(الترابي) في رحيل التوحيدي المناضل .. بقلم: غسان علي عثمان


ghassanworld@gmail.com

في الخامس من مارس 2016م غادرنا الشيخ حسن عبد الله الترابي إلى دار الخلود، فعلها قبله الكثيرون، فالرجل امتداداً لسلسلة الإصلاحيين الإسلاميين، والذين يغلب على تأسيسهم إيلاء النظر العقلي حقه، من لدن الغزال الألثغ واصل بن عطاء (توفي في 748م)، وأبو الحسن الأشعري (ت:937م) وأبو حامد الغزالي (ت:١١١١م)، وجمال الدين الأفغاني (ت:١٨٩٧م)، ومحمد عبده (ت:١٩٠٥م)، ومالك بن نبي (ت:1973م) وعلي شريعتي (ت:1977م) ومحمد أبو القاسم حاج حمد (ت:2004م)، ومحمد عابد الجابري (ت:2010م) والآن الشيخ حسن عبد الله الترابي (2016م).. إن ما ميز هذه السلسلة أولاً أنها من مشارب عدة، وأنها تخلصت من أوهام العصبية الدينية (سنة وشيعة)، وأنها امتازت بحضور العقل في فهم التراث وتحليله، يأتي الترابي في سجل الإصلاح الإسلامي بمعنى جديد وهو إعادة الاعتبار لسلطة النص، أي العمل من داخل النص القرآني للإجابة عن سؤال الهزيمة الحضارية، ولذا انصب جهده في دلق مزيد من الراهنية والحساسية على النص القرآني، ومن يقرأ التفسير التوحيدي سيلمس بغير عناء تلك الطاقة الخلاقة في معرفة الرجل، وتوحده من القرآنية النقدية، فتفسير الرجل لا يستند إلى معنى يقع خارج النص، بل يستخلص الدال من علاقته بالمدلول، أي أن الترابي يقول بارتباط اللفظ والمعنى، وقد سبقه إلى ذلك محمد عابد الجابري في تحليل العلاقة بين اللفظ والمعنى في تراثنا الإسلامي، وهو درس قديم قال به أفلاطون قبل الميلاد، أي أن الكلمات تحاكي الطبيعة( مثال:زقزقة.. تدل على صوت العصفور). وفي حالتنا هنا فإنها تماثل الحقيقة القرآنية، وهذا جوهر منهج التوحيد الذي كرس الرجل حياته لتثبيته في درس المسلمين.

وجوهر فاعلية هذه السلسلة من حركات الإصلاح الإسلامي هي عملهم بجدية لصالح التخلص من تجليات الظاهرة إلى تنقية محدداتها طمعاً في إصلاح العقل وهو المتهم الأول.. هم كذلك عندما اشتدت الوطأة على الحضارة الإسلامية، وطأة القهقري.. فتاريخ الأمة بدأ في التواري عن الصدارة مرتبكاً من ضغط الداخلي المتمثل في خيبات إدارة شئون الناس، ومتوكاً عصا الفراغ من تهيباته للوافد وليس فقط في جانبه السياسي بل في الهجمة الشرسة والتي هي بمثابة انتقام من خضعوا جوهرياً للحضارة الإسلامية.

أما مؤلفات الدكتور الترابي توصف بأنها تتخذ من إعادة بناء فلسفة التوحيد المجرى الرئيس في فهم الدين وإصلاح التدين، ويربط الكثير بين إحياء علوم الدين للإمام الغزالي وبين رؤية الترابي في الإصلاح، وحقيقة وعلى ما فوق هذا التشبيه من رجاحة إلا أنه من الصعوبة النزول عند حد القول بالتشابه المنهجي بين المشروعين، فالغزالي بن المحنة بامتياز، ومن يتتبع مسيرته الفكرية سيعرف كيف كان للظرف السياسي أثره البالغ على تأسيساته النظرية، فالغزالي تركبت عنده قناعات متعارضة تصل حد التناقض، ولذا تولد إحياؤه من ظلمة النفس ووحشتها، أما الترابي فهو وليد المشروعية العقلانية في نسختها المتطورة من بعد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

كان الترابي وسيظل معنى مختلف للعقلانية الإسلامية، فالرجل نفذ مباشرة ببصيرة إلى أن مشكل الأمة هو في خضوع آليات التفكير لمثبطات أولها ثقل التراث وهيمنته، وليس أخرها ضعف الحاسة النقدية والحساسية تجاه الواقع ومستجداته، يمتاز مشروع الرجل، وللرجل مشروع عظيم يتجلى في إيلاء العقلانية والسببية حقها في ممارسة الدين وشعائره، قلنا يمتاز بحضور كثيف للواقعية.. ولذلك لأن تكوين الترابي قانوني النزعة وحضوره السياسي ارتبط بقدرته في سن مبكرة (في ثورة أكتوبر كان يبلغ من العمر 32 عاماً) بتخلصه من الوظيفة وربقتها وتسليم مستقبله للمجهول كما يشير الدكتور أمين حسن عمر.

​من حكمة المولى عز وجل أن جاء الرجل في جغرافيا السودان مسلم في بلد سني محتل بالكامل برؤى سحرية، وقدر الرجل كان أن يعمل في بيئة لا مكان فيها للنظر العقلي، بل هو نفسه حينما أراد الدخول إلى السياسة ما وجد من بُّد إلا إقناع القطاعات المتمسكة بالإسلام منهجاً للحياة بأنه ليس ثمة اختلافات بينهم سوى في ترسيم وهمي كل يدخل فيه بكسبه، فجاء جبهة الميثاق الإسلامي (1969م) حين تم انتخابه لقيادتها، وهو تحالف عريض يجمع السلفيين والصوفية وحركات الوعي الجديد في بنى المجتمع..

نعتقد أن الأصلح في تأبين شيخ حسن هو تخليصه من الإنكار لحضوره المعرفي، نقول تخليصه من صراع الأنداد إلى تعميده مفكراً يخصنا، فمن المؤسف جداً أن جيل بالكامل ابتعلته السياسة وغاب عن سجلنا الفكري، محمد أحمد المحجوب (ت:1976م) فالرجل أحد أعمدة الأدب السوداني، ولكننا نضعه في الواجهة السياسية فقط، والحال كذلك مع الدكتور حسن عبد الله الترابي فهو مسجون في قبو السياسة، والدعوة الآن هي تخليصه من قيود السياسي إلى رحاب المعرفي..  

الترابي الذي ولد في 1932م، يعود إلى البلاد ليجد نفسه متورطاً في همها العام هكذا دون إذن منه، يدخل غمار السياسة في مشهد أكبر من قدراته بل وقدرات الأمة (ثورة 1964م) التي أسقطت حكم الفريق عبود، حكمه المسنود بالطائفتين (الختمية والأنصار) وعبر السيدين، تبدأ أولى معاركه في إعادة بناء منظومة القيم، لشعب خرج لتوه تائهاً ومشوه، فقد كانت سلوكياته هي تقليد للحداثة في نسختها الشاذة، لتأتي معركة الدستور الإسلامي، وهي في أصلها بداية العمل لإجل إصلاح القيم، ثم تأتي ماية 1969م بسند من اليسار والشيوعيين رداً على تحجيم حضورهم في الحياة السياسية، فيسجن منذ صافرة بداية الإنقلاب ويظل في السجن حتى 1977م، ويخرج مواصلاً عمله لأجل مهمته الرئيسة وهي الإصلاح على طريقة جمال الدين الأفغاني، أي الإصلاح بالصدمة، وبالفعل كان الترابي مصادماً وبقوة لكل ما يتعارض مع مشروعه الفكري، والقصة مستمرة..

وبعد مسيرة حافلة وحضور قوي في ساحات الفكر والسياسة، وهو يعرف ماذا يريد، بنى تنظيمه في فترة وجيزة، مجبراً ورثة الطائفية أن ينزلوا عند فرادته فيصبح في أقل من ٣ أعوام قوة ثالثة، وهذه هي براعة الرجل، أن تزاحم بلا جاه.. أن تحجز مكانك دون حق التذكرة كاملاً. تتلخص قوة الرجل في عناده المقدس ضد الاعتيادية والاعتباط والدلاهة.. موت الدكتور حسن الترابي بمثابة إعلان تنازلي عن أفول نجم جيل الستينيات من السياسيين، وبعد وفاته بدأ عصر الورثة المتشاكسون..

إلا رحم الله الشيخ حسن الترابي وأسكنه فسيح جناته.. آمين..

ghassanworld@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً