الرئيس سلفاكير وامبيكي بين الجانقي والمندكورو … بقلم: ثروت قاسم


 الحلقة الثالثة  3  –  5
 
Tharwat20042004@yahoo.com
 
 
مقدمة
 
 ذكرنا في الحلقة الأولي من هذه المقالة  ,  أن السيد ديفيد ساكس  , كاتب راتب في  جريدة الميل والقارديان ,  التي تصدر باللغة الانجليزية  في جوهانسبيرج  . وهو قريب من الرئيس السابق تابو امبيكي ، الذي يتحفه ببعض الونسات  الدقاقة , التي ينشرها ساكس , من ان لاخر , في مدونته :
 
http://www.mg.co.za
 
  ولكن في قالب من هزل  ثقيل  ,  لا يعتور  صحة المعلومة ,  التي تحتويها حكاوي واقاصيص ساكس !
 
 ونواصل  في هذه  الحلقة الثالثة ,  أستعراض نتفاً من حكاوي ساكس ,  بخصوص انطباعات الرئيس امبيكي  عن الرئيس سلفاكير , واشياء   اخر .
 
الوحدة والأنفصال … الجنة والنار ؟
 
رشف امبيكي رشفة خاطفة من كأس النبيذ امامه وخاطب صديقه قائلاً :
 
اعرف يا سلفا …. ان اتفاقية السلام احتوت علي خيارين  لا ثالث لهما في الاستفتاء : اما استمرار جنوب السودان في  الوحدة الحالية في دولة واحدة مع شمال السودان ,  او انفصال جنوب السودان وتكوين دولة منفصلة مستقلة وذات سيادة .
 
  كان بامكاني فهم هذا الوضع قبل خمسين سنة , عندما انعتقت الدول الافريقية من نير الاستعمار الغاشم  , ولم تر العولمة النور بعد  !  ولكن نعيش اليوم في عالم مختلف من عالم  الخمسينيات !   نعيش في عالم مفتوح ومعولم .
 
يدعو الاتحاد الافريقي  الي تكامل , بل اتحاد اغلظ  بين  اعضائه  ، خصوصاً  علي مستوي الاقليم الجغرافي الواحد مثل :  اتحاد دول الايقاد , والمجموعات الاقتصادية في غرب افريقيا وشرق ووسط افريقيا. بل يدعو البعض لقيام الولايات المتحدة الأفريقية , علي غرار الموديل الامريكي .
 
  انتم واخوانكم في الشمال تعيشون في اطار دولة واحدة باستمرار , وطيلة ال 189 سنة الماضية , منذ العام 1821م ,  وقطعاً قبل ذلك التاريخ المكتوب بقرون عددا .
 
أنفصال  بحدود  متربسة ؟
 
 اذا اختار شعب الجنوب الانفصال فلا اتصوره انفصالاً خشناً , بحدود متربسة   !   ولا اتصور العلاقة بين دولة جنوب السودان الجديدة ,  ودولة شمال السودان تكون مثل العلاقة بين دولة جنوب السودان الجديدة  ودولة يوغندا مثلاً .
 
 يحتاج السوداني الجنوبي الي فيزا للدخول الي يوغندا , والعكس   صحيح .  هذا الوضع ربما لا  يكون مستحباً , او حتي  ممكنا بين دولة  جنوب السودان الجديدة , ودولة شمال السودان , لعدة اسباب , اذكر منها مثالاً واحداً من بين عشرات الامثلة :
 
 
       قبائل التماس العربية الشمالية علي طول الحدود  الشمالية لدولة جنوب السودان الجديدة ,  التي تمتد لأكثر من الفين كيلومتر , اعتمدت علي النزوح  جنوباً خلال فصل الصيف طلباً للماء والكلأ !   هل تطلب يا سلفا من هذه القبائل ان تستخرج فيزات لها , ولابقارها  ؟ عند رحلتهم الصيفية الي داخل حدود دولة جنوب السودان  الجديدة ؟  وهل تطلب يا سلفا اتاوات وضرائب  علي ابقارهم ؟  هؤلاء العرب الرحل , والمسلحون حتي أسنانهم  , اعتادوا علي هذه الحياة  الموسمية  , وعلي الحدود  المفتوحة بدون أي ضوابط !  ولا يمكن  ان يفهموا , دعك من ان يقبلوا بوضع قيود علي تحركاتهم جنوباً .
 
  هذه قنبلة موقوتة !  ربما فجرت الحرب بين دولة جنوب السودان الجديدة  , ودولة شمال السودان  !
 
 ومثلها  معها عشرات الامثلة الاخري التي تنذر وترمي بشرر .
 
هناك مشاكل كبيرة ستنشأ نتيجة الانفصال المتربس  ! أبرزها تحول الخلافات الجارية حالياً  بينكم والمؤتمر الوطني  إلى أزمات دولية  !
 
كما  سوف يتم أعتبار  الانفصال المتربس  كسابقة جاذبة للبلدان الأفريقية ذات المشاكل المماثلة, وهي بالكوم في افريقيا !
 
سابقة الانفصال المتربس ,  بلغة الزولو,  تعني نظرية  قطع الدومينو ؟ أذا وقعت قطعة , لحقتها بقية القطع في السقوط ؟ أذا حدث أنفصال متربس بينكم وشمال السودان , فقطعأ سوف يستولد ذلك رغبة قوية , وبالسلاح , لدي نوبة الجبال , وانقسنا النيل الازرق , وأفارقة دارفور , وربما هدندوة الشرق ؟ ولم لا …  ربما طالبت  قبيلة الزاندي  بالانفصال ,  قبيلة الزاندي التي تعتبر أكبر قبيلة في افريقيا , اذا اضفت لها زاندي الكنغو وأفريقيا الوسطي ؟
 
ربما تفتت الجنوب , عندما يزول  الخطر المشترك ( الشمال ) , الذي كان بمثابة نشارة الخشب , بين قزاز القبائل الجنوبية ؟
 
 حدودً ناعمة ؟
 
 في تصوري المتواضع  , قد يكون من الاحسن والاصوب , والوضع هكذا , ان تكون الحدود بين الدولتين حدوداً ناعمة , بدلأ من الحدود المتربسة  !  تماماً  مثل الحدود الناعمة بين دول الاتحاد الاوروبي !  الايطالي يمكن ان يسافر بدون فيزا في كل دول الاتحاد الاوروبي !  ويعمل  ويشتري داراً له ويتمتع بكل الحقوق المدنية ( بخلاف الحقوق السياسية  كالتصويت والترشح مثلاً ) في اي دولة من دول الاتحاد الاوروبي ,  وكأنه  مواطن لهذه الدولة او تلك , من دول الاتحاد الاوروبي !  هذا الموديل الاوروبي , ربما كان الافضل  اذا اختار شعب جنوب السودان الانفصال .
 
أنفصال مع اتحاد كونفدرالي !
 
وهناك موديل ثالث للأنفصال   (  بخلاف  الأنفصال ذا الحدود المتربسة , أوالحدود الناعمة  )  ,  اقترحه  السيد الامام , وهو الاتحاد الكونفدرالي !  وهو في مستوي ارفع واغلظ درجة من موديل الاتحاد الاوروبي ذا الحدود الناعمة .
 
 وهو ليس له وجود حالياً في عالم اليوم ! ولكن يمكن لدولتا السودان  المبادرة  والمبأدأة  به ,  لتحذوا حذوهما بقية الدول الافريقية  ؟  
في هذا الموديل الكونفدرالي تبقي كل دولة ذات سيادة كاملة ومنفصلة ومستقلة !  ولكن بعض مؤسسات الحوكمة يمكن ان تكون ثنائية , كوزارة الخارجية , او الدفاع  , او البنك المركزي , والعملة مثلاً .
 
وحدة , ولكن علي اسس جديدة  !
 
  الخيار الأول كان الأنفصال بخياراته الثلاثة , التي لم يتم تفصيلها في أتفاقية السلام الشامل ! ؟   
 
أما  الخيار الثاني فهو ان يختار الجنوبيون الاستمرار في الوحدة , ولكن علي اسس جديدة  !  كاحتفاظ  دولة جنوب السودان  الجديدة بكل موارد البترول المتواجد علي ارضها , بدلاً  من مقاسمته بينها وبين دولة شمال السودان ؟
 
خيار الوحدة هو الأفضل في تقديري , وانا المسيحي  كالجنوبي ( وليس  المسلم كالشمالي ) , والأفريقي  كالجنوبي  ( وليس العربي  كالشمالي ) ! ثقافتي جنوبية , وقطعأ ليست شمالية !  
 
اؤمن بأن خيار الوحدة هو الأفضل لاسباب موضوعية !
 
الحساب ولد !
 
حاليأ  الجنوب مستقل  تمامأ (  دي فاكتو )  , وتحكمه الحركة الشعبية حصريأ ! وبالأضافة لحكم الجنوب , تشارك الحركة الشعبية في حكم   الشمال . الجنوبي في الشمال له نفس الحقوق كما للشمالي ,  الجنوبي في الشمال مواطن من الدرجة الاولي , ويشارك في أتخاذ القرارات السياسية ! ويمكن للشمالي ان يوافق علي ان يكون كل بترول الجنوب للجنوب , اذا وافق الجنوبي علي خيار الوحدة ؟ ويمكن للشمالي ان يوافق علي ان تكون الخرطوم عاصمة قومية يحكمها قانون  مدني , بدلأ من الشريعة , اذا وافق الجنوبي علي خيار الوحدة ؟
 
في حالة الانفصال سوف يخسر الجنوب , كما قال بذلك السيد الأمام :
 
–         نصيبه في البنيات التحتية القومية في الشمال .
 
–         السوق الشمالي للمنتجات الاستوائية .
 
–         الميناء البحرية .
 
–         حقوق المواطنة للجنوبيين الموجودين والمستقرين في الشمال.
 
–         بوابته الشمالية نحو العرب ,وأستثماراتهم .
 
–         دور الوجود الشمالي في احتواء الغلو القبلي الجنوبي .
 
 
لماذا تفقدون كل هذه المزايا , يا سلفا , بالانفصال ؟ خيار الأنفصال لن يغير من وضعكم الحالي في الجنوب  , بل سوف يفقدكم المزايا التي تتمتعون بها حاليأ في الشمال ؟
 
حسابات الربح والخسارة  , والمصالح   المجردة من العواطف تقود الي تفضيل خيار الوحدة !
 
 قطعا سوف يخسر الجنوبيون بالانفصال , أكثر مما يكسبون !
 
والحساب ولد , يا سلفا ؟
 
أنظر الينا , يا سلفا ! البيض كاتوا يعاملوننا أسوأ من معاملتهم لحيواناتهم , أسوأ من معاملة السيد لعبده ! ولكن حسابات الربح والخسارة  , والمصالح   المجردة من العواطف ,  قادتنا  الي تفضيل خيار الوحدة مع البيض في دولة  واحدة !  بدلأ من المطالبة بدولة منفصلة للسود !
 
 التجربة العملية علي الارض خلال العقد ونيف الفائت , برهنت , بما لا يدع مجالا للشك , بأننا  كنا  علي  حق  , واتخذنا القرار الصحيح  !
 
لماذا لا تستفيدوا من تجربتنا , يا سالفا  ,  فالعاقل من أتعظ  بتجارب الاخرين !
 
 
  ما رايك ايها العزيز سلفا في هذه الاطروحات النظرية , والتي يمكن ان نبعث في احداها الحياة  , لتمشي علي الارض , وبين الناس , بعد استفتاء يوم الاحد 9 يناير 2011م ؟
 
قطع الأنف للأنتقام من الوجه ؟
 
 اطرق الرئيس سلفاكير مليا ! وحدج   صديقه بنظرة مركزة , وخاطبه قائلاً :
 
 العزيز ثابو ..
 
أنا و من معي  كنا وحدويون ! نؤمن بالسودان الجديد !  قاتلنا الانفصاليين في صفوفنا  , بدأأ  بمجموعة الناصر , وغيرها من الحركات الأنفصالية ؟ ولكن خلال  الفترة    الأنتقالية من يوم الاحد 9 يناير 2005 وحتي اليوم ,  جعلتنا سياسات المؤتمر الوطني الطاردة انفصاليين , بأمتياز  ؟    إن زخم الاتجاه نحو الانفصال في الجنوب صار  تسونامي  هادر ,  يسحق من يقف في طريقه , أو يتصدى له بمعارضة .  الخيار الان في الجنوب بين الاستقلال والاستعباد ؟ سوف يعيرني قومي بالخيانة العظمي  , أذا وقفت الي جانب الأستعباد . وسوف تتم تصفيتي معنويأ , قبل  تصفيتي جسديأ ؟
 
 نعم … بهذه البساطة , يا تابو !
 
ده ما كلام قعونج , يا تابو !
 
 
لقد اتخذنا القرار ! وحزمنا  أمرنا نحو الانفصال , ونستعد  لإقامة دولة جنوب السودان ,  بعد الاستفتاء !
 
قضي الامر الذي كنتم فيه تستفتيان !
 
العزيز تابو …
 
الجنوبي غير مستعد لاعمال عقله , لمعرفة مصلحته , وأتخاذ القرار الصحيح , تأسيسأ علي الأسباب الموضوعية الصحيحة , التي تكرمت بذكرها ! الجنوبي قد كجن الشمالي , ب الله واحد ! لو الشمالي بقي قبلة , فلن يصلي الجنوبي عليها ! لو الشمالي كب العسل للجنوبي في خشمه , فسوف يطرش الجنوبي عسل الشمالي !
 
 الجنوبي مستعد لان يقطم أنفه , لكي ينتقم من وجهه !
 
الجنوبي يريد ان يفرز عيشتو , حتي لو مات من الجوع ! الحواجز النفسية الغليظة بين الجنوبي والشمالي لا تسمح بأعمال العقل , والمنطق , وحسابات الربح والخسارة ! بمجرد ان تتم مواجهة الجنوبي بخيار الوحدة  او الأنفصال , يلغي الجنوبي عقله , ويترك العنان لعواطفه العمياء , وهو جد سعيد , رغم ما يجلبه له ذلك التصرف الأحمق من خسائر ؟
 
العزيز ثابو ..
 
 بدأ الجنوبيون في تسيير مسيرات لدعم خيار الانفصال ابتدأ من التاسع من يونيو الماضي ,  وسوف يستمرون في تسيير هذه المسيرات  الشعبية في التاسع من كل شهر حتي التاسع من يناير 2011م ,   موعد الاستفتاء  ! . الشعور العام في الجنوب هو تنفيذ  وتطبيق اتفاقية السلام  الشامل حرفياً  !  وبدون اي شمارات او سكريات !   اما الانفصال القطعي  التام والشامل والكامل  , وبحدود متربسة ( بدون خياراتك الاخري ؟ )  ,  واما الوحدة علي اسس جديدة ؟؟
 
  اذا اختار الجنوبيون خيار  الانفصال ، فسوف  يكون بادئ ذي بدء انفصالاً حقيقاً  وقطعياً , وبحدود متربسة  ,   وبدون اي شمارات  !  كل واحد في مربعه  !  كل واحد في قطيته !  كل واحد بقدحه وملاحه !    العيشة مفروزة !
 
 لكم دينكم ولي دين !
 
  في بادي الامر ولكي يحس الجنوبي بطعم الحرية والانعتاق , سوف يكون الانفصال قطعياً وكاملاً ومتربسأ !  والعلاقة بين الدولتين  كالعلاقة بين دولة جنوب السودان ويوغندا !    وبمرور الزمن يمكن للاجيال القادمة  النظر في امكانية العمل  بالموديل  الاوروبي ,  ذا  الحدود  الناعمة ,  او الموديل الكونفدرالي ,  او حتي  الوحدة الاندماجية  كما تطلب حاليأ  لسوتو الانضمام لاتحاد جنوب افريقيا .
 
  ولكن كل هذه الموديلات التي ذكرتها ,  علي جوانبها  الايجابية  المشرقة ,   يعوزها  شعور الجنوبي بالحميمية تجاه اخيه الشمالي , والعكس صحيح.
 
ثقافة الجانقي والمندكورو !
 
الجنوبي يشير للشمالي بالجلابي او في اسوأ الفروض بالمندكورو ! والشمالي يشير للجنوبي ب الجانقي  او في اسوأ الفروض بالعب !
 
 ثقافة الفصل والتمييز العنصري متأصلة في نفوس الجنوبيين والشماليين علي السواء !  سوف نحتاج لعقود من الاستقلال الشامل الكامل حتي يسترد  الجنوبي ثقته في نفسه !  ويختفي شعور الدونية  التي يشعر بها  في قراره نفسه ,  مقابل الشمالي العربي !   سوف نحتاج لعقود حتي يسترد الجنوبي عافيته  النفسية ,  ويشعر انه صنو  للشمالي !  وعندها , وعندها فقط  , ربما نظر الجنوبي في امكانية الموديل الاوروبي ذا الحدود الناعمة  ,  او الموديل الكونفدرالي ذا المؤسسات  الحاكمية  المشتركة !
 
  ولكن في العام 2011م , والعقود  التي تليه , فان الجنوبي يفضل موديل  الاستقلال القطعي الكامل الشامل وفرز المعيشة , والحدود المتربسة  !  
 
 الجنوبي يتحدث عن الاستقلال , وليس عن الانفصال وشتان بين المفهومين .
 
  العزيز ثابو …..
 
الموديلات التي ذكرتها  للانفصال الناعم , والحدود المفتوحة , بل المؤسسات الحاكمية المشتركة , يمكن دراستها بعد عقود  من  الاستقلال التام , والجوار الاخوي , والتعاون المشترك التدريجي !  خطوة خطوة , وبريس بريس , حتي نستطيع التفكير  في اطار موديل من موديلاتك  النظرية , ربما في ظرف عقدين بعد الاستقلال , وربما اقل .
 
 عقدت الدهشة لسان امبيكي , وهو يستمع الي صديقه ,  ينسف امامه كل اماله في انفصال ناعم لجنوب السودان عن شماله , مع حدود ناعمة , بل مؤسسات  حوكمة مشتركة ؟
 
 وردد امبيكي لنفسه :
 
 اليوم خمر وغداً امر ؟
 
 الله يكضب الشينة ؟
 
يتبع الحلقة الرابعة

عن ثروت قاسم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً