التطبيع والصخب السياسي !! .. بقلم: عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

abdullahaliabdullah1424@gmail.com

 

كلما طرح موضوع التطبيع إلا ورافقه هيجان وفوران سياسي. وفي الحقيقة كل تناول للقضايا العامة، والمتصلة بالدولة علي وجه الخصوص، تتسم بهذه الخاصية. وغالبا ذلك بسبب غياب وعي الدولة او عدم اكتماله، الشئ الذي شوش علي كل ما يتصل بها. ولكن لماذا طوال نصف قرن او يزيد من الاستقلال لم يتكون لدينا ذلك الوعي؟ الراجح ان ذلك يعود لحالة الصخب السياسي بين اليسار واليمين (الاعلي صوتا والاكثر ضجيجا) الذي حكم المشهد السياسي. وهي حالة بطبعها تنم عن قلة او ضبابية الوعي وليس فائضه كما يتوهمون! المهم، هذا الصخب لم ينتج عنه ضمور الوعي السياسي فحسب، وانما افرز الانقلابات العسكرية والحركات المسلحة، واخيرا للاسف المليشيات، التي اصبحت تتحكم في المشهد السياسي. وهو ما يعني ان الصخب السياسي لا يراكم الوعي او يستفيد من الاخطاء، ولكن ما يفعله، تعقيد الازمات والدفع بها الي انغلاقات اكثر ماساوية! والمفارقة انه كلما تطورت الازمات، اسهمت بدورها في زيادة الصخب السياسي وصولا لتضخمه وطغيانه. اي كاننا سياسيا محكمون بحلقة آل بروبون الشريرة. والحال كذلك، يصبح تاريخنا السياسي هو تاريخ الصخب السياسي بامتياز، والذي عقم البيئة السياسية بعد ان نزع عنها ممكنات النهوض، وصادر حق التطور الطبيعي للمجتمعات. وهو ما ساهم بقسط وافر في تآكل وعي الدولة وتوافر متطلباتها، مثل التوافق علي مشروع وطني وهوية جامعة. لكل ذلك ارتبط وعي الدولة وقيم الوطنية، بمصالح من يتحكم في السلطة، ولسوء الحظ اغلبها كانت نظم انقلابية مدعومة من اليسار او اليمين، اي انعكاس لقوي الصخب المهيمنة. وهذا الوعي الصخبي اذا جاز التعبير، اسهم في خلق الوعي المفارق، اي صنع واقع بديل، كافضل تعبير عن درجة انفصام اصحابه. والخلاصة، الصخب السياسي لا ظهر ابقي ولا ارض قطع بعد مرور نصف قرن من الضجيج. والسبب ان الموضوع كان بسيط ولا يحتاج لكل هذا الهياج والانفعالات السلبية والتنظيرات العائلية (ذات الحجم الكبير)! اي المشلكة ليست ذات جذر طبقي او علاقات استغلال او هي نقص في الدين، بقدر ما هي دولة في طور التشكل ومجتمع تقليدي، يحتاجان للانتقال الي مستوي الحداثة او لغة العصر بكل هدوء! اي ما كنا نحتاجه نخبة حكيمة وادارة رشيدة وحكومة رشيقة تعبر بالمرحلة الي بر الامان. في هذا السياق يحمد للدكتور النور حمد جهوده التي يجب الا تغضب الشيوعيين، لان اي تقييم منصف لمسيرة النصف قرن الاخيرة، يخبر عن فشل ذريع واخطاء متكررة، وكان للحزب الشيوعي تاثيره الكبير قي تلك الفترة. والحال هذه، يبدو ان الاحزاب الطائفية رغم كل ما يقال عنها، هي الاقرب للواقع السوداني، من الاحزاب المنبتة التي تسمي حديثة! ولا يعني ذلك مدح تلك الاحزاب الطائفية، ولكن ما نعنيه، الافضل كان تطور تلك الاحزاب (الاشتغال عليها)، من قيام احزاب راديكالية تحلم بتغيير الواقع بضربة واحدة، لتنتج لنا سلسلة الانقلابات المتكررة. وبدل ان تغير الواقع المنقلبة عليه، تنقلب هي نفسها علي شعاراتها وطروحاتها، وفي هذا بيان واضح علي حقيقة ضجيجها وصخبها. وبكلمة واحدة، هنالك فارق بين الحماس والحكمة، فالحماس يمكنه ان يغير، ولكن البناء لا تسعه إلا الحكمة. اما ادل وقائع علي تجذر سياسة الضجيج واستمرارها، فهي قضية التطبيع وقبلها رفع الدعم، وساعد علي ذلك خلو وفاض السيد حمدوك من برامج تندرج فيها تلك القضايا؟!
واخيرا قطع خبر التطبيع قول كل خطيب، لنخرج من مرحلة طابعها العجز والفشل والاخطاء الكارثية، غطت معظم صفحات تاريخنا الحديث، لنستشرف مرحلة مفصلية تسعي للتعاطي مع العالم بلغته التي يفهمها، وليست لغة الصخب التي نرغبها. في هذا السياق، ليس مهما عملية التطبيع في حد ذاتها، ولكن ما يهم هو امكانية حدوث تحول في وعينا السياسي، لنفرق بين مصالح الدولة، والخلافات الايديولوجية بين الفرقاء السياسيين. او بصورة ادق هنالك فارق بين لغة الدول التي تتحدثها المصالح، وبين التنافس والتشاكس الحزبي علي السلطة او اثارة الجماهير، وان تم ذلك بشعارات بالية، كانت جزء اساس من هذه الورطة التي نقبع فيها الآن.
وبالطبع لا يعني التطبيع نهاية المطاف او طاقة القدر، ولكن ما يعنيه هو النقلة في التفكير التي تتعامل مع الواقع كما هو، بممكناته وفرصه واستحالاته، وذلك بالانطلاق من التحديات الداخلية في توجيه بوصلة العلاقات الخارجية. بعد ما ظللنا ولوقت طويل نهدر فرصنا ومواردنا، في خدمة قضايا خاسرة وشعارات خائبة، واجندة خارجية ومجتمعات اخري، لا يصدف ان بعضها افضل حالا منا وبعضها الآخر يسخر من سذاجتنا وعفويتنا. وكل ذلك بدلا عن مناصرة قضايا الداخل وخدمة مصالح المجتمعات المحلية، التي لم يُقدم لها الا الحروب والنزوح واللجوء، اضافة لتعميم الفقر والمسغبة لبلد يوصف بالثراء! وكل ذلك كما سلف لغياب المشروع الوطني والهوية الجامعة، التي تسهل فرز مصالح الداخل من مخاطر الخارج. وعليه، اذا لم تواكب هذه الانعطافة في السياسة الخارجية، عصف ذهني يتلمس خطوات بناء ذاك المشروع، او تصبح فرصة للقطع مع ثقافة الصخب السياسة لصالح الواقعية السياسية، او اقلاه كانت جزء من برامج واضحة لحكومة حمدوك للخروج من هذا النفق. سوف تصبح هذه الخطوة الفارقة قفزة في الظلام، لحكومة انتقالية يبدو انها لا تجيد سوي قفزات الظلام، بقيادة ربانها الهاوي حمدوك. والاخطر ان تكون خدمة لاجندة احد اطراف مكونات السلطة الانتقالية، لمرامي لا تخفي علي احد.
اما ما يجعل كل هذا الضجيج غير مفهوم في عملية التطبيع هو سؤال محدد، هل التطبيع خيار ام شرط للعبور من وضعية النبذ الي وضعية الدولة الطبيعية؟ وبالطبع يستحيل الكلام عن التعافي او الاصلاح في دولة غير طبيعية، او تعاني نقصان الاهلية، والاعتراف الدولي، كحالة السودان ووضعيته في لائحة الارهاب.
و رغم ان التطبيع يشكل هاجس نفسي سواء بسبب انتهاكات وجرائم اسرائيل في حق الفلسطينيين، او استهانتها بالقانون الدولي، او بسبب تكريسها كعدو وجودي منذ نشأتها بصورة غير طبيعية او بوضعية احتلالية، او حتي لسبب عقدي لدي بعض المتدينين. إلا انه يمكن تجاوز هذه الحالة بجملة اسئلة وملاحظات منها:
اولا، ماذا تقدم دولة كالسودان بحالتها الراهنة، التي يحاصرها البؤس ويتهددها خطر الفشل ومخاطر التفكك، للفسلطينيين و قضيتهم؟
ثانيا، ظل السودان وطوال تاريخه يقف الي جانب الفلسطينيين وقضيتهم، وقدم في ذلك دماء ابناءه دون من او اذي، وطالما الامر كذلك لماذا لا يقدر الفلسطينيون وضعية السودان الحرجة، والشروط المفروضة عليه، لخلاصه من وصمة الارهاب التي لا تشبهه ولا يشبهها؟
ثالثا، لا يعني التطبيع اهدار الحقوق الفلسطينية او الوقوف الي جانب اسرائيل في اعتداءتها او تجاوزاتها، ولكن ما يعنيه هو انهاء حالة العداء وتبادل المنافع وحل الخلافات بصورة سلمية. كما انه ليس هنالك قانون او اتفاق او قوة في الدنيا تمنع اصحاب الحقوق من نيلها.
رابعا، علي الفلسطينيين النضوج واخذ مصيرهم بيدهم، وتاليا تحرير قضيتهم من المتاجرة، سواء من قبل الانظمة الغير شرعية او التنظيمات العابرة للدول، هروبا من دفع استحقاقات الشرعية ومطلوبات بناء الدولة الوطنية.
خامسا، آخر من يحق له الاعتراض علي التطبيع هم الاسلامويون الانتهازيون، وهم من حفا بحثا عنه، وقبلها هم من ادخلنا في ورطة الارهاب وقائمته اللعينة. وتاليا هم من اكرهنا علي التطبيع لتحسين صورتنا وسمعتنا وسيرتنا الملطخة بالارهاب. وذات الامر ينطبق علي حركتا حماس والجهاد الاسلاميتين، اللتان دعمتا نظام الاسلامويين الاجرامي في السودان طوال الثلاثة عقود الظلامية. وعموما هاتان الحركتان هما اسوا من يمثل القضية الفسلطينية، كما انهما مشاريع استبدادات دينية مفتوحة في حال تمكنا من اي سلطة.
اما الاعتراض علي عدم التشاور وغياب الشفافية وقضاء قضايا الدولة المصيرية بالكتمان، فهو اعتراض موضوعي ويستحق الاحترام، ليس لان المسالة خطأ او صواب، مفيدة اوغير مفيدة، ولكن لان الشفافية والمصارحة والمشاركة العامة احد مقتضيات الديمقراطية التي نسعي لها. وهنا يبرز سؤال للمكون العسكري، بوصفه الاكثر حماس لموضوع التطبيع اكثر حتي من همْ الازالة من القائمة، ما الذي يجعل التطبيع بكل محاذيره مبرر، بوصفه مصلحة وطنية، ولا يجعل العلمانية التي تطالب بها الحركة الشعبية جناح الحلو مبررة، طالما هي ايضا مصلحة قومية، وهل هنالك مصلحة اكبر من السلام الحقيقي؟
اما الخوف كل الخوف فياتي من قبل حمدوك، الذي اظهر حالة من الاضطراب والتردد في هذه القضية وغيرها من القضايا بما لا يليق بقائد حقيقي، وهو ما يضيف مزيد من الشكوك حول قدرة واهلية حمدوك القيادية للعبور بالفترة الانتقالية بسلام. وفي هذا الاطار نذكر حمدوك ان القائد الفعلي لا تغيره السلطة، ولكن هو من يغير السلطة، بتقديم النموذج المغاير في التعاطي مع السلطة.
وكما وعدنا حمدوك وبشرنا بالسلام منذ توليه السلطة. نجده ترك الجمل بما حمل للمكون العسكري لقيادة عملية السلام، لتكون المحصلة اهدار لزمنٍ غالٍ في سلام هش بشروط تعجيزية وملامح عنصرية مضادة، والاسوا مصادرته للوثيقة الدستورية كانقلاب ابيض، ولذلك لا يجد الاهتمام إلا من قادة الجبهة الثورية وانصارها وكارهي المركز (الاصح اسطورة المركز، لانها تقيم في افكارهم المريضة وليس علي ارض الواقع)! والحال هذه، الخوف ان نجني من موضوع التطبيع وازلة السودان من القائمة نفس الحصاد الهشيم. وما يجعل هذه المخاوف متعاظمة، وضع حمدوك كل همومه ومخططاته في سلة الخارج، بوصفه ابن مؤسسات الخارج ومؤمن بعقيدتها الاقتصادية، مع ان اصل العلة داخلية، وتاليا علاجها داخلي، وما الخارج إلا عامل مساعد ولكن مساعدته اساسية.
اخيرا
ما زلت عند ايماني ان هنالك حاجة ماسة لاستبدال حمدوك بقائد آخر، اذا كان هنالك امكانية لذلك، وسبق ان طرحت الاستاذ ياسر عرمان كخليفة مناسب، ويمكن ان يضاف له شخصية محترمة وواضحة ومثقفة، ولا تقل تقدير وقدرات متكاملة للعبور الآمن بالفترة الانتقالية، وهو الدكتور الباقر العفيف متعه الله بالصحة والعافية. ودمتم في رعاية الله.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً