الركود التضخمي العالمي والاقتصاد السوداني

 


 

 

يعرف الاقتصاديون مصطلح "الركود الاقتصادي" بأنه عبارة عن حالة من النمو الاقتصادي الضعيف يتزامن مع بطالة عالية، أي حالة ركود اقتصادي يرافقه تضخم. إن دخول الاقتصاد في حالة ركود تضخمي يعني أن الناتج المحلي الإجمالي إما إنه ينمو بمعدل شديد البطء أو أنه يتقلص. ويعتبر الركود التضخمي من أسوا الظواهر الاقتصادية التي يمكن أن يمر بها أي اقتصاد في العالم. كما يمكن أن يتسبب سوء إختيار الإجراءات التصحيحية لمواجهة هذه الازمة إلى تفاقمها واستفحالها.
لقد ظهر مصطلح الركود التضخمي في سبعينيات القرن الماضي في أعقاب ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل هائل، مما أدى إلى زيادة تكاليف السلع بشكل كبير، وارتفاع معدلات البطالة، الذي تسبب في انخفاض معدلات النمو الإقتصادي وارتفاع معدلات التضخم بشكل متزايد. كما أوضح علماء الاقتصاد أنَّ الركود التضخمي كان قد انتشر بين سبعة نظم اقتصادية رئيسية في العالم من عام 1973م وحتى 1982م، من بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية وغيرهما. ويُنْسَبُ وجود ظاهرة الركود التضخمي في عدد من اقتصادات الدول إلى عدد من الأسباب من أهمها اندلاع الحروب، والتغيرات التي قد تحدث على عوامل الإنتاج في البيئات ذات الأوضاع الهشة والمتأثرة بالصراعات، وكذلك الكوارث الطبيعية المختلفة من فيضانات أو موجات جفاف أو هزات أرضية أو غيرها. وجميع تلك العوامل تتسبب في إرتفاع أسعار المواد الخام بشكل كبير.
وتشمل أسباب حدوث الركود التضخمي الأخرى اتخاذ إجراءات إقتصادية غير مناسبة في الدول الفقيرة لسد العجز في الموازنة، أو لمعالجة تباطؤ النمو الاقتصادي، واتخاذ اجراءات مثل التوسع في طباعة العملات النقدية، أو اللجؤ إلى زيادة معدلات الإقراض من قبل الجهاز المصرفي، بما قد يساهم بشكل كبير في زيادة معدلات التضخم بشكل يصعب السيطرة عليه. أما البنوك المركزية فإنها تلجأ إلى رفع سعر الفائدة بهدف السيطرة على التضخم، وقد يفضي ذلك إلى زيادة الكلفة على المستهلك عوضاً عن تخفيضها، مما يترتب عليه تدهور الأحوال المعيشية للكثير من المواطنين، وتآكل الدخول وخاصة عند أصحاب الدخول الثابتة، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة التكلفة التشغيلية للمشروعات، وهروب الاستثمارات الأجنبية من البلاد.
كما أن ظاهرة الركود التضخمي لها عدة أوجه من حيث التفسير، حيث فسرها العالم الاقتصادي البريطاني "جون ماينارد كينز" بأنها نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي. أي أنها مسألة تتعلق بالعرض والطلب، بمعنى أنه حين يرتفع الطلب (كما هو الحال في الاقتصادات المزدهرة) تترفع الأسعار، ويظهر التضخم. غير أن هنالك اقتصاديات يصعب عليها الاستمرار ومجاراة التضخم المتوالي، وتعرف هذه الظاهرة "بدوامة الأجور والأسعار" خاصة في الاقتصاديات الناشئة، والتي يتطلب علاجها تدخل الدولة لإصلاح الأوضاع الاقتصادية بعدة طرق من أجل العودة بالاقتصاد إلى مساره الطبيعي، حتى وإن تطلب الأمر تغيير وتعديل عدد من السياسات المالية والنقدية. وتُعْتَبَرُ الاقتصاديات الناشئة والأقل نمواً هي الأشد تأثراً بهذه الكارثة الاقتصادية، حيث عادةً ما تكون هذه الدول تعاني اقتصاديا من نمو متباطئ أو انكماش، بالإضافة إلى تضخم خارج عن نطاق السيطرة. وفي هذه الحالة ترتفع معدل البطالة نتيجة لتخلص الشركات عن عدد من موظفيها في إطار خطة لخفض النفقات، وذلك من أجل التغلب على تبعات تباطؤ النمو الإقتصادي في البلاد، وارتفاع مستويات الأسعار. كذلك ينخفض ما لدى المستهلكين من أموال، ويحدث ذلك نتيجة ارتفاع الأسعار بشكل كبير، مما يقلل من القيمة الشرائية للعملة. وهذا النوع التضخم يسهم في خلق بيئة اقتصادية غير مستقرة.
ومعلوم أن العالم أصبح يعيش الآن في حالة أزمات عالمية متداخلة. ومؤخراً أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى تفاقم المخاوف بشأن مسالة التضخم، وقبلها كانت هناك جائحة كورونا، وحدوث تغيرات في المناخ، وتراكم الديون، حيث تواجه العديد من البلدان أوضاعاً سياسية واقتصادية واجتماعية هشة وصراعات إثنية وعرقية وغيرها. ويمر الاقتصاد العالمي هذا العام بحالة من حالات الركود التضخمي نتيجة الحرب الروسية - الاوكرانية، حيث جاء في "نشرة آفاق أسواق السلع" الصادرة في 26 أبريل 2022م التي يصدرها البنك الدولي، أن تلك الحرب قد أحدثت صدمة كبيرة لأسواق السلع الأولية، حيث أدت إلى تغيير أنماط التجارة والإنتاج والاستهلاك العالمية بطرق يمكن أن تُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة تاريخياً حتى نهاية عام 2024م. كذلك حدثت الزيادات الأخيرة في أسعار السلع الغذائية ، بسبب أن روسيا وأوكرانيا من أكبر المنتجين لها خاصة سلعة القمح. لذا ينبغي لواضعي السياسات أن يغتنموا كل فرصة لزيادة النمو الاقتصادي في بلدانهم وتجنب أي إجراءات من شأنها إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، حيث وصفت "نشرة آفاق أسواق السلع" أن بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد بشكل مفرط على استيراد الغذاء والطاقة، الأمر الذي يجعلها في وضع هش على نحو خاص أمام الصدمات الاقتصادية التي حدثت وستحدث نتيجة للحرب الروسية -الأوكرانية.
وذكرت تلك النشرة أنه "من المتوقع أن ترتفع أسعار الطاقة أكثر من 50% في عام 2022م قبل أن تتراجع قليلاً في عامي 2023 و2024م، وأن ترتفع أسعار السلع الأولية غير المتصلة بالطاقة - بما في ذلك السلع الزراعية والمعادن- بنسبة 20% تقريباً في عام 2022م، لكنها ستتراجع أيضاً في السنوات التالية. ومع ذلك، من المتوقع أن تظل أسعار السلع الأولية أعلى بكثير من متوسطها خلال فترة الخمس سنوات القادمة. وفي حالة استطالة أمد الحرب الدائرة، أو فرض عقوبات إضافية على روسيا، فمن الممكن أن تواصل الأسعار ارتفاعها، وأن تكون أكثر تقلباً مما هو متوقع في الوقت الحالي. وستتسبب الزيادة الناتجة عن تلك الحرب في أسعار المواد الغذائية والطاقة في خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، ومن المرجح أن تؤدي إلى عرقلة التقدم المحرز في جهود الحد من الفقر. وسيفضي ارتفاع أسعار السلع الأولية إلى تفاقم الضغوط التضخمية المرتفعة بالفعل في مختلف أنحاء العالم".
وبالنظر لموقف اقتصاديات الدول الأقل نمواً في التقرير من هذه الازمة العالمية الجديدة، نجد أنه تتعرض أسواق السلع الأولية لضغوط هائلة، سيؤدي إلى انخفاض في إنتاج السلع الغذائية وجودتها، مما يؤثر على توفر المواد الغذائية خاصة لشريحة الفقراء في تلك الدول. ويقع العبء الاكبر دائماً في جميع الازمات الاقتصادية العالمية على الدول التي يعتمد إقتصادها على التجارة الخارجية من إستيراد السلع الاستراتيجية من النفط والغاز والحبوب مثل القمح، والمعادن وغيرها، على الرغم من أنه معلوم أن كثير من الدول النامية في القارة الافريقية مثلاً هي مصدر أساسي من مصادر الموارد الخام الاساسية بعضها غير مستغل أو حتى مستغل بصورة جزئية، أو غير متطورة.
وتعد حالات الصراع السائدة وعدم الإستقرار السياسي في كثير من الدول الافريقية، من الأسباب الجوهرية لعدم إستغلال الامثل لهذه الموارد، حيث أن هنالك علاقة وثيقة بين النزاع والعنف والجوع. إن الأمن الغذائي في أفريقيا مرتبط بالسلام. وتحقيق السلام والاستقرار من العوامل التي تساعد على تحقيق التنمية الاقتصادية، بتطبيق أسس الحوكمة الرشيدة التي يمكن أن تخفف من آلاثار المتوقعة من الركود التراكمي على الاقتصاد الأفريقي وذلك بتسخير آلية لحماية وأمان تقلبات أسعار مدخلات الإنتاج أو السلع الإستراتيجية الأساسية، خاصة تلك المدخلات والمنتجات التي يعتمد عليها في الاقتصاد إعتمادا كبيرا مثل النفط ومصادر الطاقة والسلع الغذائية الأساسية، إذ أن أي ارتفاع في أسعار مدخلات الإنتاج الأساسية يساهم في ارتفاع أسعار كافة المنتجات.
كذلك يعد الامتناع أو التقليل من طبع المزيد من العملات الورقية بحسبانه "حلا" لمشكلة عجز الموازنة، وذلك لأن زيادة معدلات طباعة النقود تجعل القوة الشرائية للعملة تتدهور بوتيرة متسارعة، وبالتالي يساهم ذلك في ارتفاع معدلات التضخم بما قد يفاقم من المشكلة. كذلك معلوم أن معالجة الإختلالات الهيكلية في الاقتصاد تتم من خلال تقليص المكونات الريعية والعمل على تحويل الناتج القومي من (الاقتصاد الريعي) إلى (الاقتصاد الإنتاجي)، عبر تحسين جاذبية الأنشطة الإنتاجية بما يساهم في زيادة معدلات النمو الإقتصادي في تلك الدول، حيث أنه ما تجد الدول الرهينة لمورد محدد أو منتج محدد نفسها دوما في حالة خطر حال وقوع تقلبات إقتصادية أو سياسية غير متوقعة، وبالطبع يمنع حدوث الرفاه الاقتصادي.
وبالنظر إلى موقف الاقتصاد السوداني من أزمة الركود التضخمي العالمي، يصبح الآمر مختلفا عما كان دائما يوصف به الاقتصاد السوداني من عدم التأثر كثيرا بالأزمات العالمية، وإنها - إن وجدت – سيكون لها تأثير سلبي محدود لأن الاقتصاد السوداني معزول أصلاً عن الاقتصاد العالمي وأسواقه المالية، وبالتالي فهو لا يتأثر بالهزات الاقتصادية الكبيرة مثل الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في العام 2008م حيث بقي السودان معزولا من النظام المصرفي العالمي ولم يتأثر بتلك الأزمة كثيرا. وينطبق الأمر أيضا على أزمة جائحة كرونا وغيرها، غير أن الأمر يعد مختلف قليلاً الآن، وذلك لارتباط الازمة بالنفط ومصادر الطاقة والقمح والأسمدة وهي سلع تتحكم في دوران عجلة الاقتصاد في أي دولة. كذلك أظهر تقرير لصندوق النقد الدولي صدر في 27 أبريل2022 أنه " يتوقع نموا متفاوتا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا نمو بنسبة 1.1% فقط، وتضخماً بنسبة 141% في عام 2022م، بالنسبة لدول الاقتصادات منخفضة الدخل، بما في ذلك اليمن والسودان وموريتانيا والصومال وجيبوتي وذكر التقرير "أن أفقر دول المنطقة التي تستورد القمح من روسيا وأوكرانيا "تتعرّض لضغوط من حيث الأمن الغذائي."
لذلك يتحتم على واضعي السياسات في السودان التحرك على وجه السرعة للحد من الأضرار التي ستلحق بمواطنيهم جراء هذا الركود التضخمي العالمي، خاصة أن السودان به كثير من المخففات الطبيعية لهذه الأزمة العالمية، أهمها التحوُّل إلى استخدام أشكال الطاقة النظيفة (الطاقة الشمسية مثلا) والعالم لازال في بداية الأزمة، حيث أن ارتفاع أسعار المعادن سوف يؤدي إلى إرتفاع تكلفة الطاقة المتجددة لاحقاً، وهي التي تعتمد على معادن مثل الألومنيوم والنيكل المستخدم في صناعة البطاريات وغيرها.
ويمكن أيضا ضع خطة استراتيجية إسعافية لتقليل الإعتماد على إستيراد القمح الذي فاق إستيراده نسبة (80%) من البلدين المتحاربين، والبدء في توطين زراعة القمح والحبوب الأخرى مقابل إعفاءات مجزية للمزارعين، وتذليل معوقات ومشاكل زراعة وانتاج القمح في السودان، خاصة وأن البلاد قد حباها الله بالأرض الخصبة والماء العذب، للخروج من أزمة نقص الغذاء حال فرض العالم عقوبات على واردات القمح الروسي. عندها فإنه سيواجه حتى المستوردين صعوبة متزايدة في شراء القمح من روسيا بسبب صعوبات تحويل الأموال إلى الشركات الروسية والتأمين على السفن.
كما يعد موقع السودان الجغرافي من العوامل التي قد تفاقم من الأزمة حيث إستقبل السودان في السنوات الأخيرة أكثر من مليون لاجئ فروا من الصراعات في بلادهم، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة. وأن المساعدات الموجهة للاحتياجات الإنسانية في السودان وأماكن أخرى قد تتأثر بالاحتياجات المتزايدة في أوكرانيا التي تشهد حربا ضارية، تحت مسمى "المساعدات داخل القارة الأوروبية". هذا بخلاف سياسة التعدين الأهلى المصرح به من قبل الدولة وما يفرزه من آثار سالبة على الأمن والبيئة والمجتمع ككل.
كذلك يتحتم البدء في تطبيق مفاهيم الشراكات بين مؤسسات الحكومة والجهات الفاعلة في مجال التنمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني المحلي للعمل على التصدي للأزمات المتوقعة وتوظيفها لصالح الجميع. ويمكن للقطاع الخاص والمستثمرين أن يعدلوا قليلاً من طريقة تفكيرهم لتشمل أهدافاً لاحتواء الأزمة الاقتصادية المتوقعة والتي لن تستثني أحدا منهم.
كذلك من المفيد تكثيف نشاطات المجتمع المدني الذي يدعو إلى عمل برامج لشبكات الأمان الاجتماعي الموجَّهة مثل الدعومات النقدية للأسر الفقيرة، وبرامج التغذية المدرسية، وقيادات مبادرات من شأنها تدريب المجتمعات على كيفية مواصلة العمل في أوقات الأزمات ومواجهة التحديات بطرق جديدة ومبتكرة. فمن المهم أن تتعلم منظمات المجتمع المدني من كل أزمة منهجا مبتكرا للعمل، والقيام بأعمال رائدة لمساندة الخطوط الأمامية للتنمية، وذلك ضمن الجهود الرامية لمساعدة الناس في البيئات ذات الأوضاع الهشة والمتأثرة بالصراعات.

 

nazikelhashmi@hotmail.com

///////////////////

 

آراء