التوتاليتارية الجديدة وبرنامج لجان المقاومة من أجل “التغيير الجذري”

 


 

 

التوتاليتارية، كمفهوم فلسفي حديث نحت في مطلع القرن الماضي بواسطة الفيلسوف الإيطالي الفاشي "جيوفاني جنتيلي" ليصف به النموذج الفاشي للدولة الإيطالية التي جوهرها هي الشمولية لذا صارت الكلمة مرادفة لمعنى الشمولية ((Totalitarianism وهي المقابل للليبرالية Liberalism)) التي تعني التعددية.
التوتاليتارية ليست كلها شرّ كما يتبادر للذهن من مفهوم "الشمولية" التي اصطلينا بنارها في التجارب السودانية السابقة (عبود – نميري – البشير)، أو تلك التي تم تجريمها حسب نظرية "حنه أردنت" التي لخصتها في ثلاث أنظمة وهي إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، وروسيا الستالينية، لكن بالعودة إلى الأصل نجد أن "جيوفاني" لم يكن ينتقد الفاشية أكثر منه يبحث عن نظام نموذجي في بيئة خالية من الفساد، وحكومة تدار إدارة جيدة وفعالة، وجيش قوي قادر على فرض سطوته على العالم من حوله. وقد وجد ضالته في ألمانيا النازية أكثر منها في إيطاليا الفاشية.
عند اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، وجد الشباب الذي تفتح وعيه في ظل حكومة البشير، نفسه وحيدا في مواجهة الآلة العسكرية لتنظيم الجبهة القومية الإسلامية والمليشيات المتحالفة معها، وبعد أن قال الشارع، بقياداته الشبابية، كلمته انضمت قوى عديدة لركب الثورة وشاركت في دحر حكم البشير من ضمنها من كانوا جزء منها مثل مليشيا الدعم السريع، وكانت مشاركة الأجسام المنظمة من المعارضة من نقابات وأحزاب في الثورة، باستثناء تجمع المهنين، مشاركة ضعيفة، بحكم أوضاعها الذاتية والموضوعية والتشليع الممنهج الذي جرى معها طوال فترة حكم الإنقاذ، لذا لا غرو أن تكون الأحزاب الوطنية هي أضعف حلقات الثورة، الأمة والاتحادي والشيوعي والسوداني، كانت وما زالت تعاني من الانقسامات والتفكك والاختراقات الأمنية، وحتى الحركات المسلحة، كلها دون فرز، مثقلة بأعباء فواتير الكفلاء والأجندة الأجنبية، لذا لم ترتقي جميعها لمستوى تطلعات الشباب الذي قاد الحراك الذي أسقط نظام البشير.
لا أحد يستنكر للأحزاب الوطنية تضحياتها طوال سنوات معارضتها لحكم الإنقاذ، لكن النقد موجه لها في عدم مواكبتها للأحداث ولم تعط الشباب حق قدره من احترام وحقوق في المشاركة في اتخاذ القرار أولاً وثانياً في تحقيق الأهداف التي خرج وضحى من أجلها والتي لخصها الباحث جمال عبد الرحيم صالح في إحدى مبادراته الإيجابية بأن الثورة استهدفت "وضع السودان في منصة جديدة بالكامل، أي قيام دولة مدنية ديمقراطية متحضرة، لها المقدرة على تجاوز إخفاقات الدولة السودانية بمختلف تجلياتها". ويستطرد جمال " قيام سودان جديد متحضر تحكمه قيم العدالة، السلام والديمقراطية". تلك هي الأهداف لكن للأسف الأحزاب السياسية نفضت عن نفسها الغبار وخرجت ببرامجها المتكلسة منذ الستينيات، وبنفس عقلية الستينيات، أرادت للتغيير أن يتم على طريقتها وعلى يديها وبقيادتها متجاهلة تماماً من هم كانوا ومازالوا وسيظلون وقود الثورة ونبراسها ورماحها الملتهبة. الشباب متمثلين في لجان المقاومة.
لو كانت الأحزاب الوطنية في حالتها الطبيعية، منتظمة الصفوف ولها قواعد في كل الأحياء والقرى لكانت هي من قادت الحراك في الشارع وما كان تحالفها النموذجي في الحرية والتغيير ظلَّ تنظيماً فوقياً، رأساً بلا جسد، بل كنا نجده في الشوارع وفي الأحياء وكان هو من شكل لجان المقاومة كتحالف حزبي قاعدي ولم نكن لنشهد أحزاب أو حركات مسلحة ليس لها قواعد أو وجود يذكر في أرض الواقع تبسط سيطرتها على مسار الثورة وتشارك في تشكيل الحكومة الانتقالية.
لجان المقاومة التي تتصدر المشهد السياسي مقدمة المهج والأرواح والدماء الذكية تنشد "التغيير الجذري" على طريقتها، تنظر بعين الشك والريبة للأحزاب السياسية وهناك أكثر من حالة تشهد على ذلك من ندوات ومسيرات وتعديات على قادة أحزاب الحرية والتغيير.
في مقال سابق لي دمغت لجان المقاومة بتبني الأفكار التوتاليتارية الجديدة التي تنعي التحزب وترفض الجهوية والعرقية وتسعى لخلق واقع جديد خال من الفساد وحكومة تدار إدارة جيدة للتوظيف والاستثمار الأفضل لخيرات السودان وسقت مثال دولة "رواندا" الأفريقية ورئيسها "بول كاغامي" المنحدر من أقلية "التوتسي" والذي انتخب في مارس 2000 وأعيد انتخابه عدة مرات ويمكن أن يستمر في الحكم، برضاء شعبه ومباركة المجتمع الدولي، إلى عام 2034 كرئيس للبلاد بعد أن حقق نجاحات غير مسبوقة خاصة في مجالات التنمية وبناء المجتمع والعلاقات الخارجية والتعليم حيث استطاعت الحكومة بناء جيل حديث ومتعلم بعد أن غطت البلاد بأسرع انترنت وجعلتها بأسعار في متناول يد الجميع وزودت كافة الطلاب بأحدث أجهزة الحاسبات مما انعكس على كافة ميادين الحياة للروانديين.
إن للجان المقاومة رؤية للتغيير الجذري، تغيير تمتلك رؤاه وادواته وتدرك الطريق المؤدى إليه وتبنيها للتوتاليتارية الجديدة في وجهة نظري سببه الرئيسي هو ضعف ايمانها بالأحزاب السياسية الوطنية التي لم تقنعها في أدائها أو تجذبها ببرامجها السياسية للانخراط فيها، إذا استبعدنا الإسلامويين والأحزاب المتوالية التي أفرزتها الجبهة القومية الإسلامية، اللائي يعدوا الخصم الذي يجب أن تؤسس لجان المقاومة مشروع التغيير الجذري على انقاضه، نجد لشباب المقاومة ألف عذر إن كفروا بالأحزاب الوطنية الأخرى ونظروا لها بعين الشك والريبة كلص جاء بليل ليختطف جهودهم ويحصد ثمار دماءهم الذكية التي روت الشوارع والأرصفة.
لذا تشهد الساحة السياسية حراكاً تنظيمياً غير مسبوق للجان المقاومة في أعادة تشكيلها كقوة سياسية تسعى لتوحيد مواثيقها "الميثاق الثوري لسلطة الشعب" و"ميثاق تأسيس سلطة الشعب" بغرض توحيد رؤاها وتأسيس وحدة فكرية وبرنامج تمهيداً لخلق كيان سياسي موحد يعم كل أرجاء الوطن استعداداً للاستحقاقات القادمة.
atifgassim@gmail.com
///////////////////////

 

آراء