الشعبية على وجه الخصوص الممسكون بزمام الامور في البلاد منذ العام خمسة و الفين بموجب اتفاقية السلام الشامل التي انهت الحرب بين شطري السودان و الذي امتد الي ما يقارب ربع قرن من الزمان , و الذين فرضوا منذ ذلك التاريخ طوق الترهيب و التخويف و العنف وسيلة لمواجهة الاحتجاجا ت السلمية التي سمحت بها الاعراف الدولية للمطالبة بالحقوق في نفوس المواطنين و كل من يجرؤ على على رفع صوته عاليا في وجه القيادة العليا في البلاد, و بالفعل نجحوا فيها بتسخير جميع اسلحة القوة الامنية المختلفة في البلاد و اعطائها الشرعية بتصويب فوهة تلك الاسلحة نحو اهدافها في بلد لم تعرف قواتها العسكرية و الامنية و لا حكومتها السياسية وسائل اخماد التظاهرات او اي شكل من اشكال الاحتجاجات عدا الاسلحة النارية و الطِلق الحية في مواجهة المدنيين . و لكن يبدو ان الخوف الذي عشعش في النفوس طويلا بدأ يتبدد شيئا فشيئا , بعد ان بدأ الكثير من المؤسسات الحكومية في نفض اغبرة الخوف من اجسادها و علت اصواتها المطالبة بحقوقها عبر الاضرابات و التي تعد خط احمر للحكومة التي لا تعترف بها, و على خُطى الجامعات الحكومية الخمس و على رأسها جوبا التي بادر اساتذتها بالاضرابات منذ تاريخ الحادي عشر من الشهر الجاري بعد انقضاء المهلة التي كانت قد منحتها لها في السادس منه قبيل الدخول رسميا في الاضراب , بسبب عدم صرفهم الرواتب منذ شهر مارس الفائت و مخصصات مالية اخرى , الا ان واقع اساتذة الجامعات هو واقع الحال في جميع المؤسسات الحكومية الرسمية الان في البلاد من ولائية و قومية, و التي تدهورت بشكل مزري بعد احداث الخامس عشر من ديسمبر وازدادت سؤاَ مع دخول البلاد مرحلة تنفيذ اتفاق حل التسوية في البلاد و الذي انفرجت معها الاسارير لانه كان مرهون عليه وضع نهاية لهذه هذه الازمات لولا تعنت قيادات الحركة الشعبية تيار الحكومة تحديدا في المضي في وضع العراقيل امام تنفيذها, كما تهدد مدارس الاساس و الثانوية في ولاية الاستوائية الوسطى بالدخول في الاضرابات هي الاخرى على الرغم من محاولات حكومة الولاية التي دخلت مع الاساتذة في مفاوضات جادة منذ ايام لايجاد مخارج للحيلولة عن حدوث الاضرابات الا انها الي اليوم لم تفلح , اما تنفيذ سلك القضاء الاعلى في عموم البلاد الاثين اضرابها كما وعدت الاسبوع المنصرم و التي كانت امهلت الحكومة ايام لتلبية مطالبها , فبالاضافة الي الاستحقاقات التي لا تختلف فيها عن مثيلاتها من المؤسسات انفة الذكر فهنالك مطالب باجراء اصلاحات داخل هذه المؤسسة التي لا تتسم بالنزاهة و الاستقلالية علاوة على الترقيات , اضراب القضاة يعد انذار و تحدي كبير لحكومة الوحدة الوطنية التي سارعت مؤسسة الرئاسة فيها بتفويض مولانا لورنس كوربندي مستشار رئيس الجمهورية للشؤون القانونية للتفوضاوض مع القضاة لمحاولة ايجاد حلول مع هذه الشريحة الحساسة في الدولة و اثنائهم عن ذلك .
خطوة الرئاسة تعتبر ايجابية و عملية , لكنها غير متوقع منها الكثير لان القضاة لا يريدون وعودا بل التزامات و مطالبهم قديمة و متجددة الا ان الرئاسة اتبعت سياسة دفن الرؤوس في الرمال لفترة طويلة ظل القضاة يطالبون بها و المطالبة باقالة رئيسها مولانا شان ريج في التشكك في نزاته و استقامته , كما ان الخطوة نفسها التي اتبعت مع الاساتذة من قبل وزير التعليم العالي البروفسير بيتر ادوك وزير التعليم العالي و ادت الي طريق مسدود في نهاية المطاف و فشل مخطط شق الصفوف بتأليب بعض الاساتذة ضد الاخرين لقطع الاضراب , مساعي رئيس الجمهورية للبحث عن الحلول سلميا ربما يعمل على تلطيف الاجواء بعض الشئ بسبب ما صرح به مولانا مايكل مكوي لويث وزير الاعلام و الناطق الرسمي للحكومة الذي يتهم ان خلف المضربين سياسيون يوزونهم ضد الحكومة , مولانا مكوي معروف بمواقفه التي غالبا ما تسئ للحكومة كثيرا , فهو مازال يتعامل مع المواطن في جنوب السودان بالعقلية الرجعية الحركة للشعبية لفترة ما قبل الاحداث فهو لم يتغير و اسلوبه المستفز هذا لا يعطي لنفسه فرصة كما الكثيرون من قيادات الحركة الشعبية لاعادة تقييم مجريات الامور بعد عشرة اعوام من عمر الدولة التي اذابت منها و تدحرجت فيها الكثير من كرات الثلج و تبعثرت في ملاعب مختلفة , فسياسة التجويع الذي تنتهجها الحكومة ضد المواطن كوسيلة للي ذراع المجتمع الدولي كفيل ليحرك الشارع العام في البلاد ضده لان المعاناة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد بات فوق طاقة الجميع , كما ان المجتمع الدولي الذي تحاول الحكومة مجاراتها فهمت اهواء هذه القيادات و باتت هي الاخرى تطالبها مقابل دعم اقتصادها بجملة من الاصلاحات و تفرض لها الشروط , و ما افصحت عنها امس الاثنين كما مجموعة الخير دليل لذلك وهو اقالة ديفيد دينق اطوربي وزير المالية و محافظ البنك المركزي كونيلو كوريوم اللذان يعتبران مسؤلان عن تدهور الاقتصاد الوطني نتيجة للسياسات الاقتصادية الخاطئة , و تطبيق سياسة التعويم في ديسمبر الماضي التي ادت لتراجع العملة الوطنية الجنيه مقابل الدولار كانت اسواها , حيث تشهد الدولار اليوم ادي مستوى لها حيث بلغت خمسين جنيه جنوب سودان مقابل الدولار ! بالاضافة الي مطالبة الترويكا الحكومة بالغاء مساءلة انشاء الولايات ال28ولاية التي مازالت تثير العديد من المشكلات بسب سؤ التقسيم التي اعتمدت القبلية بشكل كبير و ليس تطبيق للفدرالية و احداث راجا الاخيرة ينسب لها هذه المسألة لرفض اهالي المنطقة دمجهم الي اويل الغربية بدلا عن تبعيتهم الاولي لغرب بحر الغزال كموطنهم الاصلية و ليس شمال بحر الغزال .
كل هذه الموضوعات يجب على الحكومة ان تعي و قيادات الحركة الشعبية تحديدا و اجهزتها الامنية ان هنالك تغيير حدث لعقلية المواطن الجنوب سوداني نتيجة لتعرضه للكثير من الضربات الموجعة التي ما كان على البال ,و الذي بات ليس ذلك المواطن الذي صوت للانفصال في العام الفين احد عشر على غفلة و تجاهل تام مجريات الامور, و الذي استهلك كثيرا من قيادات الحركة الشعبية بالدغدغة على المشاعر , و استغلال عوامل اخرى ساهمت في ذلك , لان عنصر القوة في الترهيب و التخويف باتت لا تخدم مصالح الحزب الحاكم نفسها قبل الحكومة العريضة , فعليها ان تتعامل بالاضراب كحق كفله الدستور كما جاء في المادة 25,1 من الدستور الانتقالي الذي كفل الاحتجاج السلمي للمطالبة بالحقوق و هذا ليس معارضة كما تنظر لها الانظمة الماركسية التي كانت تدعي تمثيل الطبقة العمالية , و على النقيض منعت اي الدستور اي مظاهر للعبودية كالعمل دون مقابل وفق المادة 13,2 كذلك من دستور البلاد , و عليه فان الإضراباتُ بمختَلَف أنواعها من أساليب النُّظُم الديمقراطية التي يُمارس فيها الشعب مظاهر سيادته المطلقة، كما تُعَدُّ في عُرْفِ الديمقراطيين حسب ما جاء في العديد من التعريفات الحديثة على انها – ظاهرة صحَّية، يُصحَّح بها الوضع السياسي أو الاجتماعي أو المهني من السيِّئ إلى الأحسن , و طالما البلاد تدعي الديمقراطية و ذات خلفية تحررية فعليها السماح بمثل هذه الاشكال من التعبير لترسيخ هذه المفاهيم التي هي من شيم هذه الدول والشعوب حتى يجنبها من الانزلاق نحو شبح الانحدار صوب هاوية العصيان المدني و الذي سيدخلها طواعية و دون تخطيط , و هذا وارد في مثل هكذا ظروف اذا ما استمرت و توالت الاشهر دون صرف للمرتبات , فالعامل سيجد نفسه يتعذر عليه الوصول الي موقع العمل , الا ان الحكومة بقدورها تجنب كل هذه الامور و الخروج من هذه الازمة في التخلى عن المراوغة و المكابرة و النزول الي رغبة الشعب بتنفيذ اتفاق السلام الذي فرصته للنجاة و ابعاد البلاد من شر كل الاحتمالات . ,

sawdunia@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً