باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
زهير عثمان حمد
زهير عثمان حمد عرض كل المقالات

الدين والدولة في السودان- مأزق النخبة واختبار المواطنة

اخر تحديث: 17 أكتوبر, 2026 10:48 مساءً
شارك

زهير عثمان

لا يمكن فهم الجدل السوداني حول الدين والدولة باعتباره خلافاً فكرياً معزولاً حول موقع الشريعة في الدستور، أو مواجهة ثنائية بين دعاة الدولة و الإسلامية وأنصار الدولة العلمانية , فهذا الجدل، في جوهره، يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية تأسيس الدولة الوطنية، ومصدر شرعيتها، وحدود سلطتها، وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المواطن بالمؤسسات الحاكمة , منذ الاستقلال، ظل السودان يتأرجح بين تصورات متنافسة لهوية الدولة، من دون أن ينجح في بناء عقد دستوري مستقر يضمن التنوع الديني والثقافي والإثني والإقليمي، ويحوّل هذا التنوع من مصدر للتنازع على السلطة إلى أساس للمواطنة المتساوية , ولم يكن استمرار الخلاف نتيجة تعقيد المسألة الدينية وحده، بل أيضاً بسبب ارتباطها بمصالح القوى السياسية، وبنية الدولة المركزية، وتفاوت توزيع السلطة والثروة، واستخدام الهوية وسيلةً لاكتساب الشرعية أو نزعها من الخصوم
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الدين حاضراً في المجتمع السوداني؛ فحضوره التاريخي والاجتماعي والثقافي أمر لا يمكن تجاهله -و السؤال هو- كيف يمكن أن تتعامل الدولة مع هذا الحضور من دون أن تتحول إلى أداة لفرض تفسير ديني بعينه، أو إلى مؤسسة تميّز بين المواطنين بحسب معتقداتهم، أو إلى سلطة تمنح جماعة سياسية حق احتكار تعريف المجتمع وهويته؟
هنا تبدأ المسألة الدستورية، وهنا أيضاً يظهر مأزق النخبة السودانية
الدولة التي لم تحسم سؤال التأسيس
ورث السودان عند استقلاله مجتمعاً متعدد المرجعيات والانتماءات، لكن بناء الدولة لم يصاحبه توافق راسخ حول كيفية إدارة هذا التعدد. فقد تداخلت تصورات الهوية الوطنية مع قضايا اللغة والثقافة والدين، كما تداخلت مع علاقة المركز بالأقاليم، ومع التفاوت التاريخي في فرص التنمية والمشاركة السياسية
لم يكن الخلاف حول إسلامية الدولة منفصلاً عن هذه القضايا , بل فقد رأى بعض الفاعلين أن المرجعية الإسلامية ينبغي أن تكون أساساً للتشريع والهوية الدستورية، بينما دافع آخرون عن دولة تقوم على المواطنة، وتضمن حرية الاعتقاد، وتفصل بين الانتماء الديني والحقوق السياسية , وبين هذين الاتجاهين ظهرت محاولات للتوفيق بين المرجعية الإسلامية ومؤسسات الدولة المدنية الحديثة
لكن المشكلة التاريخية لم تكن في تعدد هذه التصورات بحد ذاته؛ فالمجتمعات الديمقراطية لا تحتاج إلى إجماع فلسفي شامل حتى تتعايش , المشكلة كانت في العجز عن تحويل الاختلاف إلى قواعد دستورية مشتركة، وفي ميل القوى المتنافسة إلى التعامل مع الدولة باعتبارها مجالاً لفرض تصورها الخاص، لا مؤسسة محايدة نسبياً تضمن حق الجميع في المشاركة والاختلاف
وقد أسهمت الانقلابات العسكرية، وضعف المؤسسات الديمقراطية، وسيطرة الطائفية والتنافس الحزبي، والحروب، في إعاقة تطور هذا التوافق وكلما تعثرت عملية التأسيس الدستوري، عاد السؤال حول هوية الدولة إلى الواجهة، لا بوصفه نقاشاً مستقراً تحكمه المؤسسات، بل باعتباره جزءاً من الصراع على السلطة
وبذلك أصبح الخلاف حول الدين والدولة أحد تعبيرات أزمة أوسع- دولة لم تستكمل انتقالها من سلطة تتنازعها النخب إلى مؤسسة سياسية تستمد شرعيتها من حقوق المواطنين ومشاركتهم المتساوية
النخبة وإدارة التناقض
تتضح أزمة النخبة السودانية حين ننظر إلى المسافة بين مواقفها الفكرية المعلنة وممارستها السياسية وهنا تري هذا التناقض المضحك فقد تعاملت هذه القطاعات منها مع مسألة الدين والدولة بوصفها معركة لإثبات صحة مشروعها، أكثر من كونها قضية تتطلب تأسيس ضمانات تحمي المجتمع من احتكار السلطة
ويمكن، لأغراض التحليل، التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسية، من دون افتراض أن أياً منها كتلة متجانسة أو أن الحدود بينها نهائية
الاتجاه الأول يدافع عن الدولة المدنية الديمقراطية، ويرى أن المساواة في المواطنة تقتضي ألا تكون الحقوق السياسية والقانونية مرتبطة بالدين أو المعتقد، وأن حرية التدين لا تكتمل إلا عندما يُحمى الفرد من الإكراه الديني والسياسي معاً
وقد قدّم مفكرون مثل عبد الله أحمد النعيم إسهامات مهمة في مناقشة العلاقة بين الإسلام والدولة وحقوق الإنسان، انطلاقاً من التمييز بين الإيمان بوصفه التزاماً دينياً، والدولة بوصفها سلطة قانونية ملزمة لجميع المواطنين
غير أن هذا الاتجاه يواجه بدوره اختباراً لا يقل أهمية- هل يستطيع بناء خطاب ديمقراطي يتواصل مع المجتمع المتدين، ويحترم اختياراته الثقافية، من دون تحويل العلمانية إلى هوية نخبوية مغلقة؟ وهل يكتفي برفض الدولة الدينية، أم يقدم تصوراً مؤسسياً واضحاً لحماية الحريات والمساواة والمشاركة الشعبية؟
فالدولة المدنية لا تُقاس بمدى ابتعاد خطابها عن الدين، وإنما بقدرتها على حماية المواطنين من التمييز والإكراه، وبخضوع سلطاتها للقانون والمساءلة
أما الاتجاه الثاني، فيضم التيارات الإسلامية التي ترى أن الإسلام ينبغي أن يشكل مرجعية أساسية للدولة والتشريع، رغم الاختلافات الواسعة داخلها بشأن طبيعة هذه المرجعية وحدودها وآليات تطبيقها
وتقدم تجربة الحركة الإسلامية السودانية، خصوصاً مشاركتها في نظام الإنقاذ، اختباراً تاريخياً مهماً للعلاقة بين الخطاب الديني وممارسة السلطة
فقد أظهرت التجربة أن إعلان الالتزام بالدين لا يشكل ضمانة تلقائية للعدل، وأن الدولة التي تتحدث باسم مشروع أخلاقي يمكن أن تنتج الاستبداد والإقصاء وانتهاكات الحقوق، إذا لم تخضع مؤسساتها للرقابة والمحاسبة , و كما كشفت أن استخدام الدين في التعبئة السياسية لا يمنع تحول المرجعية المعلنة إلى أداة لتثبيت مصالح السلطة أو تبرير قراراتها , ولا يعني ذلك أن تجربة حزب أو نظام سياسي تمثل حكماً نهائياً على الدين أو على كل التيارات الإسلاميةولكن لالرغم من كبد التجربة هذه , و بل يعني أن أي مشروع يستند إلى مرجعية دينية ينبغي أن يجيب بوضوح عن أسئلة السلطة- من يفسر هذه المرجعية؟ ومن يراقب تفسيرها؟ وما الذي يمنع الحاكم من تقديم اختياراته السياسية باعتبارها أحكاماً دينية لا يجوز الاعتراض عليها؟
وتكتسب تجربة حسن الترابي أهمية خاصة في هذا السياق، بسبب دوره في الحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ، ثم خلافه مع السلطة التي شارك في تأسيسه , فهي تثير أسئلة حول حدود المراجعة الفكرية، والمسؤولية عن النتائج السياسية، والفارق بين الاعتراض على استبداد النظام ومراجعة الأسس التي أسهمت في بنائه , ولا يكفي هنا الاحتفاء بالمراجعات أو رفضها؛ بل ينبغي فحص مضمونها ومدى اتصالها بمساءلة الذات والممارسة
أما الصادق المهدي، فقد مثّل مساراً مختلفاً حاول الجمع بين المرجعية الإسلامية والتعددية الديمقراطية , وتستدعي تجربته تقييماً مستقلاً يميز بين محاولات الاجتهاد والتوفيق، وبين ما استطاعت هذه المحاولات تقديمه من ضمانات عملية للمساواة والحقوق فالتشابه في استخدام المرجعية الدينية لا يلغي الاختلاف في المواقف السياسية أو في تصور علاقة الدين بمؤسسات الدولة.
ويظهر الاتجاه الثالث في الصيغ التوفيقية التي تتحدث عن (الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية) وهذه الصيغ ليست بالضرورة غامضة أو متناقضة؛ فقد تمثل محاولة جادة لبناء توافق بين التدين الاجتماعي والديمقراطية الدستورية , و لكنها تظل غير كافية ما لم تحدد المقصود بالمرجعية، ومصدر التشريع، وحدود سلطة المؤسسات، وكيفية حماية الحقوق عندما يقع خلاف بين تفسير ديني معين ومبدأ دستوري
فإذا كانت المرجعية تعني الاستلهام الأخلاقي لقيم العدل والكرامة والتكافل، مع إقرار التشريع عبر مؤسسات تمثيلية وضمان الحقوق الأساسية، فإنها تختلف جذرياً عن صيغة تمنح جهة سياسية أو دينية حق إبطال القوانين والحقوق استناداً إلى تفسيرها الخاص. ولا يمكن للعبارات التوفيقية أن تحل هذا التناقض ما لم تتحول إلى قواعد قابلة للتطبيق والمساءلة.
حين يتحول الغموض إلى سياسة
تتكرر في التجربة السودانية محاولة تأجيل الخلافات التأسيسية عبر صيغ عامة تسمح لكل طرف بالاحتفاظ بتفسيره الخاص. وقد يبدو ذلك مفيداً في لحظات الاستقطاب، لأنه يسهّل تشكيل التحالفات أو تجاوز الأزمات الآنية، لكنه قد ينتج اتفاقاً لفظياً لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي للسلطة
ليس كل غموض مؤامرة، وليس كل تناقض دليلاً على الانتهازية. فقد ينشأ الغموض عن اختلاف فكري مشروع، أو عن الخوف من تفجير الصراع، أو عن ضعف المؤسسات القادرة على إدارة الخلاف , و لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تأجيل الحسم بديلاً دائماً عن بناء قواعد مشتركة، وعندما تتعامل النخب مع المصطلحات باعتبارها أدوات لإدارة التحالفات، لا مفاهيم ينبغي تحديد آثارها القانونية والسياسية
إن السؤال عن الدولة المدنية، مثلاً، لا يُحسم بتكرار المصطلح، بل بتحديد حقوق المواطنين، واستقلال القضاء، وحدود سلطة التشريع، وضمان حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم , وكذلك لا يكفي إعلان إسلامية الدولة ما لم تتضح العلاقة بين المرجعية الدينية وإرادة المواطنين، وبين تفسير الحاكم للدين وحق المجتمع في الاعتراض عليه , والمعيار ذاته ينطبق على التيارات العلمانية والإسلامية والتوفيقية- لا تُقاس مشروعاتها بأسمائها، بل بما تتيحه من حريات، وما تضعه من قيود على السلطة، وما تقدمه من ضمانات ضد التمييز والإقصاء , وهنا تكمن مسؤولية المثقف. فدوره لا ينبغي أن يقتصر على الدفاع عن هوية فكرية أو تبرير موقف حزبي، بل يتطلب كشف التناقضات في خطاب السلطة والمعارضة معاً، وتحويل القضايا المجردة إلى أسئلة يمكن للمجتمع مناقشتها والحكم على الإجابات عنها
الدين ومركزية الدولة: ما وراء الجدل الدستوري
لا يكتمل تحليل أزمة الدين والدولة إذا عُزلت عن بنية السلطة وتوزيع الثروة. فالسودان لم يعانِ من صراع حول تعريف الهوية فقط، بل من اختلالات تاريخية في العلاقة بين المركز والأقاليم، وفي توزيع فرص التنمية والتمثيل السياسي، وفي الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي
وعندما تحتكر مجموعة محددة مؤسسات الدولة أو أدوات تعريف الهوية الوطنية، يصبح خطابها الثقافي أو الديني قابلاً للتحول إلى معيار للانتماء المقبول. عندئذ لا يعود السؤال مقتصراً على علاقة الدين بالتشريع، بل يمتد إلى من يملك حق تمثيل السودان، ومن تُعترف لغته وثقافته وتجربته باعتبارها جزءاً أصيلاً من المجال الوطني
وهذا لا يعني أن الخلاف الديني مجرد غطاء للمصالح الاقتصادية، أو أن كل خطاب ديني يستهدف الهيمنة. بل يعني أن الأفكار تعمل داخل علاقات اجتماعية ومؤسسات سياسية، وأن تحليلها يتطلب النظر إلى من يستخدمها، وفي أي سياق، وما النتائج التي تترتب عليها في توزيع السلطة والحقوق
فقد يتبنى شخص تصوراً دينياً عن الدولة بدافع قناعة فكرية صادقة، لكن ذلك لا يعفي مشروعه من اختبار آثاره على المواطنين الذين لا يشاركونه الاعتقاد أو التأويل. وبالمثل، قد يدافع شخص عن العلمانية باسم الحرية، لكنه لا يحقق المساواة فعلياً إذا تجاهل التفاوت الاجتماعي أو احتقر المعتقدات الشعبية أو استبعد الفئات الأقل تمثيلاً من صناعة القرار و من هنا، فإن تجاوز الأزمة يتطلب ربط النقاش الدستوري بمسائل الحكم اللامركزي، والتوزيع العادل للموارد، والمشاركة السياسية، وضمان حقوق الأقاليم والمجتمعات المتنوعة. فالدولة التي تعجز عن ضمان العدالة في توزيع السلطة والثروة ستظل معرضة لتحويل الخلاف حول الهوية إلى صراع على البقاء والتمثيل
الحرب واختبار شرعية الدولة
كشفت الحرب الراهنة هشاشة المؤسسات الوطنية، وعمّقت الانقسام في المجال السياسي، وفتحت الباب أمام خطابات متنافسة تحتكر الوطنية أو تنزعها عن الخصوم. وفي هذه البيئة، يمكن أن يُستخدم الدين أو الانتماء الثقافي أو القومي لتعبئة الأنصار، وتبرير السلطة، وتصوير الخصم باعتباره خارجاً على الجماعة الوطنية
ومع ذلك، لا يجوز اختزال الحرب في خلاف ديني أو هوياتي؛ فهي نتاج تداخلات عسكرية وسياسية واقتصادية وتاريخية و لكن استمرار غياب التوافق حول طبيعة الدولة وحدود سلطتها يجعل إعادة بناء الشرعية أكثر تعقيداً، لأن إنهاء القتال لا يحسم وحده سؤال من يحكم، وبأي تفويض، وتحت أي رقابة، ولصالح من تُدار المؤسسات والموارد
إن وقف الحرب ضرورة عاجلة، لكنه ليس بديلاً عن إعادة تأسيس الدولة. فالتسوية التي تقتصر على توزيع النفوذ بين القوى المسلحة أو النخب السياسية، من دون ضمانات دستورية للمواطنين، قد تعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة. وكذلك فإن استعادة مؤسسات الدولة لا تكفي إذا عادت المؤسسات نفسها إلى العمل وفق قواعد تميّز بين المواطنين أو تسمح باحتكار المجال العام
والمطلوب في مرحلة إعادة البناء ليس إقصاء الدين من الحياة الاجتماعية، ولا تسليم الدولة لأي جماعة تحتكر تفسيره، بل إقامة نظام دستوري يحمي التدين وحرية الضمير معاً، ويضمن المساواة أمام القانون، ويجعل السلطة خاضعة للمحاسبة، ويمنع تحويل الاختلاف الفكري أو الديني إلى سبب للحرمان من الحقوق
المواطنة– من الشعار إلى القاعدة الدستورية
يمكن نقل النقاش من الاستقطاب إلى أرضية أكثر وضوحاً إذا خضع كل مشروع سياسي لمجموعة من الأسئلة الحاسمة
هل تتساوى الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الدين أو المعتقد؟ هل يتمتع الفرد بحرية الاعتقاد والعبادة وتغيير معتقده أو عدم اعتناق دين، من دون إكراه أو عقوبة بسبب اختياره؟ هل تستطيع مؤسسات الدولة التمييز ضد مواطن بسبب هويته الدينية؟ من يملك تفسير المرجعية التي يستند إليها التشريع؟ وكيف تُحسم حالات التعارض بين تأويل ديني معين والحقوق الدستورية؟ وهل يستطيع القضاء حماية الفرد من السلطة حتى عندما تحظى السلطة بتأييد الأغلبية؟
إن هذه الأسئلة ليست تفصيلات قانونية مؤجلة، بل جوهر العلاقة بين المواطن والدولة , فالدستور لا يُقاس بما يعلنه من قيم فقط، وإنما أيضاً بالقيود التي يفرضها على الحاكم، وبالحقوق التي يحميها من تقلبات السياسة، وبالوسائل التي يتيحها للمواطن لمقاومة الظلم
ولا يعني ذلك أن الدولة مطالبة بمحو الدين من المجتمع أو التعامل معه بوصفه شأناً عديم الأهمية. بل يعني التمييز بين حق المجتمع في التعبير عن قيمه ومعتقداته، وحق الدولة في فرض تفسير واحد لهذه القيم على الجميع و و كما يعني أن الأغلبية السياسية، مهما كان مصدر تفويضها، لا ينبغي أن تمتلك سلطة إلغاء الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.
إن جوهر المواطنة ليس أن يتشابه السودانيون في معتقداتهم، ولا أن يتخلوا عن هوياتهم الثقافية والدينية، بل أن يتمتعوا بحقوق متساوية رغم اختلافهم، وأن تكون الدولة إطاراً مشتركاً يحمي هذا الاختلاف ولا يحوله إلى مراتب متفاوتة من الانتماء
أي دولة نريد؟
إن مأزق النخبة السودانية في قضية الدين والدولة لا يكمن فقط في عجزها عن الاتفاق على المصطلحات، بل في استمرار النظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة سياسية أو أداة لفرض مشروع فكري واحد. وقد ساهم هذا التصور في جعل الخلافات الدستورية جزءاً من الصراع على احتكار السلطة، بدلاً من أن تكون مناسبة لتحديد حدودها وضمان حقوق المجتمع.
ولا يمكن تجاوز هذا المأزق بإعلان انتصار العلمانية على الإسلام، أو انتصار المرجعية الدينية على الدولة المدنية , فهذه الصيغ تختزل أزمة مركبة في معركة شعارات، بينما يحتاج السودان إلى نقاش أكثر جدية حول طبيعة المؤسسات، واستقلال القضاء، وحرية الضمير، والمساواة، والتمثيل السياسي، والتوزيع العادل للسلطة والثروة
إن المطلوب مراجعة متبادلة– مراجعة للخطابات التي تخلط بين قداسة الدين ومشروعية الحاكم، وللخطابات التي تتعالى على المجتمع المتدين، وللنخب التي تؤجل القضايا التأسيسية كلما تعارض حسمها مع مصالح التحالفات القائمة
وهذه المراجعة لن تكون مكتملة ما لم ترتبط بمؤسسات ديمقراطية تسمح بالتنافس السلمي، وتضمن تداول السلطة، وتمنح المواطنين وسائل فعلية لمحاسبة من يحكمهم
فالسودان لا يحتاج إلى دولة تقرر نيابة عن مواطنيها ما ينبغي أن يؤمنوا به، ولا إلى دولة تتجاهل حقيقة مجتمعها وتنوعه، بل إلى دولة تحمي حرية الاعتقاد، وتساوي بين المواطنين، وتخضع فيها السلطة للقانون، ولا يحتكر فيها أي حزب أو جماعة حق تعريف الوطن أو التحدث باسمه
وفي النهاية، ليس السؤال الحاسم هو أي تيار يملك التعريف الصحيح للدولة، بل أي مشروع يستطيع أن يضمن للإنسان السوداني أن يكون مواطناً كامل الحقوق، من دون أن يُطلب منه التخلي عن معتقده، أو إخفاء اختلافه، أو الخضوع لتفسير لا يختاره، أو إثبات ولائه لجماعة تحتكر الحقيقة والسلطة
ذلك هو اختبار المواطنة الذي ينبغي أن تخضع له جميع المشاريع السياسية والفكرية و ومن دونه سيظل الجدل حول الدين والدولة يعيد إنتاج نفسه، وستظل النخبة تتنازع تعريف السودان، بينما يظل المواطن ينتظر دولة تعترف به قبل أن تطالبه بالولاء لها.

zuhair.osman@aol.com

Author
زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تردد اسم الملياردير المصري سويريس في مأساة السودان الحالية ، وتذكرت سويريسا آخر .
الشيخ علي بيتاي: المدرسة تغشّ القلوب
بيانات
في بيان شامل صحيفة الراكوبة الاليكترونية السودانية: تؤكد احترامها وتقديرها للسلطات السعودية واعتقال احد المشرفين
نجوى قدح الدم: الإبراهيمية، أم درمان، وكيف تُهدر الفرص حين تغيب الدولة
منبر الرأي
الأبيض… قبل البكاء عليها

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لا تتقاعسوا.. خذوا حرياتكم من رفع الحظر ! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

٦ أبريل رؤية للمستقبل .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

الإرادة ـ الرؤية ـ الأداة .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد

د. الشفيع خضر سعيد
منبر الرأي

تسعة أعوامٍ على انفصالِ جنوبِ السودان: دروسٌ لمفاوضاتِ السلامِ السودانية .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss