الخوف من الخطيئة في نظرية الثورة و الثورة المضادة/ السودان ديسمبر/2019 .. بقلم: عبدالرحمن صالح احمد

 

التقدم الذى شهدته امريكا الشمالية كان من نتاج الثورة ضد الهرطقة الكنسية ودولة الإقطاع فى ارويا التى قادتها الثورة الفرنسية و نقلها الفلاسفة و العلماء و المهنيون الى الدنيا الجديدة , لم تكن هناك ايديولوجيا على المستوى التطبيقى قادت نشوء الدولة فى امريكا رغم وجودها كجزء من ميكانيزم التطور الاجتماعى ,بل كانت الانتفاضة الاوروبية ضد الفساد الاخلاقى صار المآل المنطقى للحداثة الاوروبية و دولة الرفاه.

اتخذ الصراع فى السودان بعد ثورة ديسمبر 2019 ابعادا معقدة و ذلك نتيجة للخلفيات التاريخية للمكونات الثقافية السودانية المتباينة و المتضاربة أحياناُ, و عليه تعددت الأقطاب و الأطراف المتورطة فى الصراع على المستوى الثماثلى مثلا الصراع الطائفى ( سلفى – صوفى) , الايديولوجى ( يسار – يمين ) الثقافى ( نيلى – ساحلى ) , سياسى ( عشائرى- قومى) .

كل هذه الاقطاب تمثل ديناميكية الصراع الحالى فى السودان , كلما قلت وتيرة إحدى محركات الصراع أرتفعت أخرى , و تُكمن خطورة الوضع فى كون السياسيين تعاملوا مع الجانب الظاهر من محركات الصراع بالتالى ظلت العوامل الأخرى فى تطور مستمر لتبرز إلى السطح فيما بعد, و ربما تستعصى على الحلول المطروحة .فى حقيقة الأمر بدأ الصراع ظاهرياً ما بين السلطة المركزية المتمثلة فى المؤتمر الوطنى و مؤسساته الفاسدة و ما بين أعلان قوى الحرية و حلفائه الأخرون ممثلاً فى الاحتجاجات الشعبية . كانت العوامل الحقيقية المحركة للاحتجاجات الشعبية تتمثل فى أثنين :

اولا , صعوبة المعاش نسبة لغلاء الاسعار و ندرة النقد, هذه الحالة تعتبر نظرياً عبارة عن عدم المقدرة على الوصول الى العناصر الوجودية التى تعتبر الضرورة القصوى للحياة وهى غير القابلة للتفاوض .

ثانيا ,صعوبة التعايش الاجتماعى , وهى تعسر الضرورات الاجتماعية المتمثلة فى اضطراب الهوية والافتقار الى الحرية و تفشى الظلم.
هذان العاملان أصبحا المحركين الأساسين للثورة الشعبية و حددا أتجاهاتها العامة , وهناك عوامل ظرفية مساعدة لتلك الثورة تمثلت فى التجمعات المهنية و الأحزاب والشخصيات المعارضة, صارت بمثابة المؤثر الظرفى لأتجاهات الثورة بشروط محددة أرتبطت بالعوامل الزمانية و المكانية لها , متى ما أنتفت تلك الشروط أختفت مؤثراتها المتمثلة فى قادتها السياسيين , وتلقائياُ يحل محلها مؤثر أخر و هكذا سارت تلك الثورة وكذلك سوف تسير إلى أن تبلغ منتهاها , فلذلك نجد الأحتجاجات منذ بواكيرها لم تحتفط بقادة نمطيين إنما يتقدمها و يقودها عدد من الجهات ذات التوجهات المختلفة , أولا كانوا افرادا مثل أحمد الضى و ذنون و اخرون ,ثم ظهر تجمع المهنيين , اعلان قوى الحرية ,و المجلس العسكرى و هكذا عدد من المعارضين لنظام الانقاذ .

لقراءة مآلات الثورة لابد من مناقشة العوامل الكبرى لقيام الثورة بشكلها الوظيفى و الأطراف الأساسية فى الصراع الافتتاحى .فى حقيقة الامر نجد ان الصراع وقع ما بين الدولة و الشعب , حيث مثل الدولة حزب المؤتمر الوطنى بمؤسساته الفاسدة , و مثل الشعب تجمع المهنيين بمكوناته المضطهدة , و المحركات الاساسية لهذا الصراع شظف العيش بسبب ابتلاع النظام الحاكم لمسبباته الاساسية مما اوصل الشعب مرحلة لا يمكن معها امتلاك قوت يومه و كان خياره الأوحد تصفية مسببات الأزمة و تغيير هيكل النظام .

من ناحية أخرى أحتوت الثورة على مكون نوعى عميق يكاد لا يُحس , وهو عبارة عن قطبين متقابلين من الجيل القديم و الجيل الحديث(الشباب) , و قد أكتسب الجيل الحديث عقلية كونية تميزت بالوعى المعيارى و الذى عبره أستبصر مستحقات المستقبل الرائد لدولة راشدة تقوم على القيم الكونية (حرية سلام عدالة) , بينما كان الجيل السابق تحركه عقلية أنبنت على أوهام الشجاعة العنترية و الرجولة الفرزدقية وصناعة الأنساب و الاخلاق الملائكية , و هى عقلية تصورية وظيفتها إنتاج وعى زائف عن الواقع الراهن و الذى من خلاله تم تصوير و تنميط هذا الجيل الحديث على أساس إنه جيل يعيش فى غيبوبة المخدرات و السفه الغرائزى فلا يستطيع تأسيس دولة رسالية كأمثال جمهورية افلاطون الفاضلة .

بالتالى أتّسم صراع الأجيال هذا بالظاهرة الفصامية و المفارقات المدهشة , حيث لجأ الجيل القديم إلى سلاح الدين و الأيديولوجيا و أحياناً العنصرية لحسم المعركة لصالحه محققاً بعض الأنتماءات المتصدعة إلى العسكر و الشعب و الشباب, بينما ظل الجيل الحديث ينادى بتحقيق الحرية و السلام و العدالة عبر مؤسسات مدنية كأستجابة طبيعية لمتطلبات الواقع الراهن وهى من أسمى القيم الإنسانية.
فى خضم تحليل شخصية الجيل القديم نجد بعض الظواهر السايكلوجية السالبة تتمثل فى الخوف من العفريت ( الذى أحياناً يتدثر بجلباب الدين , والعِرق و الثقافة) الذى يعانى منه هذا الجيل بالتالى طفق فى مقاتلة هذا العفريت كما فعل دونكشوت فى الطواحين الهوائية , مستخدما كل وسائل الضرب المبرح لكن فى غير موضعه , فمثلاً مسيرة نصرة الشريعة جاءت فى الزمن الخاطئ إذ كان ينبغى لها ان تكون قبل بضعة عامٍ او نَيْف عندما جاء القرصانة لتفكيك مشروع الجزيرة و سرقة موارد الدولة الطبيعية و أستباحة دم المسلمين من غير حق و من خلفهم البلهاء فى حشد القبائل ضد القبائل حتى تعمى الأبصار, كانت هى اللحظة المناسبة لنصرة الشريعة .

الخوف المرضى هو عامل مرافق لشخصية الأجيال القديمة غير المستقلة فكرياُ و منهجياُ, خوف اليمين من اليسار و اليسار من اليمين ,يخاف رجال الجبهة الاسلامية من انتقام بقايا الشيوعيين اذا صعدوا الى السلطة, و يخاف قادة الشيوعيين من عودة الاسلامين الى سدة الحكم بعد سقوط دولة البشير ,إذ هم أى الاسلاميون اذاقوا الشيوعيين طعم الموت حتى عند أمرٍ هزيل , هذا النوع من الخوف أدى إلى تشرزم محورى للتيارات الأيديولوجية فصار اليمين يحتشد الى اليمين و اليسار الى اليسار , بالتالى اصبح الدافع الاساسى للسلطة هو البحث عن ملجأ آمن يوفر حماية و حصون ضد العفاريت التى طالما ظلت كابوسا عرقت مضاجع الحرس القديم للايديولوجية الشيوعية و الاسلامية. لذلك لا يرجى البتة خير من دولة قامت على اكتاف هؤلاء سواء كانت من التيارات الاسلامية او اليسارية, فلا حل غير الوسطية فى أمةِ وسط .

سقطت العقلية التصورية التى تريد حشد الشباب إلى الجنة زمراً بالصياط و العصى فى زمن النفاق و التصفيق عند بوابات الوالاة و السلاطين, و سقطت العقلية التصورية التى تريد أن تُخيف الشباب من الأسلام السياسى الذى ربّما صوره اليسار على أساس إنّه مجموعة من الإجراءات التجريمية التى فى نهاية المطاف تؤدى إلى الجلد و قطع اليد و التهجير و الرجم و قطع الرأس , سقطت هذه العقلية أمام الوعى المعيارى لدى الأجيال الحديثة التى أختارت المصفوفة الأولى من عناصر العيش الكريم ألا و هى “حرية , سلام و عدالة ” .

إذن الإضطراب الذى وقع فى ثنايا الثورة كان فقط فى الجزء المريض من مكونات الثورة التى يمثلها الجيل القديم المتطرف عقدياً و ثقافةً و منهجاً, الذى يخاف من أىّ شئ حتى نفسه, يخاف أحياناً من المؤامرة الكبرى التى أُريد بها تدمير الاسلام او الوعى التقدمى , و أحياناً الخوف من قيام دولة الزغاوة و عودة الخليفة عبدالله العايشى , الخوف من الجلابة أحفاد الزبير باشا و الخوف من دولة أولاد النيل, كل هذه الأوهام لا محل لها فى عقلية الجيل الحديث لأنها من شأن أساطير الأوليين, إلا شذوذاً و كفى .

عندما أكتشف الشباب أىّ الجيل الحديث الظاهرة الفُصامية لدى آبائهم و أجدادهم تسارعوا إلى تكوين جسم جديد لعلّه يكون من المعافين من مرض الهزيان و الفوبيا حتى يخرجوا به من دائرة الأسر الأسطورى و العقائد الشبيه بالطوطمية و عبادة الأسلاف إلى عالم تحكمه منظومة الحرية و السلام و العدالة .

24/يوليو/2019

aahmed59@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً