د. أسامة خليفة- أكاديمي
abuduaa74@yahoo.com
استوقفتني مؤخرًا التجربة المُلهمة للباحثة السودانية الشابة سماح القاضي، التي استطاعت انتزاع الجائزة الأولى بمشروع ريادي مبتكر “مشروعي” الذي يهدف إلى توظيف أعشاب النيل في بعض الصناعات والحرف اليدوية. لم يكن المشروع مجرد ورقة بحثية، بل كان جهدا ذاتيا خالصا نابعا من شغف حقيقي، حظي بإشادة واسعة من رواد الأعمال والأكاديميين السودانيين، الذين رأوا فيه بارقة أمل لمستقبل الصناعات المحلية.
إلا أن ما دفعني للكتابة ليس مجرد عبقرية “الفكرة”، بل “الشخصية” التي تقف خلفها؛ فقد أدهشت سماح الحضور بثقة بالغة، وقدرة فائقة على المحاججة والبرهنة، وإصرار لا يتزعزع على جدوى فكرتها رغم التحديات التي واجهتها. هذا النموذج يفتح أمامنا باباً واسعاً من التساؤلات المشروعة حول دور مؤسساتنا التعليمية في صناعة هذه الشخصية المبتكرة: هل تجربة سماح هي نتاج عملية تعليمية مؤسسية صقلها منهج دراسي، أم أنها وليدة ظروف اجتماعية واقتصادية خاصة؟ قد يعزو البعض تميز سماح إلى عوامل محيطة، كنشأة في بيئة أسرية داعمة، أو سمات فطرية منحتها هذا التوقد الذهني. ولعل هناك المئات، بل الآلاف، من النماذج الشبيهة بسماح في بلادنا، لكنها لم تجد الظروف المواتية التي تسمح لمواهبها بالبزوغ. وهنا نضع الإصبع على الجرح، هل يمكن لمؤسساتنا التربوية أن تتحول من “أوعية للمعرفة” إلى منصات حقيقية لاكتشاف المواهب وتنميتها؟ هل بمقدورنا إعادة صياغة العملية التعليمية لتنتقل من مربع “التلقين والحفظ” إلى فضاء “المهارات الحياتية” و”مهارات القرن الحادي والعشرين”، التي تشمل التفكير الناقد، التعاون، الإبداع، ومهارات التواصل التقني والمعرفي؟
إننا بحاجة ماسة إلى تعليم يبني شخصية الطالب؛ تعليم لا يُخرج حفظة كتب، بل يصنع روادًا يملكون الشجاعة لطرح أفكارهم والدفاع عنها. إن تجربة سماح القاضي هي دعوة صريحة لمراجعة الأنظمة التعليمية القائمة؛ فالمستقبل لا يُبنى بالشهادات الورقية، بل بعقول واثقة وشخصيات قادرة على الابتكار “خارج الصندوق”.
د. أسامة خليفة- أكاديمي
abuduaa74@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم