الحركة الشعبية من هجر السودان الجديد إلى أوبة انفصال الجنوب … بقلم: إمام محمد إمام
لم يعد من العسير فهم الاضطراب الذي بدا واضحاً جلياً وسط الكثير من شماليي الحركة الشعبية منذ أن أعلن سلفا كير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية، بصريح العبارة، ووضوح المعنى، وجلاء المقصد، أنه سيصوت للانفصال، بحجية أن خيار الوحدة لم يعد خياراً جاذباً، وأنه لم ير في السنوات الخمس الماضية من تنفيذ اتفاقية السلام الشامل ما يدعوه إلى التصويت للوحدة، موضحاً موقفه توضيحاً صريحاً، لا لبس فيه ولا غموض يعتريه، حيث قال: "لدي تقييمي الشخصي في قضيتي الوحدة والانفصال، وأنا شخصياً سأصوت للانفصال، ولكن هذا سيحدث في حينه عند الاستفتاء". ومن المعلوم بالضرورة أن هذا التصريح الانفصالي، يتنافى تماماً مع تصريحاتٍ سابقةٍ له، يؤكد فيها أنه سيصوت لوحدة السودان، حيث قال بالحرف الواحد في لقاءٍ جماهيريٍ في ميدان الحرية بكادوقلي في أغسطس 2009، في اتساقٍ جليٍ مع نصوص اتفاقية نيفاشا للسلام وروحها، ومع ما جاء في البيان التأسيسي (المانفستو) للحركة الشعبية، أنه سيصوت لوحدة السودان، مؤكداً أن الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني اقتنعا بجدوى السلام وعدم جدوى الحرب. وكان سلفا كير أكثر وضوحاً حين قال: "إن وحدة السودان هي الخيار الأول الذي تطرحه الحركة الشعبية التي تحكم إقليم الجنوب، وأن على الجنوبيين أن يعلموا ذلك عندما يتقدموا إلى صناديق الاستفتاء على تقرير مصيرهم في عام 2011، بحسب اتفاق السلام". وأحسب أن هذا الإعلان الانفصالي الصريح لسلفا كير، ومن قبله الإرهاصات والهواجس التي قادت إلى جعل خيار الانفصال خياراً جاذباً لكثير من قياديي الحركة الشعبية، بينما تضاءل الصوت الوحدوي في أوساطها، ومن ثم لم يعد خيار الوحدة الطوعية خياراً جاذباً للناخب الجنوبي، نتيجة حتمية لاستيلاء القوميين الجنوبيين على مقاليد الأمر والنفوذ الحقيقي فيها، مما ضاعف من معاناة شماليي الحركة الشعبية الذين انضموا إليها بعد أفول وهج الشيوعية، وخفت بريق اليسار في السودان، وفي كثير من دول العالم، وجد هؤلاء في دعوة الراحل العقيد جون قرنق زعيم الحركة الشعبية إلى سودانٍ جديدٍ، بصيص أمل، وبريق ضوء في نفق مظلم، تدافعوا إليه زُمراً وفرادى، استجابة لشعاراته الداعية إلى الوحدة والمساواة والتقدم. كما أن شعارات الحركة الشعبية الجانحة إلى اليسار في عقدها التأسيسي الأول، وجدت صدًى طيباً في نفوسهم المضطربة، وترحيباً مقبولاً في عقولهم الحيرى بعد انقشاع اليسار من سماء السودان، وحيلولة أعداء الأمس وتسنمهم مقاليد السلطة، ومفاصل السلطان، ومسهم قرح بين، تصديقاً لقول الله تعالى: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". فلا غرو أن انخرطوا في هياكل الحركة الشعبية، يؤصلون لأحاديث الراحل جون قرنق، شرحاً وإفهاماً، تعريباً وتقريباً، لمعالم خارطة السودان الجديد، وفقاً لرؤية زعيم الحركة الشعبية، وتأسيساً للبيان التأسيسي، مؤيدين ومؤكدين لاتفاقهم على فهم السودان الجديد، بأنه كما جاء في حيثيات "مانفستو" الحركة الشعبية ومسوغاتها، سودان علماني ديمقراطي موحد يحقق نقلة نوعية سياسية واقتصادية واجتماعية من الهيمنة بكافة أشكالها إلى الاعتراف بالتنوع السياسي الثقافي والاجتماعي للسودان، عبر نظام حكم لا مركزي يجعل السلطة قريبة من الناس يتسم بالمشاركة الشعبية، ويدعو إلى الشفافية، والمحاسبة والاستجابة، والنزعة نحو التوافق، والنزاهة، والفعالية، والانصياع لحكم القانون، مما يوفر لشعب السودان الجديد الشروط الضرورية والبيئة المناسبة لتسارع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الرفاهية. فكلمة علماني تعني في فهم أدبيات الحركة الشعبية منذ إنشائها، فصل الدين سواء كان إسلامياً أو مسيحياً أو معتقداً غير سماوي، عن مؤسسات الدولة لتصبح المواطنة هي أساس للحقوق والواجبات في السودان وليس الانتماءات الدينية أو العرقية أو الثقافية. فهذه السمات العامة والأهداف المرجوة التي جاءت في "مانفستو" الحركة الشعبية، كانت بمثابة بلسمٍ شافٍ لهؤلاء الشماليين للانضمام إليها، خاصة وأنها كحركة جنوبية متمردة لا تدعو إلى انفصال الجنوب عن الشمال، كسابق الحركات الجنوبية المتمردة، بل هي حركة وحدوية، حسبما جاء في بيانها التأسيسي عام 1983، ومن المفارقات في هذا الخصوص، حسب بعض المصادر، أن الحركة الشعبية بدأت نضالها الأول ضد الانفصاليين من داخلها أمثال أكوت أتيم وقاي توت وقبرائيل قاتي وعبد الله شول، وغيرهم من الانفصاليين الجنوبيين الذين كانوا ضد التوجه الوحدوي للحركة الشعبية، ولما أحكم الراحل العقيد جون قرنق قبضته على مفاصل الحركة الشعبية، عمل على تثبيت وحدة السودان، باعتبارها أحد المبادئ الرئيسية في "مانفستو" الحركة الشعبية، وفقاً لشرائطه الداعية إلى سودانٍ جديدٍ. كما أن أكبر انشقاق حدث في صفوف الحركة الشعبية، كان من مطالبي انفصال جنوب السودان، بقيادة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول وقوردون كوانق وغيرهم، الذين أنشأوا الحركة الشعبية – جناح الناصر، وذلك في عام1991 . من هنا يتضح جلياً أن الحركة الشعبية اكتسبت صدقية في تمسكها بأهدافها المعلنة في "المانفستو" وفي أدبياتها، خاصةً التوجه الوحدوي للحركة الشعبية، على الرغم من وجود قوميين جنوبيين يدعون إلى انفصال الجنوب عن الشمال وتأسيس دولة جنوب السودان، فالحركة الشعبية بقيادة الراحل العقيد جون قرنق ظلت حافظة وأمينة لهدفها الوحدوي منذ عام 1983، لكن منذ رحيل العقيد جون قرنق في أغسطس 2005، بدأ القوميون الجنوبيون الذين كبح جماح طموحهم الانفصالي الراحل العقيد جون قرنق بشخصيته القوية، وتمسكه بشعار السودان الجديد، فبعد رحيله المباغت أطلقوا العِنان لمطمحهم الانفصالي، وبدا واضحاً غلبتهم صوتاً ونفوذاً على الوحدويين في الحركة الشعبية.
لا توجد تعليقات
