الخرطوم.. حينما تكون أحلى من الجنة .. بقلم: ناجي شريف بابكر
3 أبريل, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
.
.
حاشية:
إبن أخي وقد كان وقتها على ما أذكر في السادسة من العمر . كم كان مشغولا ومغرما بالألعاب الملونة وخدع الكومبيوتر وحيله. وكان فوق ذلك مدمنا لبرامج اسبيس توون، أفتح يا سمسم ومغامرات بمبن وعم شنبو.. وطيور الجنة، وديزني لاند.. سأل أباه ذات يوم، في أعقاب استفسار سابق عن أين يذهب الميتون، سأله:
– ما الذي يوجد في الجنة يا أبي.. ؟!
إجتهد أبوه في الإجابة كيما تأتي مثالية وموافقة لتهيؤات الصغير وأخيلته.. أخبره عن الحدائق الغناء وعن أطيب أنواع الفاكهة والطيور الملونة.. وعن كميات لا حصر لها من العسل والحليب والسكاكر المثلجة.
فكَّرَ الصغير قليلا لكنه لم يتردد في الإجابة.. وقد برقَت عيناهُ حينما أحس بحجم المأزق الذي قد تورَّطَ فيه والده.. ثم أعلن بكل الصراحة والثقة، وبلا مواربة:
– أنا أحسن لي.. الخرطوم.. يا بابا..
لقد كان كل ذلك بلا جدوى.. على الأقل في عيني طفلٍ غض الإهاب، لم تكتمل رباعيته بعد..
.
النص:
بعد أكثر من عشر سنوات، عادت بي الذاكرة بإلحاح لتساؤلات ابن أخي بينما كنا قد مررنا الأسبوع المنصرم.. بمنزل ضخم له واجهة شاسعة
عند مغرب الشمس.. ترتفع الواجهة عن الارض لاكثر من ثلاثة عشر مترا، كأنما هي ستارةٌ قد انسدلت من السماء. قالوا إنها دارٌ لأحدِ المتدينين بالمدينة.. لا أدري لماذا ذكرني ذلك بقلعة حطين، بصلاح الدين الأيوبي، ببأسه وبفتوحاته الظافرات. من جهَّزَ غازياً فقد غزا.. فليس من العادة في هذه النواحي، أن تُبني البيوتُ على هيئةِ قلاع.
.
ثم راودتني الليلة نفس التساؤلات.. حينما وقعت عيناي علي مقالٍ كتبه أحد سكان أمدرمان تحت عنوان “لص آخر”.. وصف فيه دارا مترفةً تم تشييدها في أحد الأحياء الراقية بإمدرمان إحتوت الدار، على ذمة المقال، على ثلاثة عشر غرفة نوم بخلاف الصالات وردهات الإنتظار.. وغرفة للجيمنيزيوم بالسوستيران (La Sous Terrain) بكل معداتها الالكترونية.. وأخري للساونا.. وغرفة زجاجية تستقبل حديقة بالسطح (Glass Room) جُهزت بعدة لابتوبات وأسكانارات ومعدات تقنية أخري..
.
رغم ماوردني لاحقا من الأحباب مايوحي أن المقال المعني لا يخلو من الغرض والتلفيق.. لكن الدلائل تشيرُ أن الكثير من المنازل والدور، بل قل أحياء بكاملها، والتي شيدها مؤخرا أثرياءٌ جدد حديثو السن.. ومحظوظون مقربون، كانوا قد تمكنوا من السلطان، في أيامنا الأخيرة، لا يتوافق مِزاجُها وتفاقم سطوة الفقر وعنت الحياة الذي يتزايد يوما بعد يوم.. لا يتناسب مع مكبات القمامة المتكدسة في الباحات، وقد تُركت على عِلّاتها، لتتمدد وتتعاظم في أعدادها كنُطفِ الشيطان.. وقد حلقت فيما حولها أسرابٌ من الذباب.. وأعدادٌ غفيرةٌ من المتسكعين والسابلة والهوام.. لا يتوافق ذلك على أية حال، مع التراجع اليومي في مستويات المعيشة، ومعدلات الإنتاج الزراعي والحيواني بالبلاد، وصادر الإناث وتهريب الموارد والآثار.. والتراجع المهني في كفاءة القائمين على التعليم والمطارات والأداء العام بالخدمة المدنية..
لقد أثري أناس وتفاقمت ثرواتهم، وقد كانوا حتى وقت قريب يكافحون شظف العيش وبؤسه ويستعيرون الكِنزاتِ ورُباطات العنق.. خذلتهم، أو قل خذلت غالبهم، يومذاك نواياهم ومقدراتهم النسبية المتواضعة، وقعدت بهم كفاءاتهم الضحلة، في بلد كان يتنافس فيها مئات الالاف من أبناء وبنات العاصمة والأرياف على جامعات كانت ذائعة الصيت، وعلي خدمة مدنية لا ينال شرفها إلا من يؤهلهم ذكاؤهم الفذ ومقدراتهم الأكاديمية والمهنية المتفردة.
.
لقد أثروا وتطاولوا في القلاع والبنيان، في وقت تراجع فيه النمو الحقيقي في البلاد، وتدهورت فيه عملتها الوطنية واحتياطياتها من الذهب والحبوب والعملات.. لم يكن الوقت ملائماً البتة، فقد أبتِ الدنانيرُ إلا أن تُطلَّ برأسها، وأن تكشف كذلك عن ساقها وفخذيها. فقد إمتلكوا الطائرات، في وقت فقدت فيه البلاد، في ملابسات بالغة القتامة والتعقيد، كل أساطيل طائراتها ومهابطها العتيقة، بل وممتلكاتها العقارية، في باريس ولندن وسويسرا .. تملكوا كأفراد مجهولين في الذاكرة الشعبية حتى وقت قريب، بواخر الشحن والقطارات في وقت خسرت فيه البلاد أسطولها الوطني البحري والنهري في دلالاتٍ انعقدت لها في عرض البحر، وتوزعت أصولها وأسهمها أيدي سبأ..
.
ما كان ليتسنى لهم الإفراط فيما جمعوا وما تكاثروا فيه لولا غفلة الرقيب عليهم وتغافله عن هناتهم، وما كان سيرد ذكرهم وينداح سيطهم يوما، اذا ما كانت المنافسة الأكاديمية والمهنية على أشُدّها.. وإذا ما كانت نظافة اليد واللسان، لا المداهنة والنفاق والتزلف والتغافل عن الحق وأهله.. هي ما يؤهل الناس للتفوق والتكسب، ولتسنم صهوة المجد وسوامغه.
.
إذا كان بإمكان أحدهم في بلد بلغ فيها الفقر والفاقة حدا أكل فيه المتسولون جُثثَ الكلابِ الضالة، وتمددت فيها الأسواق ومنصات العرض للبضائع البائسة المعطوبة، يطرقها فيمن يطرقها من الرواد ما تضيق به أزقتها وممراتها الكئيبة، أسواق بحالها، إقتصر التداول فيها على مقايضة أطنان من اللحوم التالفة والدجاجات حديثة النفوق، وعلى ما تنتجه المطاعم منها من المرق والمقليات.. من أطباق طاب مذاقها وسط طلأبها، فخلُدَت أسماؤها مثل “أصبر شوية”.. و”الله كتلا”، وأخرى من سواها قد راجت فيما بينهم، حتي إضطرت السلطات الصحية فيها من الحرج، لاصدار حملاتٍ ومراسيمَ تُجرِّم تسويق الدجاج النافق وتداوله وحتى التهامه.. لكن المراسيم وللمفارقة، لم تُجرِّم الموتَ تحت طائلةِ الجوع المفرط.
.
إذا ما قُيِّضَ لك في بلدٍ بكل هذا البؤس والعوز.. ان تحيا كالأمراء في قصور كتلك القصور، وأن تتقلب فيها في ترف ودعة بكل ذلك الدلال والإفراط.. ما الذي تنتظر أن تجده يوما يفوق ذلك من بين محتويات الجنة ؟!.. هذا ان كنت مازلت تنشدها، أو تطمع لمافيها من النعيم، وترغب في شد الرحال إليها ذات يوم.
.
لم يكن حديث الصبي ليخلو من الدوافع المنطقية. فقد تبينت ربما بعد فوات الأوان، أنه كان يعني ما يقول..أليس البقاء في الخرطوم خيارٌ جديرٌ بالتفكير..؟!
.
إنتهى
http://nagibabiker.blogspot.com
nagibabiker@gmail.com