البعث والأطباء من شكوى الغياب إلى مناهضة الحضور .. بقلم: ابراهيم عثمان
15 أكتوبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
لا شك أن مواضعات السياسة تحتمل التوظيف السياسي للأزمات ، ومحاولات استغلالها لخدمة الهدف السياسي ، ولكن السياسي الذكي هو ذلك الذي يفلح في إثبات أن دوافعه ليست سياسية مصلحية بحتة ، والذي يستطيع أن يخدم الأهداف الأخرى الخيرة بعمله ، بحيث يظل الهدف السياسي في الخلفية مفسحاً المجال للأهداف الإنسانية والأخلاقية لتكون هي الرسالة المباشرة التي يستلمها الجمهور ، ولعل في ذلك خدمة أكبر للهدف السياسي ، ولكن الخفة والتسرع ومحاولات اقتناص وتوظيف كل الفرص والسوانح واستغلالها واستقطارها لآخر نقطة لا تترك مجالاً للحديث عن أخلاق وأهداف انسانية سامية ، ففي معظم الحالات هناك محاولات مكشوفة للإستثمار السياسي المتعجل مما يهزم أي محاولات للحديث عن مبدأية وأخلاق . السياسي الذكي هو ذلك الذي يستطيع بمهارة أن يضع الرسائل الأخلاقية والمبدأية والأهداف السامية في متن مواقفه وكتاباته بحيث يستلمها الجمهور مباشرة ، بعكس الذي يتخذ الموقف ويسطر الكلمات ثم يدافع عن أخلاقيتها ومبدأيتها بكلام لاحق خارجي لم يكن ثمة شئ من معالمه في متن الموقف .
ولعل بعضنا لاحظ شيئاً من ذلك عند حزب البعث ومتابعاته المستمرة لحالات الإسهال المائي في الفترة الماضية ، فقد كانت نشرة ( الهدف ) تتابع بإهتمام بالغ انتشار المرض ، وكانت حريصة على تشخيصه بأنه كوليرا ، وبأن المرض ينتشر بسرعة شديدة في ظل غياب الإهتمام الحكومي ، وقلة أعداد الكادر الطبي الذي يعمل لمعالجة الحالات ، مما يشيع حالة من الذعر بين المواطنين ، الذعر الذي يصاحبه غضب من الحكومة واهمالها وعدم توفيرها للمعينات والكوادر الكافية للتعامل مع الأزمة .ظلت نشرات البعث ولآخر لحظة تحمل أخبار انتشار المرض ، ولكن ودون أي مقدمات أو تمهيد توقفت نشرات الكوليرا التي كانت رسالتها الرئيسية التي يستلمها الجمهور هي بأن الوضع كارثي والتقصير الحكومي كبير وبأن الأمر يتطلب اهتماماً أكبر يصل إلى درجة إعلان ما يمكن تسميته بحالة الطوارئ الطبية ، بحيث يتم تكثيف العمل في المستشفيات وأن يكون هناك أكبر عدد من الأطباء والكوادر المساعدة في اماكن تفشي المرض وفي الأماكن الأخرى التي ذكرت متابعات البعث بأنها مرشحة لتفشي المرض لظهور حالات فيها . كان على البعث أن يجيد ( القفلة ) ويغلق ذلك القوس بطريقة أفضل تنفي عنه تهمة الغرض السياسي البحت ، وتمهد للإنتقال السلس إلى مرحلة تشجيع الأطباء على الإضراب .
فقد كانت الحالة الصحية العامة في متابعات البعث حرجة وساخنة تحتاج لحالة طوارئ لا إضراب عن الحالات الباردة ، ولا أدري ما هو تصنيف (الكوليرا) المنتشرة بسرعة الصاروخ بين الحالات الحرجة والباردة ! إذن كان البعث وغيره من متابعي انتشار (الكوليرا) في حاجة إلى قفلة ، والقفلة من حيث الشكل هي الجملة الختامية التي تغلق قوس الأزمة وحالة الطوارئ وتفتح قوس الحالات الباردة التي تجعل الإضراب مبرراً أخلاقياً بحسبانه توقف مؤقت عن حالات محددة في زمن ليس فيه كوارث ولا حالة طوارئ من أجل تحسين الوضع الصحي العام ، إذن القفلة ومع أنها جملة الختام إلا أنها مناط السرد السابق الذي غطى الأزمة ، وعلى أساسها يكون التأويل لحقيقة ما سبقها ، فما الذي يضير البعث وغيره إن أجادوا قفلتهم وبشروا الناس بإنحسار الأزمة وكانت لهم متابعات بذات الهمة لنهاية الحالات المرضية أياً كانت تسميتها ، فأشاعوا روح الطمأنينة كما أشاعوا الخوف ، وكان بإمكانهم تجنب الآثار الجانبية السلبية لذلك والمتمثلة في الفوائد غير المباشرة التي تعود على الحكومة بالقول بأن حملات المعارضة ومتابعاتها قد أدت إلى انحسار المرض ، أما أن يتركوا قوس المرض مفتوحاً لينخرطوا في متابعة الإضراب ففي ذلك إثبات في غاية الوضوح بأن الغرض في الحالتين كان هو التوظيف السياسي غير المصحوب بأي حامل أو رافعة أخلاقية ، فما بين المرض المتفشي بزعم متابعاتهم وما بين الإضراب الأكثر تفشياً بزعمهم وتشجيعهم مسافة لا يردمها إلا الغرض السياسي العاري من أي أخلاق .
salaby2013@yahoo.com