الحوار الوطني يفضي لسودان يسع الجميع (4/5) .. بقلم: د. خالد علي لورد

 

إصلاح نظام التفكير المجتمعي مدخلا لمعالجة قضايا السودان

يعتبر نظام التفكير عند أي أمة القلب الواعي والعقل المتبصر، فهو الذي يمكن أن يصعد بها إلى أعلى المراتب، وهو كذلك يمكن أن يهبط بها إلى الحضيض، حتي قيل في ذلك إن حركة الأمم، والمجتمعات ومواقفها وسلوكها ما هو إلا مرآة تعكس نظام التفكير لديها. ونظام التفكير لدى الأمم هو الذي يشكل عقلها الجمعي، إذ كلما تشبع وتأسس نظام التفكير لديها بالعناصر الإيجابية، كلما كانت الأمة أقرب إلى التميز والإبداع الحضاري، وكلما اتسم نظام التفكير بالمكونات السلبية والعوامل المقعدة المثبطة، كلما احتلت الأمة مقعدها بين الأمم المتخلفة.
في كثير من الأمم يعمل نظام التفكير المجتمعي الكلي كموجه للسلوك الفردي والجماعي، طالما كانت البيئة متقاربة من حيث المكونات العقدية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها… فتتشابه حينئذ
ردود الأفعال والمواقف الفردية والجماعية، لدرجة تكاد تتلاشى معها الفوارق في المواقف والتصرفات الفردية والجماعية. وكثيرا ما نسمع عن الثقافة الإنجليزية، والألمانية، ونمط الحياة الأمريكي، وهكذا!!! ورغم أن المكونات أعلاه متوفره لدينا في السودان إلا أننا لا نملك بعد العقل الجمعي الذي يقارب بين أفراد المجتمع السوداني ويذوب الفوارق بينهم في التصرفات والمواقف والسلوكيات، ويجعل لهم ثقافة سودانية جامعة.
لذلك يقول العلماء إن عملية الإصلاح المجتمعي يجب أن تركز على وتبدأ بتحديد الأمور الكلية والأولويات، وأن تسخر لذلك الموارد البشرية والطبيعية، باعتبارها تمثل البنية التحتية والأساس المتين لنمط التفكير
ومنهج السلوك للفرد والمجتمع، التي تشكل بنية التفكير، ونظامه، ومكوناته، وهي بالتالي تعتبر المفاتيح الرئيسة المؤثرة والفاصلة في نمط التفكير الكلي للمجتمع.
نحسب أن الحوار المجتمعي يمثل فرصة مواتية للإسهام في تحقيق اختراق حقيقي لصياغة نظام التفكير لدى الفرد والمجتمع السوداني وإعادة بنائه على النحو الذي يمكن أن يحدث تغييرا دائما في نظام التفكير لديه. إذ أن أي تأثير آني ومؤقت لا يعالج الواقع بمنهج صحيح، ولا يستجيب للتحديات الماثلة، لا يمكن له إحداث تقدما حقيقيا في نظام التفكير لدى الأمة السودانية، وهذا الجهد الناقص وغير المكتمل سيكون بمثابة المخدر الذي سرعان ما ينتهى تأثيره، وبالتالي سرعان ما تتجدد الآلام والأوجاع لجسد الأمة والمجتمع.
عليه إن أردنا أن يتشافى المجتمع السوداني من علله، وأن ينهض ويلحق بركب الأمم المتقدمة، يجب أن يعمل الجميع ويتعاونوا معا على إعادة صياغة نظام التفكير الكلي للمجتمع، بما يمكن من إحداث النقلة النوعية والدائمة له، وبما يمكنه من لعب دور حقيقي وفاعل في كل ما يجرى على مستوى الوطن والإقليم والعالم.
لا تعتبر المفاهيم مثلها مثل الألفاظ الأخرى، فهي، المفاهيم، تمثل جوهر نظم التفكير لدى المجتمعات، لأنها تعتبر مواعين واسعة ومستودعات كبيرة للمعاني والمقاصد والدلالات، وهي بالتالي لا تقف حائرة عند البناء اللفظي بل تتخطاه لتكون مرآة لزخم وثروة الأمة الفكرية والفلسفية والمعرفية.
وبذلك تعتبر الثقافة الحية نتاج مباشر وبديهي لنظام تفكير واعي ومتجدد، متحرك غير جامد، يبعث الأمة ويدفعها للحياة والتقديم لا للموت والتردي.
لذلك لا بد من العمل على توجيه الأمه لتبني مفاهيم إيجابية وراشدة تمهد لصنع نظام تفكير قاصد يسهم في إنتاج سلوك قويم ويؤسس لنهضة حضارية تحقق الأهداف العليا للأمة السودانية وتلبي طموحاتها.
يجب على المفكرين وأهل الاختصاص والمصلحين والشخصيات القومية والأحزاب السياسية والحركات التي كانت تحمل السلاح وكل أفراد المجتمع الاقتراب أكثر من نظام التفكير العام في المجتمع السوداني، والعمل على تجزئة وفكفكفة عناصره والتعرف عن قرب على أسراره ومكوناته، مع استصحاب الظروف والمؤثرات التاريخية والآنية المعقدة التي ساهمت في تشكيله وصياغته.
نحن بحاجة لوضع خارطة مشتركة نتفق عليها تمكننا من التعاطي الإيجابي مع قضايا وتحديات المجتمع المختلفة بفهم ثاقب وعقل واع، وتحديد المشكلات وتفنيدها، بما يعيننا ويمكننا معا من إحداث التغير والإصلاح المنشود، وبما ينأى بنا عن التعامل السطحي، والشعارات الجوفاء والكلمات الإنشائية، والعواطف الجياشة غير الموجهة، والنرجسية والأوهام وأحلام اليقظة!!!
إن تحقيق الجاهزية والاستعداد لتبني نظام فكر راشد ومفاهيم قاصدة يحتاج إلى بيئة سليمة وصالحة، وهذه تتطلب حراكا حرا وكبيرا، وهذا بدوره يتطلب توافقا مجتمعيا على منصة الانطلاق نحو نظام فكر راشد متجدد، ونحسب أن هذا هو ما يوفره الحوار الوطني والوثيقة المجمع عليها من المشاركين في الحوار!
فهلا عزمنا على تحمل الأمانة والمسؤولية، وتقدمنا للإمساك بزمام المبادرة مستنهضين لهمة أمتنا، متسلحين بالإيمان والعلم والمعرفة، متوكلين على العليم الحكيم، سائلينه سبحانه وتعالى التوفيق والسداد!!!

والله الموفق،،،

د. خالد علي لورد

khldlord@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً