التكفير جريمة تستحق تدخل الدولة .. بقلم: خالد أحمد
11 أكتوبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
25 زيارة
kh_ahmmed@hotmail.com
ان حركة الوعي التي أطلقتها ثورة ديسمبر أوجبت فتح حوار شامل لأدارك سبب حالة التيه التي توجد بها الدولة السودانية رغم مرور أكثر من 60 عاما على الاستقلال. وقد مهر أولئك الشباب الثورة بدمائهم من اجل وطن يسع الجميع فلا يجب ان نسمح لتيار الإسلام السياسي ان يعيق تقدمنا بعد كل ما قدمه الشعب السوداني من تضحيات من اجل شعارات واضحة وهي الحرية والسلام والعدالة والكرامة الإنسانية. والمعركة مع تيار الإسلام السياسي عبارة عن معركة كسر العظم ويخوضها من اجل سببين، شق من اجل المحافظة على مصالحه التي اكتسبها طوال الفترة الماضية من عمر النظام البائد، والشق الآخر ايدولوجي فهو لا يؤمن بالاختلاف ولا حق الآخرين في الحياة ولكن يؤمن فقط بسيادة أفكاره التي تتيح له السيادة على الآخرين ومصادرة حق الحياة وحق الفكر من الجميع.
ذكر بعض الشباب ان هذا ليس زمن الحوار والجدال مع تيار الإسلام السياسي حتى لا يكون هنالك اصطفاف للثورة بين التيار المدني وتيار الإسلام السياسي، فإذا راجع الشباب المقالات السابقة يجدون اننا من الناس الذين نادوا تيار الإسلام السياسي إلى إرجاء المعركة الفكرية وقلنا انها تحتاج إلى صفاء بعيدا عن ضعف الدولة التي تحتاج إلى انتباه وكذلك حتى نكون قد تخلصنا من النظام البائد تماما واعدنا السلام حتى يكون حوار شامل وشفاف ومن اجل الوطن، ولكن تيار الإسلام السياسي لا يسعي إلى حوار ولكن يسعى إلى المحافظة على مكتسباته من النظام السابق وكذلك لا يسمح بوجود مدارس فكرية أخرى كما ذكرنا، فعملوا على غزو مواقع التواصل الاجتماعي وإرباك الواقع والتشويش على السلطة الانتقالية من اجل إضعافها. فتركنا المجال السياسي للشباب والناشطين الكثيرين ودعونا بعض الأفراد للتفرغ لمصارعة الإسلام السياسي في الواقع وفي الواقع الافتراضي بمثل طرقهم وكذلك الرد على مقولاتهم وأفكارهم.
فالحوار الذي يمكن ان ينشا هنا ليس مع تيار الإسلام السياسي الايدولوجي ولكن مع الشباب الثوري الذي يبحث عن الحقيقة، ونوضح له ان الشعارات التي قامت عليها الثورة هي من بديهيات الحياة وبديهيات الرسالات الإلهية وحتى مدارس الإسلام السياسي تؤمن بذلك ولكن تخفيها خلف مصالحها وأفكارها الأخرى ولا تعمل بها، ويهمنا في هذا المقال الحرية، فالحرية التي بشرت بها شعارات الثورة هي أساسية وضرورية من اجل اكتمال إيمان الفرد، فحرية الفرد انتقلت الى ضرورة للقيام بها عندما أوضح الله ان مسئولية المحاسبة في الآخرة فردية، أي ان كل فرد ليس حر فقط ولكن مسئول أمام الله في الآخرة عن الكيفية التي توصل بها إلى الإيمان وماذا فعل في حياته (وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)) سورة مريم، أي يجب ان يكون إيمانك قادم من حرية تفكيرك وليس من إتباعك للآخرين.
وتدرك مدارس الإسلام السياسي انه مهما علا شان الفرد أو الجماعة وظنوا انهم امتلكوا ناصية الفكر والدين من الممكن ان يكونوا ابعد الناس عن الدين، وأخبرتنا الرسالة بذلك حتى لا يظن احدهم انه تطابق وعيه مع ما يريده الله بل عليه وعلى الآخرين إعادة التفكير مرات ومرات (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)) سورة البقرة، فالرسالة تحتاج إلى التدبر والفكر والنظر في الحياة من اجل استيعابها ولذلك فما تصل اليه من كل ذلك يصبح فكرك الذاتي وليس الرسالة، ولكنهم تلك الحقيقة البديهية ويرون أنفسهم يمتلكون ناصية الحق وأعلى من الآخرين ويرون الأناس العاديين عبارة عن سفهاء. ولذلك مهما كانت قيمة تلك الجماعة أو الفرد على الناس ان تتفكر وتتدبر في قولهم وان لا تؤمن بمقولاتهم لاعتقادك بصلاحهم ولكن لاعتقادك بصلاح ما يقولونه أيضا، فتيار الإسلام السياسي يؤمن بكل ذلك ولكن لا يقول للناس اذهبوا وتدبروا فيما نقول هل هو من الإيمان ام لا؟ ولكنهم يتجاوزن أبجديات الرسالة ولا يعطون الفرد الحق في التفكير والتدبر والإيمان بما يراه فليس إمامه إلا ان يؤمن بما يقولون أو يصبح من الكافرين، فيضعون أنفسهم في موازاة الله ويوزعون صكوك الغفران هذا مؤمن وهذا كافر رغم معرفتهم وتسليمهم بأبجديات الرسالة.
وفي تعريف المسلم هنالك تيارات داخل الإسلام السياسي تؤمن بان من قال لا اله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم ولو قالها نفاقا أو خوفا، فكل ما يرجع إلى النيات والى القلب هو لله وليس للإنسان، ويتم إلحاق صفات عليه مثل مسلم جاهل أو عاصي أو غيره ولكن لا يخرج من الإسلام، فمدارس الإسلام السياسي تدرك ذلك تماما ولكنها تخفيه لتقول ان هنالك رأي واحد فقط للتكفير وهو الرأي الذي تقول به ولا تمنح المجتمع فرصة ليرى المختلف ولو في شكل عاصي أو جاهل، فالإسلام السياسي يختار التكفير عن عمد من اجل سيادته على المجتمعات ويستغفلون الشعب الذي هو بعيدا عن الوعي بالاختلاف حتى بين تلك المدارس.
وكل مدارس الإسلام السياسي هم كما وصفهم شيخهم الكبير عبارة عن علماء للحيض والنفاس وعبارة عن ناقلين للفكر وغير مجتهدين ولا باع لهم في هموم الحياة ومستجداتها، وحتى في تلك الجزئية يمكن ان نحاورهم إذا خرجوا من قوقعة رفض وتكفير الآخر وأدركوا ان حق التفكير والإيمان حق الهي أساسي لا يحق لأحد ان يصادره وكل من يقول هو مسلم فهو مسلم وليس بالضرورة ان يتفق معك في كل أفكارك، ومن الممكن ان يكون عند الله أفضل منك.
وهنالك من الشباب الثوري أيضا بالإضافة إلى الدعوة إلى عدم تناول موضوعات الإسلام السياسي كذلك هنالك شباب تحدث عن رفض تناول تكفير الوزيرة في مجلس الوزراء كل حسب تفسيره فمنهم من قال انه ليس من الأولويات وآخرين ذكروا كيف تصطف السلطة ضد فرد، فأكدنا سابقا ونؤكد الآن ان السلطة الانتقالية ليست محايدة في معركة تطبيق شعارات الثورة، فكيف للسلطة ان تسكت والحرية هي من أولي شعارات الثورة ، والتضامن مع الوزيرة ليس تضامن مع شخص ولكن تضامن مع مبدأ وتأكيد لتيار الإسلام السياسي الذي استمرا التكفير بان الفترة القادمة لا يستطيع احد ان يصادر حق الآخرين في الحياة والتفكير.
فالوزيرة مثلها مثل وليد الذي تضامنا معه من اجل تثبيت مبدأ يجب ان تكون عليه السلطة منذ الآن، فلم يكن التضامن مع الوزيرة في شخصها وكذلك لم يكن التضامن مع وليد في شخصه ولكن حول مبادئ يجب ان تسود من اجل رفعة هذا الوطن. ونحن لا نبحث عن حق مدارس الإسلام في عدم مصادرة احد لأفكارها اذا كانت تلك المدارس في تيارات الإسلام السياسي أو التيار الصوفي أو غيره فقط، بل نسعى إلى تثبيت حق كل فرد في الإيمان بما يراه إذا كان الإسلام أو غيره من الديانات ويكون مع ذلك إنسان سوداني كامل له كل الحقوق وعليه كل الواجبات. وهي مسئولية الدولة في عدم تغول مدرسة على الأخرى أو على الآخرين من الديانات الأخرى. فلندعم السلطة وهي تحاول ان تثبت أول مبادئ الثورة السودانية وهو مبدأ الحرية.