التحنف ترياقا للصراع الايديولوجي بين المتأسلمين ومخالفيهم .. بقلم: الدكتور أحمد صافي الدين

 

إنّ التّراث غني وثر في التّعامل مع المعضلات والتّحديات التي تواجه الحياة المعاصرة، ومن بينها قضيّة الوسطيّة والتّطرف في المواقف والآراء والاتّجاهات. ويكفي أن نشير ههنا الى رؤية عالمين جليلين هما العلامة ابن خلدون والإمام ابن قيّم الجوزية، حيث أن كلّ منهما قد قدم رؤية فيما يختص بمعالجة قضيّة الوسطيّة ونبذ التّطرف من خلال حديث الأول عن الآفات التي تعرض للخبر الإنسانيّ في الاجتماع البشريّ والعمران، والآخر حول: المحل لا يقبل الضّدّين.فالآفة تعرف لغة على أنها هي العرض المفسد لما أصابه وقد تكون عامّة أو خاصّة. والوسطيّة كتيار ومنهج وسلوك وموقف لها ما يضادها، وهو التّطرف الذي يجمع بين نقيصتين اثنتين؛ كلاهما يخرج صاحبه عن حد الاعتدال ويتجاوز به إلى ضدّ ذلك وهو الجور. ومن أبرز آفات الوسطيّة فساد الفطر؛ التي فطر الله النّاس عليها. والتّطرف هو منهج فكريّ نظريّ يرتبط بتطبيقات عمليّة سلوكيّة بارزة للعيان في زمان النّاس هذا. يذهب العلاّمة ابن خلدون إلى إن آفات الاجتماع الإنساني هي: أولاً- التّشيعات للآراء والمذاهب: حيث أنّ التّشيع للآراء والمذاهب باختلاف ضروبها يجلب إلى الأنفس الهوى والميل. وعلاج الأمر بالاعتدال، حيث يشير إلى أن النّفس إذا كانت على حال من الاعتدال في قبول الخبر، أعطته حقّه من التّمحيص والنّظر، حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحله قبلت ما وافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتّشيع غطاء على بصيرتها عن الانتقاد فتقع في قبول الكذب ونقله. إنّ القضيّة التي يشير إليها ابن خلدون لا يفهم منها فقط التّعامل مع الأخبار في السّياق الإعلاميّ ، وإنما هي أشمل وأعم، بحيث تشمل العمران البشريّ كلّه، وتغطي كلّ المجالات وكافّة الجوانب الاجتماعيّة، ومن هنا تأتي أهمّيّة الاعتدال الذي يقابله لفظ الموضوعيّة أو المصداقيّة أو العدالة وفقاً للمصطلحات المعاصرة.ثانياً- الثّقة بالناّقلين:فالوقوع من الذلل في قبول روايات النّاقلين على ما هي عليه، ويعالج الأمر بتمحيص الرّوايات وعدم الثقة بالرّواية ابتداء، ولا بدّ من ثبوت الصّحّة كشرط لقبول الرّواية المنقولة.ثالثاً- الذّهول عن المقاصد: ومن بين الأخطاء الخفيّة أنّ النّاقل لا يعرف القصد ممّا عاين أو استمع، فينقل الخبر كما ظنّ هو، ومن القصص الدّالة الوضوح ما ورد في القرآن الكريم من قصّة العبد الصالح ونبّيّ الله موسى عليه السّلام فيما كان من أمر الغلام الذي قتل، والجدار الذي أقيم، والسّفينة التي أُعيبت بخلع لوحها. رابعاً- توهم الصّدق: وعلاجه عدم الثّقة في مصادر الأخبار، وإنّما يتحرى وجود الصّحّة من عدمها في نقل الخبر. وقد شاع في الآونة الأخيرة انتشار تسريبات الأخبار، وتلفيقها، وفبركتها، وتلوينها، وهي جملة قضايا قللت من مصداقيّة الوسائل، وقللت من قيمة الصدق في الرّسائل. خامساً- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التّلبيس والتّصنع. فالجهل بما في الأنفس، والغفلة عن إدراك كنه الأشياء، والتّخمين والرّجم بما في نفوس البشر، أمر ربما جانب الصّواب في كثير من المواقف.سادساً – التّقرب لأصحاب التّجلّة والمراتب بالثّناء والمدح. إنّ عملية التّجرد من المنافع الماديّة والمعنويّة هو شرط ضروريّ للتّعامل بموضوعيّة مع أهل السّلطان؛ فأن النّفوس مولعة بحب الثّناء، والنّاس متطلعون إلى الدّنيا وأسبابها من جاه وثروة. سابعاً- الجهل بطبائع الأحوال في العمران؛ حيث تعد الثّقافة والمعرفة بالحقائق: الطّبيعيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة شرط ضروريّ لمعرفة وتمييز ما يمكن وما لا يمكن ، وما يصحّ وما لا يصحّ من أخبار تروى، ولكلّ وتحولات تحدث في دنيا النّاس. وأمّا مشكلات الوسطية كما يراها الإمام ابن قيم الجوزيّة، فقد لخّصها في رؤيته الجامعة في أنّ المحلّ لا يقبل الضّدّين. فمثلما أنّ المرء لا يمكن أن يأكل الكعكة ويمسك بها في الوقت نفسه، فانه لا يمكن له أن يقبل الشيء وما يناقضه أو يضادّه . يقول ابن القيّم :” قبول المحلّ لما يوضع فيه، مشروط بتفريغه من ضدّه، وهذا كما أنّه في الذّوات والأعيان، فكذلك هو في الاعتقادات والارادات. فمسائل الرّأي، والقبول والرّفض، والبغض والحبِّ، لا يمكن أن يكون الإنسان فيها محلاً للضّدّين؛ إذا لا بدّ من تبني الرّأي والوقوف ضدّ الرّأي الآخر، أو احترامه والتّعامل معه بالقبول. فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع، كما أنّ اللّسان إذا اشتغل بالتّكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النّطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النّطق بالباطل. والقلب مثله مثل الإناء الفارغ، فإذا امتلأ، لا يمكن شغله بمادة أخرى غير التي هي فيه، إلا بعد أن يفرغ من تلك المادّة الأولى. ومصداق ذلك ما يا يقال عن أن كل إناء بما فيه ينضح. وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطّاعة لم يكن شغلها بالطّاعة إلا إذا فرغها صاحبها من ضدّها. فجوارح الإنسان التي يسخرها صاحبها في أمر ما لا يتيسر له تسخيرها فيما هو ضدّه إلا بالتّخلي عن ما سُخِّرت له في المرّة الأولى، كشرط لقبول التّسخير في الأمر الثّاني. ويمضي ابن القيم فيقول:” فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشّوق إليه والأنس به، لا يمكن شغله، بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلي لقاءه إلى بتفريغه من متعلّقه بغيره. فتعلق المرء بكثير من الأشياء يجعله أسير تلك المتعلقات لا يستطيع الفكاك منها بسبب العلاقة الناشئة بينه وبينها. ” ولا حركة اللّسان بذكر الجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من غيره وخدمته”. فإذا امتلأ القلب بالشّغل بالمخلوق، وبالعلوم التي لا تنفع لم يبق فيها موضع للشّغل بالله ومعرفته وأسمائه وصفاته وأحكامه، والنّاظر إلى واقع النّاس اليوم يدرك صحّة ما قرره ابن القيّم من حقائق ذات صلة كبرى بالجانب العقليّ. ويوضح الإمام ابن القيم فيقول:” وشر ذلك إصغاء القلب كإصغاء الأذان، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا جبل إلى غير محبّة الله لم يبق فيه ميل إلى محبّته، فإذا نطق القلب بغير ذكره، لم يبق فيه محلّ للنّطق بذكره كاللّسان. خلاصة القول أن الاستقطاب السياسي الحزبي في السودان قد نتجت عنه سلبيات بارزة للعيان، شكلت هذه المعضلات تحديا يهدد الوجود، ويقعد بالبلاد عن النهوض والارتقاء، ولهذا فان البحث عن علاج يتوافر في الاعتدال والوسطية بشروطها. فصراع الاضداد يدهب ببيضة الوطن، ويبعثر جهود البناء ، ويعطى الفرصة للآخر المتربص. وازاء ذلك كله لا بد من منهج مبرأ من الافات والسلبيات وهو عندي يمكن في تبني منهجية الحنفاء،والتي يمكن ان يتمخض عنها نظرية الحاكم الاخير التي سنفصلهما في مقالين آخر ين منفصلين باذن الله تفاديا لداء التحزب وترياقا لسمومه.

ahmedsafidin@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً