الحراك الشبابي بين الشيطنة والرحمة .. بقلم: مبارك الكودة

 

صوّر لنا بعض الإخوة من خلال كتاباتهم وتسجيلاتهم الصوتية ومداخلاتهم الواتسابية أن هذه الانتفاضة كأنها شيطان أخرس ، خرج من قمقمه ليرد الصاع صاعين للذين ظلموهم ثلاثين عاماً ، ويستهدف هذا المارد الجبار كهدف استراتيجي بانتفاضته هذه كل من شارك في هذا النظام ولو بإنتمائه التنظيمي ، ولم يَسْلم من بطش هذا المارد حتي نساء قرية لأحد المتداخلين لأنهن كنّ يشاركن في إعداد زاد المجاهد ( تقطيع البصل ) وذهب بعضهم أن برنامجهم وبعد أن تضع الثورة أوزارها أن يُكْتَب علي جبين كل من انتمي لتنظيم الحركة الاسلامية أنه بلا رخصة تؤهله لممارسة حياته الطبيعية في وطنه ، وذهب آخر أنه سيأتي من منفاه بعد الفتح الي الخرطوم خصيصاً لسفك دم مبارك الكوده بحجة أنه برّأ ( ٩٥ ٪؜ ) من الإسلاميين بقوله أنهم لم يشاركوا فعلاً في جرائم الإنقاذ٠

أقول لهولاء أن هذا الحراك الشبابي ليس فاجراً بهذه الصورة التي تظنونها ، وإن كان ذلك كذلك سَيُقابل هذا الفجور بالطبع بفجورٍ أكبر وأعنف منه ، ولكني أري أن هذا الحراك رحمة للسودانيين ويجد منهم ومني علي وجه الخصوص كل دعمٍ حتي إن كان ثمن الدعم أرواحنا وبمشنقة العدالة التي ستؤسس من أجل إحقاق الحق الذي أحق أن يتبع ، وأقول لهولاء أن هذه الانتفاضة ليست من جنس ثورة أكتوبر التي اختزلت مهمتها في إزالة النظام السياسي ، و سرقها اليسار وبناها علي باطل فأنتجت باطلاً أكبر تضرر منه اليسار نفسه مما حفزه أن ينقلب عليها بلا رؤية بمايو ليضرب اليمين المتطرف والطائفية ذات التوجه الرجعي فزادت مايو الباطل بطلاناً ، ثم انتفض الشعب مرة أخري من ذات المنصة االتي بنينا عليها رؤيتنا السياسية فكانت إنتفاضة أبريل والتي اختطفها اليمين بصورة أكبر من اليسار ، واختلفا حتي علي إلاسم فاسميناها من باب قسمة السرقة ( رجب / ابريل ) فكان رجب نصيباً لليمين وأبريل نصيباً لليسار ، علي قاعدة هلال مريخ ومريخ هلال ، فتصوروا معي أيها الشباب إلى أي مديً منحط وصلت بنا سذاجة الخلاف ، ثم دبر الاسلاميون من بعد ذلك إنقلاب الإنقاذ من أجل أن تتمكن نسختهم السياسة من الإسلام فتضرب كل من له رؤية تخالفها فوصل بنا الحال بهذه الثنائية الخبيثة الي ما نحن عليه من انهيار ٠
لهذه الانتفاضة أخوتي الكرام منصة جديدة تؤسس لدولة شعارها ( حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب ) والحرية التى ينشدها الشباب مناخها عفو يطمئن فيه الظالم قبل المظلوم ، والسلام الذي يرجوه هو الأمان والإستقرار النفسي ، والعدالة التي يبتغيها هي إعطاء كل ذي حقٍ حقه ، وهذه المكارم الثلاث خياراً للشعب وقد ارتضاها حتي من هم داخل دائرة الاتهام لموضوعيتها وحاجتهم لها٠
هذه الانتفاضة كما أراها مشروع إيجابي لعملية تغيير إجتماعي كبير تسعي الثورة ابتداءً لاستدراك الخلل الذي صاحبنا منذ الاستقلال وفي تقديري أنه كبيرٌ جداً ويحتاج لتكاتف الجهود مع تجاوز القديم ولكل منا دوره في هذا الحراك فثورة العقول والتجديد مسئولية شبابية ويجب الّا ننازعهم عليها ، وثورة المراجعات والنصيحة فهي بلا شك مسئولية أهل التجربة فينبغي علينا أن نبين إخفاقاتنا ومكامن الخلل بكل وضوح ليتجاوزها الحراك ، وفي تقديري قضية رد الحقوق الي أهلها وإقامة المحاكم والمشانق في غاية السهولة ولسهولتها لن تستمر طويلاً ويظل التحدي قائماً وهو تأسيس دولة مدنية حديثة تقف من الجميع علي مسافة واحدة ، وكنت أتوقع من حملة الشهادات العليا الذين تَولّوا كبر هذه المقولات المعوقة للمسيرة أن يكونوا إضافة لعملية البناء بما فتح الله به عليهم من علم ومعرفة وتجربة في بلاد الفرنجة بدلاً من أن يساهموا بهذا الغثاء من القول ٠ ٠اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه٠

مبارك الكوده
امدرمان الثورة الحارة ( ٢٠ )
١٨ / ٢ / ٢٠١٩

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً