الدولة والقناع .. بقلم: منصور الصويّم
23 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
مثلما يتوه “الإنسان” حين يحاول أن يكون شخصية أخرى غير شخصيته، تتوه الدول والمجتمعات، وتذوى وتضمحل الحضارات وتضيع الثقافات. ولتبدو المقاربة أكثر وضوحا يمكننا استحضار قصة “الغراب والطاؤوس”، فالغراب الذي لم تعجبه مشيته على الأرض حاول التخلي عنها وتقليد مشية الطاؤوس المختالة، النتيجة كانت مأساوية، حيث أنه أضاع مشيته الطبيعية وبدلا من الحصول على المشية المختالة يحصل على مشية مسكينة مثيرة للسخرية والشفقة. هذا الأمر حين ينطبق على الأشخاص يصبح أكثر فداحة وخسرانا، فالإنسان الذي يتوه عن نفسه، ويظل يبحث عنها لدى نماذج الآخرين، سيظل عالقا إلى أبد الأبدين في تلك المنطقة الرمادية، التي لا تمثله تماما ولا تجعله الآخر المثال في كماله المتوهم.. وكذا الدول.
يحدثنا التاريخ عن نماذج لدول كثيرة حاول قادتها إلباسها ثوبا أكبر منها، وإدخالها في جسد شخصية لا تمثلها، في محاولة متوهمة للتمدد “الإمبراطوري” والتوسع “الاستعماري”، وكانت النتيجة على الدوام سقوط هذا “الثوب” الزائف وانكشاف القناع عن الشخصية الحقيقية وسقوطها أمام أول اختبار حقيقي في ميادين التنافس بين الأمم والدول الأخرى. هذه النتيجة المحزنة بالنسبة للدول المتوهمة، تقود معها للأسف – في كثير من الأحيان – الشعوب وثقافتها وإرثها إلى ذات المصير المظلم. فالتشوية الذي يطال الدولة ينسحب تلقائيا على المكونات التي ترعاها هذه الدولة، ويعمل بالتالي على تشويهها هي الأخرى وإصابتها بذات الداء: فشل الشخصية.
بالنسبة للإنسان، الفرد العادي، بإعمال القليل من التفكير سنكتشف أن السبب الرئيسي الذي يقود إلى السقوط في فخ “فشل الشخصية” هو حالة التوهان الشخصي التي تنتابه بسبب ارتهانه لحالة المقارنة الدائمة بين “الذات” و”الآخر”، وتحقيره الشخصي من قدرات “الذات”، ورفع معدل التقدير هذا في مقابل “شخصية” الآخر المثال. هذه المقارنة المبتذلة تجعل من هذا الشخص على الدوام خارج أطر الفعل المنتج، فهو في حالة تقليد مرتهنة منتهية دائما إلى الفشل، فبينما يصعد “الآخر” المثال في مراقي النجاح بما أنه يسعى في مداره الطبيعي، يتعثر صاحب الشخصية المقلدة ويفشل بعد كل محاولة جادة لإبدال الجلد وكأنه سيزيف يحمل صخرة تشوهه إلى الأبد.
في حالة الدول يحدث نفس الشيء، محاولات التضخم المنتهية أبدا بالفشل. مراسيم، وقرارات، وبيانات وقوة غاشمة، كلها تعمل على تغيير الشخصية الأصلية للدولة وصنع شخصية جديدة مختلفة تماما، مأخوذة تقليدا عن مثال لدولة أخرى ذهبت مع التاريخ أو لا تزال حاضرة وفاعلة في المشهد الدولي. أحلام بالتوسع وغزو العالم وإخضاعة والتضحية بأجيال كاملة لصالح أجيال “رسالية” متوهمة.
ما الذي يستوجب على “الإنسان الفرد” اتباعه حتى ينجو من فخ الشخصية المقارنة، أو الشخصية المتوهمة؟ الإجابة بسيطة ولا تحتاج كثير اجتهاد، كل ما عليه أن ينقاد فقط إلى صوته الداخلي، أن ينصت إلى نداءاته الداخلية المعبرة بشكل حقيقي عن حاجاته وإمكانياته وقدراته، أن يستكشف “ذاته” ويبني ويطور شخصيته على أساسها لا على أساس “النموذج” الغريب وإن كان قريبا عند مرمى النظر.
كيف تنجو الدول من فخ الشخصنة الفاشلة؟ أيضا الإجابة سهلة جدا وفي المتناول، فكل الذي عليها فعله هو أن تعترف فقط بمكوناتها الداخلية شديدة الخصوصية، وأن تعمل على تطوير هذه المكونات؛ عدلا وحكما وتساويا.
mansorem@gmail.com